60% يجمعون بين أكثر من وظيفة.. مهنة بعد الظهر طوق النجاة للمصريين من الغلاء

تم النشر: تم التحديث:
DFGDFG
social media

اليوم في العالم ينقسم إلى 8 ساعات للعمل ومثلها للراحة والحياة والبقية للنوم. أما في مصر فالمعادلة تختلف بحسب وضعك الاجتماعي والاقتصادي. حيث يضطر الكثيرون إلى إضافة ساعات للعمل على حساب الحياة والراحة وأحيانا النوم، وذلك لأن البديل هو السقوط في هاوية الفقر والاستدانة.

ولأن "الحاجة أم الاختراع" يلجأ كثير من المصريين إلى البحث عن عمل ثانٍ إلى جانب عملهم الأصلي، أو المشاركة في مشروع تجاري، أو أي عمل مهني لتوفير دخل إضافي يعينهم على مواجهة الأعباء المتزايدة للغلاء وارتفاع الأسعار.


المعادلة الصعبة


الحاج محمد سيد أحمد الزيني تطبيق عملي لهذه المعادلة الصعبة. فهو موظف بوزارة الشؤون الاجتماعية صباحاً، وحلاق بشارع فيصل بالجيزة مساء، فأعباء الحياة كما يقول "لم تعد تطاق، فراتب الوظيفة الحكومية لا يتجاوز 2000 جنيه، بينما متطلبات الحياة لأسرتي المكونة من ستة أفراد تتطلب أكثر من 5 آلاف جنيه شهريا، لتغطية نفقات التعليم والأكل والشرب والسكن، والكهرباء والمياه والعلاج، وهذا يكفي بالكاد لحياة أقل من المتوسطة. والبديل لكي نعيش هو توفير موارد دخل أخرى”.

وأمام هذا الوضع امتهن الحاج محمد "الحلاقة" بعد انتهاء وقت العمل الرسمي: "أذهب لمحل الحلاقة يومياً، حتى أن يوم الاثنين الذي كان إجازة للحلاقين، ألغيته، خصوصاً في المواسم، حتى أستطيع أن أوفر باقي متطلبات الحياة، ورغم أن كل ذلك على حساب صحتي وراحتي".


المهنة واحدة والدوام طوال اليوم


أما شريف أبو عطوة فلم يغير مهنته، ولكنه مد نشاطها قليلا فهو سائق بمدرسة خاصة صباحاً، وسائق لسيارة أجرة "تاكسي" ليلاً.

شريف قال لـ "هافينغتون بوست عربي": "لا يمكن أن أعيش أنا وأولادي الخمسة وأمهم بـراتب شهري لا يتجاوز 1800 جنيه، ورغم أن عملي يبدأ في السادسة صباحا، وينتهي في الثالثة عصراً، فإنني أبدأ في السادسة مساء، وبعد راحة لا تتجاوز الساعتين دورة العمل الثاني سائقاً على التاكسي، والتي قد تمتد إلى ما بعد منتصف الليل. وليس أمامي سوى العمل علي هذه الوتيرة يومياً، منذ 15 عاما حتى لا أمد يدي متسولا. كل شئ بيغلي سعره إلا البني آدم، وهذه الأيام الأسعار أصبحت فوق طاقة البشر".

الأسطى شريف يحسبها ببساطة قائلا: "لكي تستقيم الحياة لابد أن يكون الدخل للعائلة العادية جداً، في حدود 3 آلاف جنيه على الأقل، مع توفير العلاج المجاني، وتوفير سكن بإيجار مناسب، فأنا أدفع ألف جنيه إيجاراً للبيت، وهذا الإيجار يزيد كل سنتين، فأضطر لتغيير السكن إلى منطقة أقل سعراً”.


الغلاء وآثاره


الغلاء هو أزمة المصريين اليومية، فأرقام البنك المركزي المصري الصادرة في يونيو الجاري تشير إلى أن معدل التضخم الأساسي ارتفع على أساس سنوي إلى 12.23% في مايو، مقابل 9.51% في أبريل الماضي.

وبحسب تقرير الجهاز المركزي للإحصاء، فإن ارتفاع معدلات التضخم في مصر يرجع إلى ارتفاع أسعار مجموعــــة الحبــــوب والخبز والأرز بنسبـــة 8.4%، ومجموعة اللحوم والدواجن بنسبــة 3.8%، ومجموعة الخضراوات بنسبة 3.8%، ومجموعة الفاكهة بنسبة 5.2%، ومجموعة الوجبات الجاهزة بنسبة 4%، والرعاية الصحية بنسبة 15.1%، بخلاف ارتفاع أسعار الأسماك.

وإمتد الغلاء إلى الأثاث والتجهيزات والمعدات المنزلية والصيانة والمنتجات الورقية والرعاية الصحية بما فيها خدمات العيادات الخارجية وخدمات المستشفيات بنسب وصلت 9.2%.


العمل الثاني "قبلي وبحري"


العمل الثاني لا يتوقف على المقيمين في العاصمة المصرية "القاهرة" فقط، بل يمتد لمختلف المحافظات، وهو ما يؤكده النمر مقلد، المدرس بالمدرسة الإعدادية القديمة بسوهاج، والذي يعمل فى ورشة لتقطيع الزجاج بعد الظهر حتى يستطيع الإنفاق على أسرته، لأن راتبه فى التربية والتعليم لا يكفى للإنفاق على أبنائه الثلاثة فى مراحل التعليم المختلفة.

