مصطفى محمود.. لماذا حافظ على تأثيره في الشباب بعد 7 أعوام من رحيله؟

تم النشر: تم التحديث:
MOSTAPHA
social media

تعتبر نجومية مصطفى محمود الطاغية نوعاً مختلفاً وفريداً، فهو مفكر وطبيب وكاتب وأديب "أوتي علماً غزيراً، وأسلوباً بليغاً، فإذا كتب في الطب كان أديباً جميل اللفظ، وإذا كتب في الأدب كان سريعا قاطع العبارة”.

يعرف بـ "أبو حيان التوحيدي الجديد، فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، مجتهدٌ، حار الناس في علمه وفي إيمانه، وأثار سخط رجال الدين، حتى وجد نفسه مفصولا من عمله ذات يوم، لأنه كافر"، على حد وصف الكاتب المصري الراحل أنيس منصور.

حظيت كتبه في الستينات والسبعينات بشعبية وشهرة على مستوى العالم العربي كله، وخاصة “الماركسية والإسلام" و"رحلتي من الشك إلى الإيمان " و”المستحيل".

أثار بعضها ردود أفعال غاضبة، سيما من علماء الأزهر، مثل كتاب "القرآن محاولة لفهم عصري"، و"الله والإنسان". أما آراؤه التى أبداها فى كتاب "الشفاعة" فقد أقامت الدنيا ضده، ودفعت 14 مؤلفاً للتصدي له.



pic

درس الطب وتخرج منه في العام 1953، لكنه تفرغ للكتابة والبحث منذ العام 1960، ليترك للإنسانية إبداعاً متنوعا جعله من أكبر مؤلفي القرن الماضي، تمثل في حوالي 90 عملاً.

تنوعت كتبه بين العلمية والدينية والفلسفية والاجتماعية والسياسية، والروايات والمسرحيات. كانت ومازالت الأكثر رواجاً إلى الآن، وحازت روايته "رجل تحت الصفر" على جائزة الدولة للعام 1970، فضلاً عن برنامجه "العلم والإيمان"، الذي قدم فيه نحو 400 حلقة، وجمع حوله المجتمع المصري بمختلف فئاته.

كل هذا جعل من د. مصطفى محمود (1921 - 2009)، العلامة الفارقة فى تاريخ الأدب والثقافة والسياسة، والذى ما يزال الأكثر تأثيراً فى أوساط الشباب حتى يومنا هذا، علماً ان الصفحة التي تنشر أعماله على فيسبوك وحدها يتابعها أكثر من 8 ملايين.

ولعل من أسباب استمرارية انتشار أعماله ما يلي:


شخصيته المتنوعة


يأخذ مصطفى محمود أمام الجماهير مظهر المُفسّر الديني والعالِم المُطّلع والحكيم الفيلسوف، ولكنه فى نفس الوقت الفنان الذي يحب الرسم والموسيقى ويعتبرهما جزء جوهرياً من حياته.

يحتفظ فى بيته ببعض الآلات الموسيقية التي يجيد العزف عليها، وهو المتصوف الذي يتبع شيخاً صوفياً ظهر في القرن الرابع الهجري، هو محمد بن عبدالجبار النفري.



mustapha

لذا "ينبهر القارئ المُتدين حين يقرأ له تفسيراً دينياً مُطعّماً بعبارات فلسفية ومصطلحات علمية، والقارئ الباحث عن حكمة الحياة وفلسفتها يتأثر حين تُقدَّم إليه الفلسفة في إطار ديني وعلمي، والقارئ الذي يستهدف حقائق العلم، يقتنع حين تُ”عرض عليه هذه الحقائق مُرصّعة بحِكَم فلسفية ومؤيدة بنصوص دينية، وهكذا يقدّم د. مصطفى محمود "توليفة" فكريّة تُرضي جميع الأذواق".


احترامه للعقل


أُعتبرت مجموعته القصصية "أكل عيش" الصادرة فى العام 1950، بما حوته من معلومات علمية وطبية، تدشيناً للقصة العلمية فى الأدب العربي الحديث، ما أشاع حالة من الشغف بمؤلفاته العلمية، مثل "لغز الموت"، "لغز الحياة"، و"آينشتاين والنسبية"، وغيرها.

كما أهلته ملكاته وثقافته أن يتفوق على مناهج التعليم الرسمية فى جذب انتباه الطلاب والشباب إلى الاهتمام بالعلم ودفعهم إلى التفكير والابتكار، بعرضه شديد الجاذبية، وشرحه المبسط لأشد الموضوعات العلمية والظواهر الكونية والفلكية تعقيداً، في برنامجه المتفرد "العلم والإيمان".

