كيف ألهمت أبيات للشاعر محمد إقبال تأسيس دولة باكستان؟

تم النشر: تم التحديث:
MUHAMMAD IQBAL POET
DEA PICTURE LIBRARY via Getty Images

تحتفل باكستان كل عام بذكرى الشاعر والفيلسوف محمد إقبال، الذي ولد في إقليم البنجاب، وكان أول من دعا لإنشاء دولة للمسلمين في شبه القارة الهندية، فكان له السبق في طرح فكرة "باكستان" بعد اتفاق اجتماع المؤتمر الإسلامي لعموم الهند، الذي عقد في مدينة لاهور عام 1940، واستطاع المؤمنون بفكرة باكستان تنفيذها خلال سبع سنوات فقط، على الرغم من الاستعمار البريطاني والعنف المجتمعي الطائفي.

في أواخر ثلاثينات القرن العشرين كانت أفكار الاستقلال عن الاستعمار البريطاني هي السائدة عند مسلمي الهند، لكن مع اشتعال العنف الطائفي ضدهم بدأت أفكار الانفصال والحكم الذاتي، وقدم إقبال مقترحه لتأسيس دولة للمسلمين في الهند، في خطاب ألقاه بمدينة الله أباد، في دورة رابطة مسلمي الهند عام 1930، ثم تواصل مع محمد علي جناح الذي اعتبره بمقام المعلم وتأثر بفكرته واستكمل نضاله واقترح جناح خطة للإصلاح الدستوري ضمن الهند الموحدة، لكنه لم يلبث أن استقال من حزب المؤتمر الذي كان يتزعمه غاندي وطالب بدولة مستقلة حتى عام 1947 حين صار أول حاكم عام لباكستان بتأثير من أفكار الشاعر والفيلسوف إقبال.

بدأ إقبال تعليمه في البيت على يد أبيه، وبدأ كتابة الشعر بالبنجابية في صغره، ثم درس بالكلية الحكومية بلاهور وسافر للندن ودرس في كامبريدج البريطانية وميونخ الألمانية حيث حصل على دكتوراه الفلسفة وشهادة المحاماة والقانون في فترة قصيرة، عاد بعدها للهند محامياً وفيلسوفاً مع استمراره في كتابة الشعر وأعمال السياسة التي خاضها دفاعاً عن مسلمي القارة الهندية، ورحل في عام 1938 قبل أن يتحقق حلمه بتأسيس باكستان على يد صديقه جناح.

شاعر أم سياسي؟

في عام 1926 انتُخب في البرلمان بالبنجاب، وانضم لحزب الرابطة الإسلامية ثم رأس المؤتمر السنوي للرابطة عام 1930، واشترك في مؤتمر المائدة المستديرة بلندن؛ لوضع دستور للهند، وحين دعا لتأسيس كيان إسلامي منفصل في الهند، اعتبره الكثيرون شاعراً مجنوناً حتى قامت الدولة خلال أعوام قليلة!

يعرف الباكستانيون إقبال كمفكر سياسي وينسبون له الفضل في تأسيس دولتهم، لكن العالم عرف إقبال كشاعر ومفكر، بأشعاره التي كتبها بالأردية والفارسية وترجمت للعربية والأسبانية والإنجليزية وحتى الصينية واليابانية، لكن نضاله السياسي ضد الحكم البريطاني للهند كان سابقاً على سعيه لتأسيس باكستان، يقول إقبال محذراً قومه من الانخداع بحديث المستعمر:

"فقد عمِيَت العيون من كحله، فالعَبْد معه أشَدُّ قهراً من ذي قبل، حَذارِ مِن شرابه اللَّذيذ، وحذار من مُجالستهم في قمارهم السيِّئ، الرجل الحرُّ لا يغفل عن ذاتيَّتِه، فاحفَظْ نفسك، ولا تتناول الأفيون، واعتَمِد على نفسك في هذا الطَّريق؛ لأنَّ الرجل لا يصطاد الغزالَ بالكلب الأعمى".

ويحذر من الفرقة والتنازع فيقول: آهٍ من القوم الَّذين عميَتْ أعينُهم، فتعلَّقَت قلوبهُم بغير الله، فضاعوا، إذا كانت الذاتيَّة في صدر الأُمَّة انهارت ولو كانت كالجبَل!


