أغلب ضحايا الإرهاب من المسلمين ولا يلاقون أي تضامن.. هل يساعد الغرب داعش على تحقيق أهدافه؟

تم النشر: تم التحديث:
THE VICTIMS ARE MUSLIMS
ASSOCIATED PRESS

شهدت الأيام الأخيرة مقتل 41 شخصاً في مطار إسطنبول الصاخب النابض بالحياة، و22 آخرين في مقهى ببنغلاديش، بالإضافة إلى 250 شخصاً على الأقل في بغداد أثناء احتفالهم بالأيام الأخيرة لرمضان، على أيدي المتطرفين. وبعد ذلك، هاجمت الدولة الإسلامية "داعش" مرة أخرى عبر تفجيرات في ثلاث مدن سعودية.

بحلول الثلاثاء 5 يوليو/تموز 2016، كان ميشيل كيلو، المعارض السوري المسيحي، يشرب قهوته في أحد المقاهي الباريسية، متسائلاً: أين الغضب العالمي؟ أين السيل الذي تلا هجوم تلك الجماعات الإرهابية ذاتها على بروكسل وهنا في باريس؟ في عالم واحد كما يُفتَرَض، هل يتم اعتبار كل من ليس أبيض أو مسيحياً أو غربياً، إنساناً كامل الأهلية؟ وفقاً لتقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

وأضاف كيلو، الذي يدين بالمسيحية "هناك هدف لكل هذا العنف المجنون"، مشيراً إلى أن الهدف هو خلق رد فعل عنيف ضد المسلمين، وتقسيم المجتمعات، و"إشعار السنة بأن أياً كان ما يحدث، فليس لديهم خيارٌ آخر".


تجاهل قديم


لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتجاهل فيها الغرب المذابح التي وقعت في الدول ذات الأغلبية المسلمة، لكن اللامبالاة النسبية بعد هذا العدد من القتلى الذي سقط على أيدي ذات الجماعات التي ابتُلِي بها الغرب هو أكثر من مجرد إيذاء للمشاعر.

أحد الأهداف الرئيسية للدولة الإسلامية وغيرها من الجماعات الإسلامية المتطرفة هي الوقيعة بين المسلمين السنة وباقي العالم، وتزكية الشعور بالاغتراب كأداة للتجنيد. وحين يُظهِر العالم تعاطفاً أقل مع ضحايا الهجمات التي وقعت على الشعوب الإسلامية، التي تحملت العبء الأكبر لمذابح الدولة الإسلامية وحكمها الوحشي، تتأكد وجهة نظرهم.

تسائلت رزان حسن، من بغداد، على تويتر "لماذا لا ينتشر #PrayForIraq؟ لا أحد يهمه أمرنا".

أما هيرا سعيد من أوتاوا فتساءلت عبر تويتر أيضاً لم لم يُفعل فيسبوك خاصية تأكيد السلامة بعد الهجمات الأخيرة، مثلما فعل في بروكسل وباريس وأورلاندو، ولم لم تمتلئ الشبكات الاجتماعية بأعلام تركيا وبنغلاديش والعراق، مضيفةً "العالم الغربي شديد النفاق".

في الوقت ذاته يزداد ارتداد المزاج العالمي نحو هويات قومية أو سياسية أو دينية أكثر ضيقاً، مثل تصويت بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي، ومساندة العديد من الأميركيين للحملة الرئاسة القومية لدونالد ترامب.

كما يغذي هذا العنف الشعور الغربي المتزايد بالخوف من العرب والمسلمين، والذي أدى بالفعل لأزمة سياسية حول الهجرة، دعمت بدورها أهداف المتطرفين. وترتج أوروبا بسبب حركة رفض اللاجئين القادمين من سوريا والعراق، الذين أتوا فراراً من عنف الجهاديين أو حكوماتهم.

وتُعّد كل من سوريا والعراق موطن ما أسمته الدولة الإسلامية "داعش" بالخلافة، حيث بسطت حكمها على الشعوب الإسلامية عبر التهديد بالعنف المروع. وبلغ عدد الذين قتلتهم الجماعة من المسلمين في هذه البلاد الآلاف، وهو ما شكّل القسط الأكبر من ضحاياها.

حين قتل مسلحو الدولة الإسلامية مرتادي المقاهي في باريس في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، زين العلم الفرنسي المعالم المشهورة والحسابات الشخصية على فيسبوك، ليس في أوروبا والولايات المتحدة فقط، بل أيضاً في سوريا والعراق اللذين تعاطفا بناءً على الخبرة المشتركة.

لكن على مدار الأسبوع الماضي، لم يُفَعِّل فيسبوك خاصية تأكيد السلامة، والتي تسمح للموجودين في محيط أي كارثة بالتأكيد على سلامتهم، إلا بعد الهجوم الذي شهده مطار إسطنبول.


المسلمون أيضا يميزون بين الضحايا


بينما لم تنتشر أعلام العراق والسعودية وتركيا وبنغلاديش لا على المعالم المشهورة ولا كصور للحسابات الشخصية. (أظهرت الصور على الشبكات الاجتماعية تثبيت العلم التركي على أحد جسور موستار في البوسنة والهرسك، إحدى الدولتين الأوروبيتين ذات الأغلبية المسلمة، والتي كانت مسرحاً لعمليات القتل الطائفية في التسعينات). ويتسائل البعض إن كان أحد الأسباب هو وجود رموز أو شعارات إسلامية على ثلاث من هذه الأعلام.