ومن أقواله: "نحن مشغولون بلقمة العيش لإطعام البدن، ولكننا نحتاج إلى روح لهذا البدن الذي نغذيه، والروح هى العلم والابتكار والاختراع لنلحق بركب الحضارة، فالرغيف الذي نأكله سيساعدنا فى عبور الشارع، أما العلم فسيساعدنا لعبور الفضاء إلى الكواكب، والهندسة الوراثية ستساعدنا فى إنتاج 100 ألف رغيف بدلا من رغيف واحد".


مشاكل الشباب


كونه طبيباً في دراسته، فناناً في هوايته، متصوفاً فى شخصيته، جعل له دوراً هاماً فى معالجة كثير من قضايا الشباب ومشاكلهم العاطفية، فكتب "في الحب والحياة"، "55 مشكلة حب"، و"اعترافات عشاق”.

وفي أعقاب هزيمة 1967، أصدر كتبه الشهيرة "حوار مع صديقي الملحد"، "الماركسية والإسلام"، و”لماذا رفضت الماركسية"، ليرد على أسئلة جيل من الشباب الحائر، الذى يتساءل عن وجود الله.

يقول موجهاً كلامه إلى الشباب، في برنامجه التلفزيوني، تشجيعاً على العلم والعمل:

"العالم بيجري وأحنا محلك سر. ولو دنيتكم فضلت كده بمعدل التقدم الحاصل دلوقتي، ففي خلال 10 سنين هيبقى الفرق بينكم وبين المتقدمين، زي الفرق بين النسانيس والبني آدم، الكسل جريمة، والناس اللي بتتقدم دي بتجري مش بتتقدم بس، وكل شاب يجب انه يفتح كتاب ويتعلم قبل الوقت ما يفوت".






استشرافه للمستقبل


كان سابقاً لعصره بعيد النظر، يتابع أحدث الاكتشافات العلمية ويعرضها فى برنامجه، وكان يستشرف المستقبل في كتاباته التي غطت كافة شؤون الحياة: السياسة والدين، الشؤون الداخلية والخارجية، الصراع العربي الإسرائيلي، الأصولية، الثورة الإيرانية، الاجتياح الأميركي البريطاني للعراق.. وغيرها. تجلى ذلك بوضوح فى مقالاته وكتبه، التي تنبأت بأحداث وقعت لاحقا، مثل: "سقوط اليسار"، "قراءة للمستقبل"، و"الإسلام السياسى والمعركة القادمة"، حتى أنه تحدث فى أحد كتبه فى السبعينات عن أنفلونزا الخنازير التي اجتاحت العالم فيما بعد.


حوّل أفكاره إلى واقع إيجابي


ترجم د. مصطفى محمود أقواله إلى أعمال خيرية كبرى، وجعل جوهرها معنى طالما آمن به، وهو: أن الدين عمل إيجابي في خدمة المريض والمحتاج، وليس مجرد طقوس ومناسك.

فقد أنشأ فى العام 1979 مشروعا خيرياً تحول إلى مدينة طبية وخدمية متكاملة، مقرها جمعية مسجد مصطفى محمود بالجيزة، ويتبعها مركزان طبيان آخران ومستشفى، ومركز متخصص فى طب العيون، وكلها تقدم الخدمات الطبية بأقل تكلفة لأكثر من 250 ألف مريض سنوياً، وتساعد أكثر من 20 حالة شهرياً من عمليات زرع الكبد. كما تساهم فى تكلفة الأدوية بحوالي 400 ألف جنيه شهريا، بخلاف عمليات جراحية تتكلف أكثر من 750 ألف جنيه.

بالإضافة إلى العديد من الخدمات الاجتماعية الأخرى، كإطعام الفقراء والمساكين فى شهر رمضان، وتوزيع السلع الغذائية ولحوم الأضاحي على المحتاجين، وتنظيم القوافل الطبية إلى بعض القرى ومحافظات الصعيد، وصرف معاشات لأكثر من 8500 أسرة من الأرامل والأيتام.


ترفعه عن التحزب


كانت حياته رحلة علمية وفكرية وفلسفية ممتعة، جعلت منه نهراً جارياً من العطاء الإنساني، وحالة من الزهد والتصوف والتأمل فى الكون، فعاش عمره مُستقلاً لم يسع لمنصب أو يروج لأيدولوجيا أو ينتمي لجماعة أو حزب، ما جعل له مكانة خاصة ومصداقية عالية على مر الأجيال.


وفاته


توفى د. مصطفى محمود، في 31 أكتوبر/تشرين الأول من العام 2009 عن عمر يناهز 88 عاماً، بعد رحلة علاج لعدة أشهر، وشُيعت جنازته من مسجده بالقاهرة.