خيري إليكم نازل وشركم إليَ طالع.. هكذا تنظر أميركا البيضاء إلى السود

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

حادثة مقتل رجلين أسودين (ألتون ستيرلينغ وفيلاندو كاستيل) مؤخراً في أميركا على أيدي رجال شرطة، فتحت من جديد ملف حقوق الإنسان والعنصرية في هذا البلد، الذي يضم 40 مليون إنسان من ذوي البشرة السمراء يمثلون نحو 12% من السكان. مايكل إيريك دايسون، أستاذ علم الاجتماع بجامعة جورج تاون، ناقش القضية في هذا المقال الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، الخميس 7 يوليو/تموز 2016:


وإلى نص المقال

واضح تماماً أنك يا أميركا البيضاء لن تفهمينا. نحن أمةٌ سوداء البشرة قوامها 40 مليون بشراً، نعيش ضمن دولة بها أكثر من 320 مليون نسمة، بيد أننا لا نفكر ولا نشعر ولا نحب ولا نتعلم ولا نعيش ولا حتى نموت بالطريقة نفسها.

لكن ثمة أمر واحد يتفق معظمنا عليه، ألا وهو أننا جميعاً لا نريد للشرطة أن تقتلنا دون رادع أو خوف من مواجهة العدالة والمثول بين يدي القضاء، ناهيك عن الذهاب للسجن، حتى عندما يرقبنا العالم كله ويتفرج على مشهد احتضارنا إذ نلفظ نفسنا الأخير في مقطع فيديو عائلي مصور بكاميرا الهاتف.

ليست عندك يا أميركا البيضاء أدنى فكرة عن البؤس واليأس الذي نشعر به، إذ نشاهد هذه اللقطات والأحداث تتسارع بعنف واحدة تلو الأخرى. الصور الملتقطة بأيدٍ ترتجف من هول ما رأت، تروي لنا قصة يجمد لها الدم في العروق ولا تصدقها عين، إنها قصة حياة الإنسان الأسود التي تذهب وتزهق بأبخس الأثمان. إنها قصة شهدنا لوحتين منها الأسبوع الماضي، إذ لقي رجلان أسودان (ألتون ستيرلينغ وفيلاندو كاستيل) مصرعهما على أيدي رجال شرطة أطلقوا عليهما النار، ورصدتهما عدسات الفيديو في رمقهما الأخير. هل يموت إنسان أسود، أو لعله ينفق، ونحن نرقب ونشاهد؟ لا بل وعلى يد الشرطة دون سواها التي تقتل كأنها في حرب غير معلنة على السود.

قصة تجدين صعوبة في تصديقها؛ حتى أنك ترين في الفكرة المجردة إجحافاً وإهانة لدرجة أنك تكيلين لمن يؤمن بها من السود اتهاماتٍ بالعنصرية. لكن الغلبة دوماً لمن سلاحه أقوى.

تتهميننا معشرَ السود أننا نقتل بعضنا كل يوم دون أن ننبس ببنت شفة فيما نقيم الدنيا ولا نقعدها على كم شرطي أبيض البشرة عادة لأنهم يطلقون النار على سودٍ تطلقين عليهم لقب أفراد العصابات والبلطجية.

لا طائل من إثبات بطلان هذا الاتهام، فليست هذه قضيتنا الآن. قضيتنا أننا سود الإهابِ، نتناجى ونتشكى فيما بيننا ونحاول إسماع صوتنا للعالم لكن لا حياة لمن تنادي، فالعالم أصمّ آذانه عنا. نشكو الفظاعات التي تدور وترتكب في أوساطنا السمراء في كل أنحاء البلاد، فهي مريعة مثل أي فظاعات أخرى مسرحها الأحياء الفقيرة المعدمة، خاوية من مدارس فاضلة ومن خطوط دفاعية اجتماعية اقتصادية ضد التحول إلى التوحش والبلطجة، فالناس عادة ما تقتل من هم في نفس العش، يوجهون غضبهم تجاه أهداف سهلة.

