كعك العيد من البيت للزنزانة... هكذا تستعد عائلات سجناء مصر لزيارة ذويهم

تم النشر: تم التحديث:
KKALYD
سوشال ميديا

أعدت علب الكعك قبل العيد بأسبوع، وقبل العيد بأيام كانت تقف في الطوابير الطويلة، أمام بوابتي التفتيش الإلكتروني، ثم التفتيش اليدوي، في سجن طره المزرعة.

السيدة أسماء علي تنتظر دورها في الزيارة، وتمسك يد ابنتها "بهية" ذات العامين ونصف العام، تستمد منها الطاقة وتمنحها الأمان لحين الوصول إلى الزوج المعتقل، المحامي الحقوقي، مالك عدلي.

"حرصت منذ حبس مالك على الأجواء الاحتفالية خلال الزيارة في رمضان، القطائف والكنافة أساسيان في الزيارة، وقبل العيد لابد من وجود علبة الكعك، لابد أن أفكر في شيء يؤنس وحدة مالك المحبوس انفرادياً منذ أكثر من 60 يوماً حتى لو كانت علبة كعك".

هكذا تحدثت لـ "هافينغتون بوست عربي" أسماء زوجة مالك، الذي وجهت له النيابة مجموعة من الاتهامات من بينها محاولة منع مؤسسات الدولة وسلطاتها العامة من ممارسة عملها والإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماع، وذلك على خلفية اتخاذه مواقف قانونية ضد اتفاقية جزيرتي تيران وصنافير.

زوجة المحامي الحقوقي حديثة العهد بزيارات السجون التي لم يدخلها زوجها كمتهم من قبل، استطاعت خلال الأسابيع الماضية أن تحفظ الممنوعات والمسموحات في الزيارة، وتتوجه الى السوبر ماركت في جولة أسبوعية للبحث عما يصلح من طعام وشراب لمدة أسبوع خارج الثلاجة ويتحمل الحرارة.

"في زيارتي الأخيرة للسوبر ماركت وجدت علب الكعك المرصوصة في أحد الجوانب، فكرت أنها ممكن تبسط مالك، واشتريت له كعك بالملبن في علبة ملفوفة بورق المحل حتى تسمح لنا إدارة السجن بإدخالها ولا يتفتت الكعك أثناء التفتيش الدقيق"، قالت أسماء.

أسماء التي لا تعرف مدى لفترة حبس زوجها، ولكن تعرف جيداً ظروف حبسه الانفرادي "مالك منذ اليوم الأول محبوس انفرادياً في زنزانة لا ترى الشمس وغير مسموح له بالتريض ولا الكلام مع أحد، وينام على بطانية وغير مسوح لنا بإدخال سرير أو مرتبة، بالمخالفة لكل القواعد والقوانين واللوائح الخاصة بالسجون، التي تقنن الحبس الانفرادي باعتباره عقاباً وتأديباً".

باتت زيارة مالك الأسبوعية دواء لتساؤلات ابنتها الصغيرة التي لا تكف عن سؤال "بابا فين"؟ تجيبها أسماء "مسافر في الشغل"، عقل الصغيرة الذي لا يستوعب سجن الأب "اكتفى مؤقتاً بإجابات السفر وأن الزيارة الأسبوعية تكون في الطيارة ونجلس مع بابا ثم يعود مرة أخرى إلى الطائرة"، أسماء لا تعرف متى ستكتفي صغيرتها بهذه الإجابات.

وضع مالك المحبوس انفرادياً منذ أكثر من ستين يوماً "يصيب أي شخص بالجنون، يجلس وحيداً، لا يكلم أحداً، ممنوع من الاستماع للراديو، ممنوعة عنه الأقلام والأوراق والكتب"، وفقاً لأسماء التي قالت "مالك متماسك لكن هذا وضع قاسي وصعب ويؤدي للجنون".

"الزيارة الأسبوعية وسيلة نستمد منها نحن الثلاثة طاقة لتحمل الأيام التالية" تقول أسماء التي تحدثت مع مالك عن ممارسة تمارين التأمل لتحسين حالته النفسية، "لكن تظل المشكلة أننا لا نعرف متى ينتهي هذا الكابوس".


شوكولاتة وترينينج جديد


28 يناير 2015 كان تاريخ اختفاء إبراهيم حمزة، خلال توجهه للقاء أصدقائه "كانوا رايحين ياكلوا بليلة في مكان قريب من قسم أول المنصورة واختفى بعدها 4 أيام"، بحسب عبير والدة إبراهيم .
"كان وقتها إجازة بعد امتحان الإعدادية عمره كان 15 سنة، اختفى أربعة أيام في قسم أول المنصورة مقيدين يديه ومغمضين عينيه، وأنكروا وجوده، ليجبروه على الاعتراف بجريمة لم يرتكبها وفي اليوم الخامس أحالوه للنيابة ومن يومها وهو محبوس"، قالت عبير.

