"لم تكن صدفة".. قصة تصوير قتل الشرطة الأميركية لمواطن أسود

تم النشر: تم التحديث:

شهدت السنوات القليلة الماضية تزايداً ملحوظاً بمقاطع الفيديو التي تبين ضباط شرطة يقومون بقتل أو إصابة مُشتبه فيهم. وتدعم تلك المقاطع، التي تُنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي ونشرات الأخبار، صيحات الغضب لدى العامة الذين يتهمون ضباط الشرطة بالعنف المفرط.

وفي مُعظم الحالات؛ التُقِطت مُعظم تلك المقاطع من قبل المارة بشكل عشوائي عبر هواتفهم المحمولة، أي أنه بتعبير آخر؛ يمكن القول إن تلك المقاطع عادة ما كانت نتيجة المصادفة البحتة.
ليست صدفة

ولكن؛ وبحسب تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست الأميركية، الأربعاء 6 يوليو/تموز 2016، لم يكن ذلك ما جرى مع المقطع الذي تم نشره ظهيرة الثلاثاء 5 يوليو/تموز 2016، والذي صوّر ضابط شرطة بمنطقة باتون روج يُطلق النار قاتلاً المواطن الأميركي صاحب البشرة السوداء ألتون ستارلينج.

فذلك المقطع الذي تسبب في حالة من الغضب في أنحاء البلاد بعدما انتشر بكثافة عبر الشبكات الاجتماعية، قد صُوِر من قِبل مجموعة مُنظّمة تتبع الجرائم العنيفة بهدف تصويرها، ليس بدافع فضح الشرطة بل لردع الشباب عن الجريمة.

ففي وقت مبكر من صباح الثلاثاء، قامت مجموعة تُدعى "أوفقوا القتل" بالتنصت على مكالمة للشرطة قرب متجر Triple S Food، عبر ماسحات ضوئي للمكالمات -وهو جهاز استقبال يستخدم للمراقبة- وهُناك قاموا بتصوير عملية إطلاق النار التي هزّت البلاد.

وقرر مؤسس المجموعة البالغ من العمر 43 عاماً، ويُدعى آرثر رييد رفع المقطع الذي يصور مقتل ستيرلينج على الشبكات الاجتماعية ظهيرة الثلاثاء.

وقد صوّر رييد وفريقه أعمال قتل أثناء حدوثها -أو بعد حدوثها على الفور- لعدة سنوات.


30 عملية قتل


وقال رييد خلال لقاء أجرته معه "واشنطن بوست"، في وقت مُبكر من صباح الخميس، 7 يوليو/تموز 2016، إنه ومجموعته من النشطاء المناهضين للعنف قد صوّروا ما لا يقل عن 30 عملية قتل بولاية لويزيانا الأميريكية منذ عام 2001، وكان ذلك هو العام الذي خلف فيه رييد وراءه ماضيَ ارتكابِه لأعمال العنف والجريمة، وأسس مجموعة "أوقفوا القتل"، ببلدته ياتون روج بالولاية الأميركية.

وتسعى المنظمة لمنع جرائم العنف، لا سيما بين الشباب السود، عن طريق التواصل مع المدارس المحلية، والسجون والكنائس.

فقال ريد "نحن نُركز على هؤلاء الأفراد بالمجتمع لمساعدتهم على عدم التعرض للقتل أو العودة للسجن".

وأضاف قائلاً "إن إحدى طرق المجموعة لردع الشباب عن الجريمة تتم بتصوير جرائم العنف، والتي تكون جرائم قتل عادة، وإعداد وثائقيات من تلك المقاطع المصورة ليتم عرضها للحضور".


كيف اكتشف الجرائم؟


ويقوم الفريق بإيجاد عمليات القتل التي تتم بمحيط بولاية لويزيانا في أغلب الأحيان، عن طريق التنصت على الماسحات الضوئية للمكالمات التي يبدو أنها ستنتهي بطريقة عنيفة.

وأضاف رييد "نحن في الواقع نُنتج مقاطع توثيقية لأعمال القتل، وأحد الأشياء التي نقوم بها هو الاستماع إلى الماسحات الضوئية لمكالمات الشرطة لنتجه لتصوير عمليات القتل".

وتابع "وعلى الرغم من أن ذلك لا يُعد هدف المجموعة، فإنهم يقومون في بعض الأحيان بتصوير أفراد الشرطة يقومون بأشياء مثل فحص السيارات بطريقة ليست قانونية".

وقال رييد إنه في وقت مبكر من صباح الثلاثاء؛ قام أعضاء بالمجموعة -دون أن يحدد هوياتهم أو يُؤكد وجوده هُناك لاعتبارات السلامة- بتصوير حادث إطلاق النار المميت على ألتون ستيرلينغ، خارج متجر Triple Food، وبعد عدم إصدار الشرطة لأي مقطع أو صور في الحال بعد الواقعة، قام رييد وفريقه برفع الفيديو على مواقع فيسبوك وإنستغرام حوالي الساعة الخامسة مساء الثلاثاء.