لعل أفضل طريقة لفهم قضايانا ليست في رؤيتها كأنها جرائم سود ضد سود، بل هي جرائم ومجازر حي ضد حي. لو كانت الأحياء لبيض البشرة فلا استثناء لهم من الجرائم التي تطال من يصدف أنهم سود البشرة. إن شئتِ جرائم متعددة الأعراق (عرقاً ضد عرق)، فلا بد لكِ من جاليات متعددة الأعراق إذاً.

جميعنا نشاهد الفيديو ذاته، لكنكِ تصرين على أن الكاميرا لا تروي القصة كاملة. لعلك على صواب، لا بل أنت حقاً على صواب، لكنك ويا للأسف لا تريدين أصلاً أن تستمعي أو تري القصة كاملةً.

عند الولادة يعطونكِ منظاراً ترين منه حياة السود من على بعد مسافة، لا عن قرب، فلا تلمسين ولا تستشعرين نسيجنا الدافئ. منظارك هذا ما هو إلا فوقيتك وتميزك وعلو شأنك بغض النظر عن طبقتك. حتى أنه في الواقع إن أكبر ميزة يتمتع بها البيض هي أن الشرطي قد يوقفهم في الشارع، لكن الموقف لا ينتهي بهم جثة هامدة ممددة على الطرقات.

كذلك من ضمن هذا المنظار قصص تندرج فيه؛ قصص سيئة وحكايات منحازة ضدنا، قصص تؤذينا عن كم نحن كسالى أو أغبياء أو عاجزون أو فاسدون بلا أخلاق؛ قصص تروي كيف أننا شعب لا تنفع معه أفضل المدارس ولا حتى الرب نفسه يصلحنا. هذه المعتقدات لا تجد طريقها إلى الكتب المعاصرة ولا إلى صفوف المدارس وقاعاتها، بل تتناقلها الأجيال شفهياً من أب أبيض إلى بنيه وهكذا.

المشكلة أنكِ لا تريدين أن تعرفي أكثر مما تظنين أنك تعرفينه. معلوماتك عن حياة الإنسان الأسود ومشقاته التي يواجهها والتي منها ما قد نخلقه نحن بأنفسنا لأنفسنا وكل تلك الأهوال التي نتحملها، كل هذا لا يعني لك شيئاً. تظنين أننا عالة مشاكسون، خيرك إلينا نازل فيما شرنا إليك طالع، فأنت تصرين على أنك أنت المنعمة المتفضلة علينا بغناك وثرواتك وخزائنك ومواردك يا صاحبة الجلالة أنت؛ كل هذه لك أنت أولاً وقبل كل شيء، أما الفتات إن تبقى أصلاً فقد ينالنا منه نصيب إن سألناك بأدب وشكرناك شكراً جزيلاً بعدها.

تطالبين المحكمة العليا بإرجاع ما كان حقاً لك حكراً عليك وحدك: تريدين لبني جلدتك المزيد من المقاعد الجامعية التي تهيمنين عليها أنت أصلاً، وتريدين فرص عمل أكبر لأبنائك في مراكز الإطفاء وقوات الشرطة التي أنت من يسيطر عليها ويتحكم بها أصلاً، وفي كل هذه الأثناء يتراكم حقدك علينا ويغلي كرهك لنا ببطء. بياضك أثقل كاهلك، فمسّكتِه لرجل سياسة كريه يجسد أشرّ أفكارك التي تحدثين بها نفسك في الخفاء.

البياض عمى. إنه الرغبة في عدم رؤية ما لن تعلميه.

إن كنت تجهليننا فإنك أيضاً ترفضين سماعنا لأنك لا تصدقيننا. لقد حسمت قرارك في الاكتفاء بما لديك، فإن قتلتنا الشرطة دون وجه حق فليكن ذلك إذاً، فنحن أصلاً معظمنا مذنبون وأصحاب سوابق من الأساس. أما إن صدف وكان الأسود القتيل بريئاً، فلا ضير في مقتله. فليذهب قرباناً وأضحية في سبيل الكل.

