مدينة المآذن والمساجد تتحول إلى إشباح.. هذا ما حل بالفلوجة بعد سيطرة المليشيات الشيعية عليها

تم النشر: تم التحديث:
FALOUJA
theguardian

بعد أيام من تطهير الفلوجة من مقاتلي "داعش" أزال المنتصرون معالم المدينة وأصبح المستقبل بالنسبة لسكانها غير واضح.

في الطابق الأرضي بمستشفى الفلوجة، رمز بزوغ بشائر الحروب، كان مقاتلو داعش حديثو العهد بالمدينة قد أقاموا مسجداً، حيث فرشوا سجاجيد الصلاة حول غرفة الاستقبال، وصمّموا منبراً ليلقي رموزهم الخطب الدينية، وسط الفوضى التي تعمُّ جناح الطوارئ بالمستشفى، حسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية .

أمام سيارة الإسعاف المعطلة، وفي أحد الأركان دفن حراس المستشفى الجُدد أحد مقاتلي داعش كان يرقد في العراء بعد أن فرّت الميليشيات منذ ستة أسابيع.


مدينة المآذن


دائماً ما كانت قوات الأمن العراقية تدعم ما اشتهرت به الفلوجة لما يزيد عن 13 عاماً بأنها إما مدينة المآذن أو مدينة الصمود، لكن الذين حلّوا بها حديثاً غيّروا كل ذلك، فرويداً رويداً، أصبحت مدينة الأشباح والكتابة على الجدران.

ترك الغزاة الجدد بصماتهم في جميع أنحاء المدينة، فعلى جدران مئات المنازل والمباني المهجورة، نشرت قوات الأمن والميليشيات الشيعية التي ساهمت في كسب المعركة التي استمرت ستة أسابيع الشعارات التي تُندد بداعش وتمجد المراجع الشيعية المقدسة لديهم.

وفي حين أن القوات العراقية كان لها الفضل في النصر إلا أن المقاتلين الذين حرروا المدينة اعترفوا بأن الميليشيات الشيعية انحازت لجبهة الحشد الشعبي التي لعبت دوراً بارزاً أثناء وبعد المعركة.

هكذا قال سيد عمار المتحدث باسم ألوية عمليات الطوارئ في وزارة الداخلية العراقية. وأضاف: "لقد كنا نتصدر المشهد"، وأضاف "بعد ذلك انضمت لنا ميليشيات فيلق بدر الشيعية وعصائب أهل الحق".

هاتان القوتان كلتاهما مدعومتان من إيران، ولعبتا دوراً بارزاً في الحرب تجاه داعش، وغالباً ما كان لهما الأسبقية على قوات الأمن التابعة للدولة. وهذا ما انتقده العراقيون الذين بينهم الكثير من السنة الذين يخشون الإيحاءات الطائفية لبعض هذه الميليشيات، كما يرى بعض المسئولين العراقيين أن هذه الميليشيات تنتهك سيادة العراق.

وبالسؤال عن دور هذه الميليشيات أجاب أحد الضباط بحذر "بصرف النظر إذا كنت تتفق أو تختلف مع جبهة الحشد الشعبي فإنهم جاؤوا إلى هنا كعراقيين لتحرير الشعب الذي وافق على دخول داعش في حياته".

هذا النصر من أجل الشخص الذي نبجّله، إنه علي "هذا هو أحد الشعارات التي رسمتها الميليشيات الشيعية على الجدران. شعار آخر يقول "الفلوجة الآن في أيدي كتائب بدر".

في كل مكان، وجنباً إلى جنب تجد العبارات الشيعية وجهاً لوجه مع أعلام العراق الوطنية التي ترفرف الآن بأعداد كبيرة في جميع أنحاء المدينة، المدينة التي كانت لا تعرف شيئاً سوى سيطرة ميليشيات داعش التي تتشح بالسواد عليها خلال العامين والنصف الماضيين.