قتلةٌ رسميون بترخيص


يقول رييد "نحن نرى عدم عدالة فجًّا، فنحن نسعى بقوة إلى العدالة. فتلك حركة للحقوق المدنية، وإن ذلك استمرارٌ لنفس النضال الذي يخوضه ذوو البشرة السوداء لسنوات عديدة".

وبرفع المقطع؛ تمكن رييد من التأكد أن الناس سيعرفون بالضبط ما جرى.

يقول رييد مُشيراً إلى واقعة قتل إرك غارنر، التي جرّت في يوليو/تموز 2014 "نحن لا نؤمن بالمنظومة، ونؤمن أنها مكان مُعد لتوظيف قتله حاملي ترخيص بالقتل".

وقد أنجز رييد ما كان من المنوط له القيام به بالتأكد أن موت ستيرلينج لن يمر دون أن تلاحظه البلاد.

وأوضح أن مُنظمته لا تهتم بتلك الأنواع من الحوادث، بل إنها ببساطة قد أُنشئِت لاقتلاع جذور جرائم العصابات التي يعتقد أنها تُمزق مُجتمع السود.

فقال "نحن نعرض ما يحدث لعدد كبير من الناس الذين هم في حرب أهلية وفي حرب مع الآخرين جميعاً"، وأضاف "إن حياة السود لن تكون مهمة أبداً ما لم تُهم السود أوّلاً. فإن لم تكن تهم السود، لماذا إذاً ستهم أي شخص آخر؟".


مجرم تائب


وفي الحقيقة، إن دوافع رييد وليدة التجربة؛ فقد نشأ في ساوثسايد، وهو حي فقير بمدينة باتون روج المحاذي لحرم جامعة ولاية لويزيانا، ذلك الحي الذي تتقاسم فيه المنازل أشجار البلوط البالغ عمرها 300 عاماً وبه ملعب "Tiger Stadium"

وعندما بلغ سن 14 عاماً، أودع بمعهد لويويانا التدريبي للأولاد عقب محاولته ارتكاب جريمة قتل من الدرجة الثانية، ولكن بحسب ما كتب في سيرته الذاتية على الموقع الرسمي للمجموعة، "قد فكّر في بداية حياته أن يصبح جندياً"، وأسس عصابة Wrecking Crew بعد إطلاق سراحه.

فيقول عن نفسه أثناء صغر سنه، "كنت مثل أي جندي وجد الحرب الخاصة به".

ولمدة 22 عاماً؛ عاش رييد حياة مُجهِدة من جرائم العنف والسجن، وبحسب سيرته فقد جرّب تناول كافة المخدرات التي وجدها من الهيروين إلى مادة الميثامفيتامين المُخدرة، وحاول الانتحار ثلاث مرّات، كما ألقي عليه الرصاص لمرات عديدة خلال سنوات إجرامه.

وبعد العصابة التي شكّلها، لم يبقَ أي من أعضائها حياً إلا هو، وقال إنه حينها نال رؤية من الرب في عيد الغطاس.

فيقول عن إنشاء مجموعة أوقفوا القتل وعن البدء في تصوير مشاهد الجريمة "لقد هداني الرب إليها.. وبطول الطريق ظللت اتبع ذلك التخطيط الذي أُهدي إلى"، إني أعيش تلك الرؤية في كل يوم".

وذات مرّة وجد رييد نفسه مواجهاً لعربة إسعاف قديمة تُرِكت للصدأ بالمخلفات.

وقال "لقد ظننت إنني لن أحصل أبداً على الفرصة للحصول على سيارة الإسعاف دون إطلاق النار عليّ أولاً".

ولكنه الآن قد أحضر سيارة الإسعاف وزودها بشاشة تلفزيون 50 بوصة، ومكبرات للصوت ومقاعد، من أجل المدارس والكنائس. ويستخدمها كي يعرف الأطفال ما يجري بالشارع بمشاهدة الوثائقيات التي أعدها على مدار سنوات مثل فيلم "أن تعيش وتموت بأميركا" بجزءيه الأول والثاني.

وقال إن التواصل صعب، خاصة عندما يحاول مُساعدة هؤلاء المتورطين بثقافة العصابات، مُشبهاً الأمر بمحاولة مُساعدة رجل غارق يقول إليه "أنا أعلم أني أغرق، ابتعد عني الآن"
وفيما يُعد إصدار فيديو مقتل ستيرلينغ ليس من صميم العمل المُعتاد للمجموعة، شعر رييد إن الأمر ضرورياً بتلك القضية.

فقال "إن ذلك خبراً ولكنه ليس جديداً، فتلك هي واقعة القتل الثالثة من قِبل الشرطة في باتون روج" وأضاف "في رأيي إنها مُشكلة قومية".

ومُند نشر الفيديو، يقضي رييد معظم وقته بالاحتجاجات ومراسم التأبين التي تقام خارج المتجر الذي شهد قال ستيرلينج.

وهو فخور بأن المقطع يُعرض هُناك، وفخور كذلك أنه في أعقاب شيء مؤلم للكثيرين تتجمع المدينة بسلام.

فقال "إنها مسيرات مسالمة، وذلك هو السبب الذي نُحبها لأجله. نحن فخورون بما يجري في باتون روج".

-هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Washington Post الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.