إقبال الشاعر

كان إقبال يكتب شعره بالفارسية التي يجيدها والأردية، رغم أنه أحب العربية وشعرها القديم كثيراً وتمنى لو كتب شعره بالعربية الفصيحة، يقول إقبال:
أنا أعجميُّ الدَّنِّ، لكِنْ خَمرَتي صُنْعُ الحجازِ وكَرمِها الفَينانِ
إن كان لي نَغَمُ الهنودِ ولحنُهم لكنَّ ذاك الصوتَ من عدنانِ

وقد قام المترجم والأديب عبد الوهاب عزام بترجمة شعر إقبال للشعر العربي ورغم أن بعض النقاد اعتبر أن ترجمة الشعر للشعر تفقد النص الأصلي بعض خصائصه ومعانيه، إلا أن عزام اختار الخيار الأصعب رغم مشقة الترجمة إلى الشعر فهو مترجم وشاعر أيضاً وليس ناقل فقط!

يقول إقبال في قصيدته التي ترجمها عبد الوهاب عزام وألقتها أم كلثوم:
حديث الروح للأرواح يسري
وتدركه القلوب بلا عنـاءِ
هتفت به فطار بلا جناح
وشق أنينه صدر الفضـاء
ومعدنه ترابي ولكن
جرت في لفظه لغة السماءِ
لقد فاضت دموع العشق مني
حديثاً كان علوي النداءِ
فحلق في رُبى الأفلاك حتى
أهاج العالم الأعلى بكائـي

كم يُريكَ العِشقُ من صهبائِهِ ... فترى التقليدَ من أسمائِهِ

أًحْكِم العِشقَ بتقليدِ الحبيبْ ... لتنال القربَ منْ ربٍّ مُجيبْ

في حِراء القلبِ فاقعدْ خاليا ... وإلى الحقِّ فهاجِرْ راضيا

اقويَنْ بالحقِ ثمَّ ارجعْ إليكْ ... واحطمنَّ اللات والعُزَّى لديكْ

قَوِّيَنْ بالعشقِ في سلطانِهِ ... وابتغِ الجلوة في فارانِهِ

إقبال والعرب : أحب إقبال العرب وقال معتذراً ليتني أجدت العربية مائة بالمائة، أنا هندي لكن قلبي عربي ولحني حجازي، يقول في قصيدته عن الحجاز والجزيرة العربية:

أشـواقـنـا نـحــو الـحـجـاز تـطـلـعـت كحـنـيـن مـغـتـربٍ إلـــى الأوطــــانِ
إن الـطـيـور وإن قـصـصـت جنـاحـهـا تـسـمـو بفطـرتـهـا إلـــى الـطـيـران
قـيـثـارتــي مـكـتـوبــةٌ ونـشـيـدهــا قـد مـلَّ مــن صـمـتٍ ومــن كتـمـان
واللـحـن فــي الأوتــار يـرجـو عـازفـاً لـيـبــوح مــــن أســـــراره بـمــعــان
والـطـور يـرتـقـب التـجـلِّـي صـارخــاً بـهـوى المـشـوق ولهـفـة الحـيـران
يـا ليـت قومـي يسمـعـون شكـايـةً هي فـي ضميـري صرخـة الوجـدان
أسمِعهُـمُ يـــا ربِّ مـــا ألهمـتـنـي وأعــــد إلـيـهــم يـقـظــة الإيــمـــان
وأذقـهــم الـخـمـر الـقـديـمـةَ إنــهــا عـيــنُ اليـقـيـن وكــوثــرُ الــرضــوان
أنـا أعجـمـي الــدَّنِّ لـكـن خمـرتـي صُـنــع الـحـجـاز وكـرمـهـا الـفـيـنـان
إن كـان لـي نـغـمُ الهـنـود ولحنـهـم لـكـنَّ هــذا الـصــوت مـــن عـدنــانِ

iqbal pakistan

ورغم حب إقبال للعرب إلا أن العرب عرفوه متأخرين ولم يحظ بالتكريم الذي يستحقه؛ فقد سافر لمصر واليمن وألقى محاضرة في الأسكندرية وذهب لفلسطين وحضر المؤتمر الإسلامي في المسجد الأقصى عام 1931 وحث المسلمين على الوحدة، معتبراً داعياً لنبذ القومية المغلقة والتعصب للعرق والجماعة والقوم.
في مناجاته الشعرية يقول إقبال:
يا من وهبت صلاح الدِّين شجاعة العرَب، اقبَلْ طلبي لأَكون في حضرتك، أنا العبد الذي صار كالشَّقائق حُمْرةً من الألَم، ولا يدري أصحابُه عن ألَمِه شيئاً، أنا العبد الَّذي صارت أنَّاتُه كأَنَّات الناي، واحترقَتْ روحه بنار النغمات!