لا اختلاف عن حكم داعش


وكما كان الحال في عهد الجماعات الإرهابية مازال مستقبل الفلوجة على المحك، فلم يتحرّك أحد من سكان المدينة لإحداث تأثير ما، فلم يتغير شيء هنا بخلاف مغادرة الوحدات العسكرية للحفاظ على المدينة، بينما لاذ كلُّ سكان المدينة الذين بقوا تحت حكم داعش بالفرار.

الكثيرون تمت استضافتهم في مخيم اللاجئين في الصحراء بالقرب من المدينة في بئية قاسية لا ترحم، في منتصف فصل صيف العراق الحار ومن غير المرجح أن يتمكنوا من العودة لمدة ستة أشهر على الأقل .

"إنها تحتاج على الأقل ستة أشهر" هكذا قال المقدم تاسين من وحدة الطوارئ، وأضاف "هذا المكان لا يمكنه استقبال أي شخص قريباً".


اختفاء معالم المدينة


وقد أدّت الحرب الشرسة في المدينة إلى إخفاء معالم الكثير من شوارعها، كما كشفت كثيراً من أسرار الجماعة الإرهابية التي استخدمت العنف والوحشية لفرض نفسها، مثلما فعلت ذلك في كل مكان في العراق وسوريا.

ووسط شارع مشوه بالأنقاض وبقايا الأعيرة النارية أنشأت داعش محكمة وسجناً. كلاهما تم نهبه وإضرام النار فيه، لكن الأقفاص التي كانت مخصصة لحمل السجناء تحملت اللهيب، بعضها كان ضيقاً للغاية لا يسمح للجلوس بداخله والآخر منخفضاً للغاية بحيث لا يسمح لأحد بالوقوف.

وفي مدرسة قريبة استخدمت الجماعة فناءها كمركز للقتل، ثمة جثتان لشابين عيونهما مربوطة بعصابات حمراء، ترقدان متعفنتين".

وقال النقيب علي قزويني "لقد تم دفن تسعة آخرين أسفل منهم" .

وأضاف "إنهم جميعاً من داعش، كانوا أمام خيارين إما أن يهربوا أو أن يتهموا بالخيانة" كان هناك ثلاثة زوارق مختبئة وراء بوابات المدرسة تستخدم لعبور الفرات. لقد كانوا ماهرين جداً في الارتجال. لقد أرادوا الزوارق لاستخدامها في التهريب".

وبحسب تقديرات وزارة الداخلية العراقية، كان هناك 1000 عضو من تنظيم داعش بالفلوجة عندما بدأت المعركة وعدد قليل فقط منهم عُرف أنهم تمكنوا من الهرب، غالبيتهم كانوا في قافلة سارت في منتصف الليل، وتعرضت للهجوم من قبل المقاتلات النفاثة، لأنها تسللت عبر الصحراء في محافظة الأنبار قبل أسبوع.

وقال المتحدث سيد عمار "ألقينا بجثثهم في نهر الفرات. لقد جعلناهم طعاماً للسمك" ويؤخذ في الاعتبار هنا أننا نتعامل مع عدوٍ ليست لديه نية في الاستسلام، وليس لردود فعله حدود. ويحيط بالمنتصرين هناك شكوك عميقة من أهالي الفلوجة، خاصة هؤلاء الذين فروا مذ بدأ القتال".


مدينة الإرهاب أم التجار


"عقلية الناس هنا تختلف قليلاً عن بقية البلاد، عقائدياً، فكرياً ودينياً" بجسب ما ذكر االمقدم تاسين وأضاف "هنا مركز الإرهاب في العراق كله" وتابع "نحن بحاجة إلى تقديم التعليم والتدريب المهني للناس مرة أخرى".

كانت الفلوجة لسنوات عديدة مدينة التُجار، والصناعة والموالين لنظام صدام حسين، ولا تزال المدينة في حالة من الثراء، وتتمتع بمنازل عريقة مؤسسة على شوارع واسعة. "انظر إلى هذا المنزل"، يقول ضابط حديث السن من داخل بيت انتقلت إليه قواته.