لست تدركين أبداً ما الرعب الذي نعيشه. تجعليننا نسترهب المشي في الشارع، لأننا في أي لحظة قد يخرج أمامنا رجل شرطة بزيه الرسمي الأزرق ومسدسه الفاره، ليتعقبنا ويتصيد أرواحنا، ثم يتذرع ويتعلل بأننا كنا نبيع السجائر أو اٌقراص السي دي المدمجة أو لعلنا كنا نتنفس نفساً ثقيلاً أنتن الهواء الذي تستنشقونه فتضايقتم، أو لعل لهجتنا الفجة خدشت أسماعكم وذوقكم، أو ربما كنا نركض أو نقف أو نرد أو نسكت أو نطيعكم أو لانطيعكم كما يجب وينبغي.

تلصقون بالجالية المسلمة بأكملها تهم الشر التي ارتكبها قلة منهم. لكنكم نادراً ما تستجمعون الشجاعة لكي تزيلوا منظاركم عن أعينكم ومعها كل شفقتكم الجارحة لنا كي ترى أعينكم ما نراه نحن. تقولون أن الأديان والثقافات تربي العنف وتفقسه وتذكيه بصمتنا المتواطئ، لأن لا قوم يدينون أشرار بني جلدتهم الذين يمثلون قومهم.

لكنكم تفعلون الأمر ذاته، فأنتم لا تدينون فعلة رجال الشرطة هؤلاء، ولو فعلتم لاضطررتم حينها لإدانة كل الثقافة التي أنتجتهم، وهي الثقافة نفسها التي أنتجتكم أنتم أنفسكم. سيستمر رجال الشرطة بقتل السود طالما أننا مستمرون بإنكار أن البياض أهم في تبرير تصرفات هؤلاء الشرطة من الظروف الخطرة التي يواجهونها.

لا علم لكم كم نمقت ونلعن فيما بيننا جبن أبناء البشرة البيضاء الذين يدركون صحة ما أكتب لكن لا يجرؤون على الاعتراف به. كذلك لن يرضينا بعد اليوم إصراركم المتعجرف على اختلاف وضعكم على عكس جموع البيض من غير المثقفين. فلا يزيد جرائم القتل التي حصلت سوءاً سوى معرفتنا بأن شجبكم لها برأ ذممكم لا حياتكم.

لا تعلمون أننا بعد غضبتنا منكم يحين الدور علينا لنغضب من أنفسنا أكثر وأكثر لأننا غير قادرين على إيقافكم ولا على إثارة اهتمامكم كي توقفوا أولئك الذين يضغطون الزناد. كيف إذا تفسرون الصمت الأبيض الذي عادة ما يعقب أحداثاً كهذه؟ بالطبع عادة ما يكون هنالك رد فعل رسمي لا بل حتى اعتذار رسمي أيضاً، لكن ماذا عن بقية البلاد؟ لا نرى سوى ضرب الأكف البيضاء ببعضها بعضاً في يأس من تعقد المشكلة ومن صعوبة فهم أحداثها من زاوية تصوير الفيديو الذي شاهدناه.

عاجزون نحن وبلا حول ولا قوة كي نثير اهتمام البشر بحياة الإنسان الأسود. لا حول ولا قوة لنا كي نُفهِمكم ونجعلكم تصدقون أن حياة الإنسان الأسود ذات قيمة. عاجزون نحن عن ردعكم والحؤول دونكم والنيل من قتل السود أمام أحبابهم وذويهم. كم نحن عاجزون ونشعر بالضعف والوهن وعدم القدرة على منعكم من إطلاق رصاص حقدكم وكراهيتكم ليستقر في عضلاتنا وسط كل غضبكم الأبيض المصمم بكل انتظام وتناغم.

لكن مهلاً، فنحن أيضاً لنا غضبتنا. معظمنا يكبتها داخلاً، ونخشى من أننا إن ترقرقت دموعنا في مآقيها فلا سبيل لوقفها من أن تنهمر. نكبت غضبنا فينال من أجسادنا بارتفاع ضغط دمنا ونهش أجسامنا وأوراحنا بالاكتئاب.

لا نستطيع أن نكرهكم، معظمنا لا يقدر، وهذه هديتنا لكم.

لا نستطيع إيقافكم. وهذه بليتنا.

-هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.