بعد 7 شهور حبس احتياطي أحالت النيابة إبراهيم لمحكمة عسكرية لم تصدر حكماً في قضيته حتى الآن رغم مرور عام ونصف العام على حبسه، واتهامه بحرق كاوتش وانضمامه لجماعة محظورة، بحسب والدته.

إبراهيم محبوس في مركز دكرنس للأحداث في محافظة المنصورة، وهناك أمضى عيدي الفطر والأضحى من العام الماضي، واحتارت والدته كيف تدخل البهجة على قلب الطفل الذي بدأ يكبر خلف الأسوار.

تقول والدة إبراهيم لـ "هافينغتون بوست عربي" إن الأمر مختلف هذا العام. "السنة دي هاعمل زي كل عيد، إحنا على قد حالنا بس باحاول أبسطه وأجيب زينة وبالونات، واشتريت له أيضاً ترينينج وقميص جديد". أما تكلفة الكعك ومخبوزات العيد هذا العام فهي غالية، وأكثر مما تتحملها أسرة إبراهيم. والأطفال القصر المحتجزون غير مقيدين بملابس محددة مثل السجناء البالغين، لذلك "البالونات والقميص جديد حيفرحوا إبراهيم أكتر، لسه جواه طفل"، كما تقولها الأم.


أول زيارة عيد


kkalyd

"أول عيد أزورها فيه بعد حبسها من سنة ونصف".

السيدة عبير هي والدة السجينة هبة قشطة، التي تمضي عقوبة الحبس عامين بتهمة التجمهر، بعد محاكمتها عسكرياً، عقب إلقاء القبض عليها من جامعة المنصورة.

تتذكر والدة هبة – طالبة كلية تجارة إنجليزي أن المحنة بدأت في اليوم قبل الأخير من شهر أكتوبر/تشرين أول، عام 2014. "كانت أنهت محاضرتها وخرجت من الكلية، سمعت صوت مدرعة ووجدت زميلاً لها مضروباً ودمه سائل. بدأت تشده من يده وتصرخ في الشرطة حرام عليكم، فجاء شخص بملابس مدنية جرها وسلمها للضابط".

"الضابط قال له مش هاقبض على بنات ولكن بعد شد وجذب وجدت نفسها وسط زملائها الشباب في عربة الترحيلات".

تحكي والدة هبة التي قالت إن النيابة وجهت لابنتها 16 تهمة، من بينها الشروع في القتل، لكن المحكمة العسكرية أسقطت التهم الأخرى وعاقبتها على التجمهر.

أول رمضان وأول عيد تستطيع فيه عبير رؤية ابنتها وزيارتها في السجن، وتحصل على حقها في زيارتين استثنائيتين. "هبة قضت سنة إلا أربعة أيام محبوسة بين قسم ومركز منية النصر الى أن تم نقلها إلى سجن دمنهور"، كما تقول والدتها. تضيف: في السجن قدرت أزورها وأقعد معها ساعة أو ساعة إلا ربع، وآخذها في حضني. لكن في القسم والمركز كنت محرومة إلا من رؤيتها لدقائق قليلة".

تستعد عبير بعلبة من الكعك والبسكويت للذهاب بها في زيارة ابنتها خلال أيام العيد "أنا خائفة يمنعوا دخول أكل العيد لأن السجن لا يسمح بالمعجنات لكن أتمنى أفرحها وأدخل لها الكعك".
عبير والدة هبة لن تخبز كعك العيد بنفسها، ولكن ستتوجه لشرائه من أحد المخابز القريبة من البيت.


تراجع أوضاع سجناء الرأي


محمد عبد العزيز، المحامي الحقوقي قال لـ "هافينغتون بوست عربي" إنه لا يوجد رقم دقيق لحصر أعداد السجناء على خلفية قضايا رأي أو قضايا سياسية، واعتبر أن الرقم الذي يردده البعض عن وجود 45 ألف سجين رأي غير دقيق ولا يمكن التحقق منه، "هناك صعوبة في حصر القضايا لأن ليس كل القضايا نعمل عليها ولا يصل لنا كل ملفاتها أو نتابعها". غير أن المحامي الحقوقي المعروف جمال يقدر عدد سجناء الرأي بأكثر من 60 ألف شخص، "على خلفية كتابة آرائهم على مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من وسائل التعبير عن الرأي، وهو الرقم الأكبر في تاريخ مصر".
وأكد عبد العزيز على تراجع أوضاع سجناء الرأي في السجون المصرية، وتطبيق عقوبة الحبس الانفرادي على الكثيرين، وتجاوز لائحة السجون، والتضييق على أهالي السجناء في الزيارات بالمخالفة للائحة.