التضليل الإعلامي في ألمانيا يطال حتى ميركل.. وهكذا دخلت صحيفة الرياض السعودية بالقضية

تم النشر: تم التحديث:
ANGELA MERKEL
Sean Gallup via Getty Images

ليس سراً أن التضليل والضجة الإعلامية يستتران بين ثنايا الإنترنت. لكن الكثير من الناس مازالوا غير مدركين تماماً للطريقة التي يعمل بها هذا النوع من الحملات، ومدى سرعتها في تضليل الناس. فمثلاً بالتزامن مع شهر رمضان، قام موقع ألماني اسمه Politically Incorrect بنشر خبر ملفق، يزعم أن المستشارة أنغيلا ميركل قامت خلال الشهر السابق بإعفاء مطعم من دفع الضرائب "حتى يتوفر للمسلمين طعام أرخص في شهر رمضان".

تحاول حملة التضليل أن تعرض للقراء الذين يرون أن المستشارة وحكومتها كريمان أكثر من اللازم مع اللاجئين والمسلمين تأكيداً لأكثر النظريات غير منطقية. ويبدو أن الأمر نجح بالفعل -على الأقل وسط جمهور موقع Politically Incorrect- ففي خانة التعليقات نجد سلسلة من الانتقادات والإهانات الموجهة لميركل وسياسات اللاجئين في حكومتها.

يقدم Politically Correct نفسه كبوابة أخبار "خارج التيار"، لهذا فهو جدير بجذب انتباه الفئة غير الراضية عن سياسات اللاجئين في الحكومة الألمانية. فنظرة خاطفة إلى لافتات الموقع تُظهر بوضوح أنه يدعم نشاطات حركة بيغيدا التي تتبنى مبدأ الخوف من الأجانب وفروعها الإقليمية. يبذل أنصار الموقع مجهوداً فعالاً لإخفاء هويتهم، ولكنهم أيضاً لا يترددون في إظهار دعمهم لليمين والمتطرفين وجماعات الإسلاموفوبيا.


"مشكوك في أمره"


حتى مؤلفو الجريدة مجهولو الهوية يبدون مرتابين بشأن التقرير الذي قاموا بنشره. فكتبوا "لم يتم تحديد نوع الضرائب المعني بأمره بالضبط هنا، كما يفتقر التقرير إلى تفاصيل أدق. في الواقع، يبدو خبر أن تقوم المستشارة بمنح تنازلات خاصة لفئة معينة، مستغلة سلطتها، مشكوكاً في أمره." ثم يستأنفون الخوض في نظرية المؤامرة برغم ذلك: "لكن بالنظر إلى الطريقة التي اتخذتها ميركل في وضع نفسها فوق القانون بالقوة، آتية بمن تريد من المواطنين الجدد للبلاد، لا يسع المرء إلا أن يضع في عين الاعتبار أنها قادرة بالفعل على اتخاذ قرار كهذا. ولهذا السبب، نقدم لكم هذا التقرير بكامل الحرص والتحفظات".

بدلاً من التأكد من مدى صدق التقرير قبل نشره، وبدلاً من الاعتراف بخطئهم في نشر معلومة غير صحيحة، تستدل الجريدة بتقرير على النسخة الإنكليزية لموقع Morocco World News، ثم تعود للإشارة إلى النسخة العربية للإذاعة الخارجية الروسية (رويترز)، التي لا تمثل مصدراً رئيسياً للتقرير أيضاً، مشيرة بدلاً عنها إلى جريدة الرياض ذات الارتباط الوثيق بالعائلة المالكة السعودية.

مجرد فكرة أن جريدة سعودية تعلم عن الضرائب الألمانية أكثر مما يعلمه الإعلام الألماني، كافية وحدها أن تثير الشكوك، والحق أن موقع الرياض لم يعرض أي تقرير من أي نوع عن إعفاء ضرائبي خاص بشهر رمضان في ألمانيا.


"تضليل مزدوج"


وعلى الرغم من الجهود المبذولة لتوريط الرياض، إلا أن التقرير يبدو في أول الأمر كأنه انتشر عن طريق RT. تستهدف حملة التضليل القراء العرب، كما تستهدف بشكل غير مباشر مستخدمي الإنترنت الألماني أيضاً على حد سواء. يتم إعطاء القراء العرب انطباعاً خاطئاً بأن ألمانيا أكثر جمالاً للمسلمين، وهو الأمر الذي قد يشجع اللاجئين أن يأتوا إلى البلاد. وفي الوقت نفسه، تُثير نفس الأكاذيب حفيظة الألمان المعادين للإسلام.

أحد الحسابات الممكنة لمثل هذه الحملات المضللة هو: إذا تم خلع المستشارة ميركل بسبب أزمة اللاجئين، ألمانيا ستضعف كثيراً ككيان قوي وسط أوروبا، وبشكل ملموس جداً، ستبدأ الجبهة المتحدة للاتحاد الأوروبي، التي تفرض العقوبات ضد الكرملين، في التصدع.

هذه هي الطريقة التي يعمل بواسطتها الدعاية والتضليل؛ يتم عرض إحدى المعلومات غير الصحيحة كما في هذه الحالة، أو حتى معلومة نصف صحيحة أو مشوهة بنسبة كبيرة، مشاراً إلى مختلف المواقع بمختلف اللغات كمصدر لها حتى يختفي "المصدر" الأصلي للتقرير.

يصل هذا التضليل في النهاية إلى المستخدمين الألمان مرفقاً بمراجع تشير إلى "وسائل الإعلام الدولية". أولئك الذين يتبنون فكرة أن أشهر المذيعين والمواقع الإلكترونية والصحف في ألمانيا لا يقولون الحقيقة، تتأكد شكوكهم حين يرون أن خبر الإعفاء الضريبي الاستبدادي لم يتم تغطيته محلياً أبداً.

في نهاية المطاف، يجب ألا يركن أحدٌ منا إلى التفكير أننا صعب استدراجنا وسط حملات التضليل هذه. فمقالة Politically Incorrect كانت قد تصدّرت نتائج بحث جوجل، وهو أكثر محركات البحث استخداماً في ألمانيا. لذا يجب أن يتم فحص المعلومات ومصادرها دائماً بعين ناقدة.

- هذا الموضوع مترجم عن موقع وكالة Deutsche Welle الإخبارية الألمانية. للاطلاع على المادة الأصلية، يُرجى الضغط هنا.