وأوضح مقلد أن تلاميذه بالمدرسة يعلمون أنه يعمل فى حرفة الزجاج، ولكنهم يقدرون صعوبة الحياة، مطالباً قيادات وزارة التربية والتعليم بتحسين الرواتب حتى لا يضطر المعلمون للعمل فى مهنة حرفية بعد الظهر، كما يطالبهم بالاهتمام برفع قيمة المكافآت، خاصة أنه وغيره من المعلمين لا يعملون بالدروس الخصوصية.

وبعيداً عن الصعيد يعمل البدرى إبراهيم مدرساً بإحدى مدارس القليوبية. وبعد الانتهاء من العمل يعمل في مجال البناء "المحارة"، لأن الحياة صعبة وراتبه لا يكفي للإنفاق على أسرته المكونة من زوجته و4 أبناء، فيضطر للعمل طوال النهار حتى المساء للحصول على لقمة العيش، ولا بديل أمامه.

أما مصطفى محمد الموظف بالإدارة المحلية بالسنبلاوين في محافظة الدقهلية، فاضطر للعمل بعد الظهر كسكرتير في إحدى العيادات الطبية لأن راتبه لا يتعدى 500 جنيه وله طفلان، ولولا عمله الإضافي بالعيادة لما لستطاع مواجهة أعباء الحياة فى ظل الظروف الصعبة خاصة وأن زوجته لا تعمل.


والنساء أيضا


ولا يقتصر العمل الإضافي على الرجال فقط في مصر، فسهام محمد القعيد الموظفة في مديرية الشباب والرياضة بالجيزة، لجأت للعمل الإضافي لمساعدة زوجها في نفقات الحياة حيث تعمل أربعة أيام في مركز "رعاية بدنية" للسيدات، براتب 850 جنيهاً شهرياً، إضافة إلى راتبها في وزارة الشباب، حتى توفر "ما يكفي للحياة المستورة"، مشيرة إلى أن زوجها لا يستطيع أن يعمل عملا إضافيا، لأنه يعمل بنظام الورديات غير الثابتة في مصنع للبلاستيك.


عمل بعيدا عن الدراسة


مجموعة شباب من خريجي الجامعات هم "أحمد وسعيد وعبدالله ومحمد وعبدالرحمن" فشلوا في إيجاد عمل يناسب دراساتهم الجامعية، فقاموا وبمساعدة أهلهم، في افتتاح "مخبر أفرنجي" في منطقة الهرم.
بينما يعمل محمد كمال نهاراً فى مكتب للمقاولات الهندسية، وفي المساء بمركز لصيانة الكمبيوتر.

ويقول:"العمل يستمر ليوم كامل، بل أحياناً الأمر يحتاج إلى الاستيقاظ المتواصل لثلاثة أيام لإنجاز المطلوب، وليس أمامي غير ذلك لرعاية أسرتي وطفلي الرضيع، لأنني باختصار "مش عاوز أتحوج لأى حد".

أما محمد بسيونى فهو طالب جامعي يعمل فى مجال النجارة إلى جانب دراسته، فهو يقتنع بأنه لا يصح أن يقبل شاب حصل على شهادة الثانوية المال من أسرته، بل عليه أن يعمل لينفق على تعليمه الجامعي: "والدي ينفق على شقيقاتي الثلاث وعلي أن أساعده ولا أكون عبئاً عليه”.

ثقافة قبول العمل بحرف أو مهن لا علاقة لها بمجال الدراسة ربما كانت سببا في انخفاض معدلات البطالة قليلا في مصر فقد شهد الاقتصاد المصري تحسناً نسبياً مع تراجع معدل البطالة في البلاد خلال الربع الثاني من العام الحالي بنسبة 0.6%، وفقاً لما ذكره الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري.

ويشير تقرير الجهاز المركزي مؤخراً، إلى أن معدل البطالة في مصر انخفض إلى 12.7% في الربع الثالث من العام المالي 2014-2015، مقارنة مع 13.3% في الفترة المقابلة من العام الماضي.

ووفقاً للجهاز فإن عدد العاطلين عن العمل بلغ 3.6 مليون عاطل من إجمالي قوة العمل، بانخفاض 141 ألف عاطل عن الربع المقابل من العام الماضي.

ورغم ذلك فإن الدخول لا تزال منخفضة للغاية ما يبرر قبول أي عمل والبحث عن عمل إضافي. فآخر إحصاء حول متوسط الأجر الأسبوعي بالجنيه في القطاع العام والاعمال العام والقطاع الخاص كان لعام 2014 و أظهر أن متوسط الأجر الأسبوعي يبلغ 806 جنيهات مصرية فقط.


60 % من المصريين بـ"عملين"


الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية يقول إن أكثر من 60% من المصريين يجمعون بين أكثر من وظيفة لأسباب اجتماعية واقتصادية، منوهاً إلى أن إدارة الوقت عند المصريين مهملة بسبب الظروف المعيشية التي تجبرهم على الجمع بين وظيفتين.

ويضيف: "في الغالب لا يحصل الجسم على قسط كاف من النوم والراحة"، مطالباً الدولة بتوفير البدائل المناسبة للعمل الواحد، خصوصاً أن كثير من الشباب المصري مصابون بأمراض مزمنة بسبب عدم ممارستهم للرياضة، وقضاء معظم الوقت في العمل والبحث عن دخل إضافي.

وشدد صادق على أن دور الدولة هو الأساس لمعالجة هذه المشكلة، مع دور آخر للمواطن نفسه للابتكار في البحث عن عمل واحد، حتى لو كان خاصاً، يستطيع من خلاله تنظيم وقته، بما يوفر حاجاته المادية والصحية والعائلية أيضاً.