بعد تفجير إسطنبول.. هل يتغلب سحر المدينة على قتامة الموسم السياحي البطيء؟

تم النشر: تم التحديث:
TURKY
social

غربت شمس الأباطرة البيزنطيين الذين حكموا هذه المدينة القديمة، التي عُرفت وقتها بالقسطنطينية، منذ زمنٍ طويل.

وقضت الحرب العالمية الأولى على السلاطين العثمانيين الذين امتد حكمهم بعيداً عن قصورهم المهيبة، لكن مع بزوغ الإمبراطوريات وانهيارها في هذا المكان، بقيت إسطنبول ملتقىً يربط الشرق بالغرب وينبض بالحياة.

امتلأت المدينة في السنوات الأخيرة بالسياح القادمين من كافة أنحاء العالم، لكنهم لا يأتون الآن كما اعتادوا.

وهو ما يخيف سِنان ييلاز بائع قطع الشطرنج والطاولة المصنوعة يدوياً في إحدى المتاجر الصغيرة في سوق إسطنبول الكبير (Grand Bazaar) والذي يرجع تاريخه للقرن الخامس عشر.

أسفر الهجوم الذي وقع يوم الثلاثاء على مطار إسطنبول الدولي، على يد 3 انتحاريين يشتبه انتماؤهم إلى تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، عن مقتل 43 شخصاً على الأقل وإصابة ما يزيد على 200. ويخشى الكثيرون أن يزيد هذا من صعوبة الموسم السياحي الشاق بالفعل، بحسب تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست الأميركية، الجمعة 1 يوليو/تموز 2016.

كان هذا الحادث هو الأخير في موجة التفجيرات التي ضربت تركيا على مدار العام الماضي، وهو ما أبعد الزبائن عن متجر ييلاز.


المتجر فارغ


"إنه الإرهاب" هكذا تابع التركي (29 عاماً) الذي عمل في هذا السوق الشهير لمدة 12 عاماً قبل أن يتابع "لماذا يأتون إلى هنا إذا كان هناك إرهاب؟ هكذا يفكر السياح، لأنني لم أر السوق فارغاً مثل هذا من قبل".

مع استمرار حديثه، لم يكن هناك ضجيجاً للسياح الأوروبيين أو العرب الذين يساومون بائعي المجوهرات والمنسوجات، لا صياح للأطفال ولا صخب، وهو ما زاد من قلق ييلاز.
كما يشعر الكثيرون بالقلق، في هذه الدولة التي يسكنها 75 مليون نسمة، جراء التفجيرات التي قام بها الانفصاليون الأكراد، وداعش التي تسيطر على بعض الأجزاء في سوريا المجاورة.


أوقات صعبة


تراجعت السياحة، التي تُعّد أحد المصادر الرئيسية للاقتصاد التركي، في الأشهر الأخيرة. بحسب البيانات الحكومية، شهد أبريل/نيسان الماضي المعدل الأقل لقدوم السياح منذ 17 عاماً. ومع وصول 1.75 مليون سائح في ذلك الشهر، تراجعت نسبة الإشغالات الفندقية بما يزيد على الثلثين.

"إنها أوقات صعبة بالنسبة لنا بالفعل، وستصبح أكثر كآبة بمرور الأيام".. هكذا قال إمري ديليفلي المحلل الاقتصادي الذي يسكن إسطنبول ذات الـ14 مليون نسمة.

وبالإضافة للمزيد من الغرف الفندقية الفارغة، توقع إمري استمرار تباطؤ النمو الاقتصادي ومعاناة الأتراك من التضخم الذي يقترب من 8%.

كما عبر آخرون عن مخاوفهم إزاء داعش، التي يبدو وكأنها تريد معاقبة تركيا بسبب مساندتها للتحالف الدولي الذي يهاجم التنظيم المسلح في سوريا والعراق. وبينما لم يعلن أحد مسؤوليته عن هجوم الثلاثاء، قال المسؤولون إنهم يعتقدون مسؤولية داعش عنه.