أما كريم رحمان فكتب على تويتر "يزيد قتلى العراق في الأسبوع الماضي على قتلى باريس وأورلاندو مجتمعين، لكن لا أحد يغير صوره الشخصية أو ألوان المباني.. إلخ".

هناك بعض الأسباب المفهومة وراء اختلاف ردود الأفعال. إذ يميل الناس عادة للتعاطف مع الأماكن والثقافات المألوفة بالنسبة لهم. في حالة العراق، هناك درجة من الإعياء، والشعور بأن التفجير هناك هو أقل مفاجأةً من تفجير في أوروبا.

شهد العراق العديد من الهجمات الدامية على مدار السنوات التي تلت الغزو الأميركي، والحرب الطائفية التي تلت الغزو بين السنة والشيعة، والتي أسفرت عن ذبح المدنيين على أيدي ميليشيات الطرف الآخر. بالرغم من ذلك، فإن الاندهاش الذي يشعر به الغرب إثر الهجمات الإرهابية في أوروبا، والتي أصبحت معتادة هنا أيضاً، لا يبرر اللامبالاة النسبية تجاه هجمات إسطنبول أو السعودية أو بنغلاديش.

"هذا ما يحدث في العراق" هكذا كتب ساجد جياد، الباحث في العراق، الذي هرع إلى موقع التفجيرات في بغداد ليجد أحد أًصدقائه مقتولاً، على مدونته. "الوفيات تصبح محض إحصائيات، ووتيرة الهجمات لا تسمح لك باستيعاب الصدمة كما يحدث في أماكن أخرى، أو حتى الوقت الكافي للحزن".

في العالم الإسلامي، تتسبب الطبيعة الدينية الجزئية لبعض الصراعات بفجوة في التعاطف، كما يقوم المنتمون لإحدى الطوائف الدينية أو السياسية بتخفيض أو تسويغ خسائر الطرف الآخر.

في العراق، اعتمدت الدولة الإسلامية على التمرد ضد الحكومة الشيعية للبلاد، كما اتُهمت الميليشيات الشيعية التي تحاربها أيضاً بالوحشية، أما في سوريا، فهي محض تهديد آخر؛ إذ قُتل عدد أكبر من السوريين على أيدي الحكومة في الهجمات التي شنتها على المناطق الواقعة تحت سيطرة المسلحين السنة، بما فيهم جماعات الثوار التي تعارض الدولة الإسلامية.

وأضاف جياد أن الدولة الإسلامية "أملت في التحريض على رد فعل والانزلاق إلى دوامة لا نهائية من العنف"، وهو ما ساهم فيه العراقيون حين شعروا بالحزن على طائفتهم أكثر مما شعروا به نحو الآخرين.

وعلى الرغم من ذلك، تميل بعض الأوساط الغربية، وهو ما يشرعنه بعض السياسيين، إلى خلط الميلشيات الإسلامية المتطرفة بالمجتمعات الإسلامية التي تمثل عادة ضحاياها الرئيسيين، أو إلى نبذ الدول الإسلامية باعتبارها عنيفة بطبيعتها.

كتب سيد صالح القزويني، المعلم الإسلامي في ولاية ميتشيغين الأميركية، على تويتر "إما أن الدم العراقي رخيص للغاية، أو أن القتل أمسى شيئاً معتاداً".


أُبيدوا الإسلاميين


في باريس، توج علم قوس قزح فندق (Hotel de Ville)، تخليداً لذكرى 49 شخصاً قُتلوا في الملهي الليلي المثلي في أورلاندو شهر يونيو/حزيران 2016، لكن في أحد المقاهي الجانبية يوم الاثنين، لم تشعر المرأة التي قدمت لي الطلبات بأي نوع من التعاطف تجاه الشرق الأوسط.

حين سألتني أين سكنت، وأخبرتها أنني عشت في بيروت في لبنان، تعجبت من العنف في المنطقة. حاولت بصعوبة أن أوضح لها أن هناك أموراً أخرى غير العنف هناك بقولي "نعم، هناك العديد من المشكلات. ماذا يمكن لأحدٍ أن يفعل؟"

أجابت متجهمة "أبيدوا الإسلاميين". الإبادة هي كلمة شديدة الثقل، والإسلاميين هم قطاع عريض من الناس.

أما كيلو المعرض المسيحي الذي قضى أعوام في سجون الحكومة السورية، والذي يعارض كل من الحكومة والدولة الإسلامية، فقال إن حياته في باريس تغيرت منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2015. الحديث بالعربية الآن هو شبهة. إنه يرى الخوف في عيون الفرنسيين حين يرون سوريين.

وأضاف أيضاً "أنا خائف كذلك، يمكن لأي شخص أن يفجر نفسه في أي وقت".

كان كيلو قد كتب مقالاً نُشر في جريدة "العربي الجديد"، بعنوان "لعنة سوريا".

وذكر أن الفشل في التعاطف يتخطى الدولة الإسلامية، ممتداً إلى عدم قدرة أو عدم رغبة المجتمع الدولي في وقف مذابح الحرب الأهلية السورية، التي بدأت بمظاهرات من أجل التغيير السياسي.

كما تابع قائلاً "إذا فقدنا كل الإنسانية، وإذا سمحت بذبح شعبٍ لخمسة أعوام ونصف، بعدما أعرب جميع قادة المجتمع الدولي عن مساندتهم لحق هؤلاء الناس في الثورة ضد حكومتهم، فتوقع الدولة الإسلامية وغيرها من الدول الإسلامية في نماذج وأشكال متعددة".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.