قد راحت القافلةُ وخلَّفَتْني في الصَّحراء كَعُودٍ يحترق، وما زال، فهَلْ ستأتي قافلةٌ أخرى في هذه الصَّحراء الشاسعة؟!

متصوف من نوع آخر:

كان إقبال شاعراً متصوفاً، لكنه كان على الرغم من صوفيته، زعيماً يكره الدروشة، ويهتم بهمِّ أمته، يقول إقبال عن الفرق بينه وبين السعد الشيرازي الشاعر الأفغاني الكبير، أنه عالم وواعظ يريد أن يبقى في طرف المسجد ويأكل كسرات الخبز وأنا أريد أن أحرك العالم كله!

إذا الإيمان ضاع فلا أمان ولا دنيا لمن لم يحي دينا

ومن رضي الحياة بغير دين فقد جعل الفناء لها قرينا

تساندها الكواكب فاستقرت ولولا الجاذبية ما بقينا

وفي التوحيد للهمم اتحاد ولن نصل العلا متفرقينا

كم زُلزل الصخـرُ الأشـمُّ فمـا وهـى مــــن بـأسـنــا عـــــزمٌ ولا إيــمـــان
لـــو أن آســــادَ الـعـريــن تـفـزَّعــت لـــم يـلــق غـيــر ثبـاتـنـا الـمـيــدانُ
وكــأنَّ نـيـران المـدافـع فــي صـــدور الـمـؤمـنـيـن الــــــرُّح والــريــحــانُ
توحـيـدك الأعـلـى جعـلـنـا نـقـشـهُ نـــوراً تــضــيء بـصـبـحـهِ الأزمــــانُ
فغـدت صـدور المسلميـن مصاحـفـاً فـي الـكـون مسـطـوراً بـهـا الـقـرآن



الشرق والغرب:

رغم أن إقبال زار أوروبا كثيراً، وتجول بين بريطانيا وألمانيا، ودرس في جامعاتها، وتكلم بلغاتها، لكنه يرى أن التبعية للغرب نذير فناء للشرقيين؛ لأن المنطلقات مختلفة فالغرب -حسب رأيه- لا يعترف إلا بحضارة الجسد المادي بينما يهمل الروح والقلب، يقول إقبال في خطابه: غافلاً عن شؤون هذا العَصْر، تأمَّلْ مهارة الأيدي الأوروبيَّة؛ نسَجوا السجَّاد من حريرِك، ثم أعادوه إليك مرَّة أخرى، فانخدَعَت عينُك بِظَاهره وبأصباغه الزَّائفة!


من مقولات وأشعار إقبال:

إن ذلك العلم سم ناقع للأفراد الذين ليست لهم غاية إلا حفنتان من شعير، أي فائدة للمجتمع من علم لم يكن تأثيره في المجتمع كتأثير عصا موسى في الحجر والبحر!

إنَّ حياة الأمم لا تَكون إلاَّ بجذبات القلب، الذي يَحْسبه قصيرُ النَّظر جنونًا، ولَم تفعل أيَّة أمَّةٍ شيئًا تحت قبَّة السماء اللازوردية بدون الجنون !

يقظة الإيمان هي البدء:

يا ليت قومي يسمعون شكاية هي في ضميري صرخة الوجدانِ
أسمعهمُ يا رب ما ألهمتني وأعد إليهم يقظة الإيمان


الفكر قبل العمل:

نير الفكر يقود العملا مثل رعد بعد برق جلجلا

iqbal

رحيله :

توفي إقبال في 21 إبريل عام 1938 وخرجت أعداد هائلة من الهنود تشيعه ونعاه الهندوس والمسلمين على السواء، وقال عنه شاعر الهند طاغور "لقد خلفت وفاة إقبال في أدبنا فراغًا أشبه بالجرح المثخن الذي لا يندمل إلا بعد أمد طويل، إن موت شاعر عالمي كإقبال مصيبة تفوق احتمال الهند".

aqbal
ضريح إقبال في لاهور