بالنسبة لمراد (30 عاماً) لم يعنِ عدم اليقين هذا سوى سياح أقل من الألمان والإيطاليين والبرازيليين الذين اعتادوا إنفاق آلاف الدولارات يومياً على السجاد المزخرف في متجره في منطقة السلطان أحمد التاريخية. أما الآن فهو يواجه ما وصفه بالكارثة غير المسبوقة.

وأضاف مراد الذي رفض ذكر اسمه الأخير خوفاً من انتقام السلطات "لم أبع سجادة واحدة على مدار شهر".

يستورد مراد السجاد المصنوع يدوياً من إيران وأفغانستان، كما أشار إلى السجادة التي عُرضت لأشهر قائلاً "إنها تساوي حوالي 5500 دولار، وهي مصنوعة في تركيا من أفخر أنواع الحرير، لكن لا أحد يشتريها. كانت لتباع في العام الماضي في اللحظة التي عرضتها على ذلك الجدار".

يظهر مسجد السلطان أحمد، المعروف بالمسجد الأزرق، فوق متجر مراد. كما توجد آيا صوفيا، إحدى أكبر كاتدرائيات العالم في وقتٍ ما، والتي تحولت لمسجد ثم إلى متحف، على مسافة قصيرة.

كانت المنطقة فارغة يوم الخميس إلا من مجموعة سياحية من الصين.

كما شهدت هذه المنطقة تفجير أحد الانتحاريين، المشتبه علاقتهم بداعش، لنفسه في يناير/كانون الثاني الماضي، ما أسفر عن مقتل 10 أشخاص، بينهم 8 سياح ألمان.
ومنذ ذلك الوقت، ازداد الوضع صعوبة بالنسبة لإسماعيل كاكيسي الذي يبيع الأردية والصابون المعطر في أحد متاجر المنطقة، والتي اعتاد السياح زيارتها أثناء توجههم للحمامات التركية.

"بالأمس بعت رداءً واحداً فقط" هكذا قال اسماعيل (19 عاماً) الذي يقطن مع أخيه الأكبر إحدى شقق منطقة ذوي الدخول المنخفضة في المدينة. واعتاد الشقيقان إرسال جزء من رواتبهما لأهلهم في المحافظة ذات الأغلبية الكردية في جنوب شرق تركيا.

وهو ما يصبح أكثر صعوبة في الوقت الحالي "لم يدفع رئيسي راتبي الشهر الماضي، كيف يمكنه ذلك؟ فهو أيضاً لا يملك مالاً".

على الرغم من ذلك، تلوح بعض التغييرات الإيجابية في الأفق.


بعض الأمل من روسيا


يمكن لآلاف السياح الروس العودة لتركيا مرة أخرى، بعدما توصل الرئيسان رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين، إلى اتفاق في الأسبوع الماضي. كان بوتين قد أمر الروس بعدم الذهاب إلى تركيا العام الماضي، بعدما أسقطت تركيا إحدى الطائرات الحربية الروسية فوق الحدود التركية مع سوريا، حيث تساند كل من الدولتين جانباً مختلفاً من الصراع.

وربما يوجد بعض الأمل المُمَثل في عاشقي تركيا مثل الأميركية كاري لينون (43 عاماً) التي تقضي إجازتها في إسطنبول.

والتي قالت "نعم، تدفعك الهجمات للتفكير في أمنك وسلامتك. لكن ماذا عن الطعام! والمعمار!".

وصلت كاري إلى إسطنبول بعد عدة ساعات من هجوم الثلاثاء، قادمة من ميلووكي حيث تعمل في إحدى شركات التأمين على الحياة.

وأضافت في حماس "لو أن الأميركيين يعرفون مدى روعة هذا المكان!" كما تابعت "سأشترى لعبة الطاولة، وربما سجادة!".

-هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Washington Post الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.