"لا نستطيع تحمل نفقات إيجار لمساحة 150 متراً مربعاً في مدينتيّ الحِلة والديوانية (بوسط وجنوبي العراق). هؤلاء الناس الذين سمحوا "للدولة الإسلامية" بالمجيء إلى هنا بحاجة لتوضيح أنفسهم. يحتاجون لتقديم إجابة عن سؤال لماذا ينبغي أن يكون لديهم مستقبل هنا".

خارج المستشفى، والذي بُني بواسطة الحكومة العراقية في عام 2009، يقف سعد محمود، وهو من أهالي الفلوجة وفرد خاص في الجيش العراقي، حارساً على مدفع رشاش. لقد فرّ هارباً من المدينة مع عائلته عندما سيطرت عليها "الدولة الإسلامية" في يناير/كانون الثاني 2014. يقول سعد: "لا أريد العودة مُجدداً ورؤية منزلي. لا أعلم ما الذي حلّ به".

يقف إلى جانبه جندي من مدينة الرمادي القريبة. فتح هاتفه النقّال وعرض صورة لبيته، والذي دمّرته "الدولة الإسلامية" قبل الإطاحة بها من الرمادي في أواخر عام 2016 . يقول: "لقد قاموا بفعل ذلك لأنهم علموا أنني جندي في الجيش".

تُزيل الجرافات ببطء الأنقاض قرب مدخل المستشفى، بينما يقوم الجنود في وسط المدينة بجولات عشوائية عبر الشوارع الخاوية.

في منزل للتخزين بشارع جانبي، وُجدت العبوات الناسفة وصفائح الضغط مُكدسة في الزاوية. "كانوا يقومون هنا بصنع جميع قنابلهم"، كما يقول النقيب علي قزويني. "وكذلك أحزمتهم الناسفة".

بعد مسافة من نفس الطريق، تتناثر المدافع الرشاشة، والدروع الواقية والذخيرة وسط أنقاض لبيت كان يُعتقد أن "الدولة الإسلامية" (داعش) استخدمته كقاعدة لها. ظلت باقة زهور بلاستيكية قرمزية اللون باقية على نحوٍ غريب على الطريق أمام واجهة المنزل. يقول النقيب علي: "إنهم يفضلون تدمير كل شيء على أن يتركوه لنا".

أعطى الانتصار في الفلوجة للقوات العراقية شعوراً بالثقة قبل معركة من المرجح أن تكون مصيرية بالنسبة لكل من "الدولة الإسلامية" والعراق – الدفع لاسترداد المدينة الثانية في العراق، "الموصل".

"لقد تعلمنا فوائد أن نكون جيشاً احترافياً"، يقول المقدم تاسين. "نحن نعلم ما نقاتل من أجله ويتم دعمنا بمدفعية وغطاء جوي جيد جداً. لقد كان أمراً مُتقناً".

يفرض تغيُر موازين المعركة أيضاً الوضع في الحسبان، ما هو شكل الدولة التي ستنشأ بعد هزيمة "الدولة الإسلامية" عسكرياً وما إذا كان المسئولون سيستطيعون إعادة حق الاقتراع للسُنة أو حل الميليشيات.

"إن أيديولوجيتهم لم تنكسر"، يقول المقدم تاسين. "لا تعتقد ذلك. إن الطريق الذي سنسلكه لإعادة بناء الفلوجة أمرٌ هام للغاية".

"قد تكون هذه فرصة العراق الأخيرة. إذا قامت البلاد بتبديدها، وشرعت في الاندفاع ناحية عقود الإنشاء الفاسدة، فستكون تلك القاضية، وسينتهي كلُّ شيء. عليهم التفكير بوضوح. إن أول شيء رغم ذلك هو أن العائلات يمكنها العودة بعد أن يتم تقييمها".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.