إخلاء المجمع.. الحكومة المصرية تنوي إغلاق مبنى التحرير قلب البيروقراطية في البلاد

تم النشر: تم التحديث:
THE MOGAMMA
social

لم يبعد الموظف الحكومي عينيه عن هاتفه المحمول وهو يخبر محمد الجمل أن يغرب عن وجهه.

كان الجمل، رقيب الشرطة، قد استيقظ في ذلك الصباح مع شروق الشمس ليسافر حوالي 100 ميل إلى وسط القاهرة لعله يتمكن من إنهاء الوثائق الجمركية الخاصة بسيارة عمه.

الآن، بلا أي احترام لزي الشرطة الأبيض أو للساعات الطويلة التي قضاها منتظراً في الصف، يخبره الموظف أن نماذجه خاطئة وأن عليه الرحيل.

تقرير نشرته صحيفة التليغراف البريطانية، الخميس 30 يونيو/حزيران 2016، نقل عن الجمل قوله:"لم ينظر إلي حتى"، هكذا قال وصوته ملئ بالغضب.

وأضاف: "قال لي أن أرحل بينما ينظر في هاتفه".


مبنى أثري


يشهد عشرات الآلاف من المصريين يومياً مواجهات مماثلة تجعل الدم يغلي في العروق داخل القاعات المظلمة للمجمع، المبنى الإداري الضخم الكائن على إحدى حواف ميدان التحرير.

بُني المجمع في 1949 في موقع إحدى الثكنات السابقة للجيش البريطاني، كان من المفترض أن يصبح المبنى رمزاً للحداثة والإدارة الجيدة، مكاناً يستطيع المواطنون التفاعل مع حكومتهم من خلاله بكفاءة ومصداقية.

أما الآن فالمجمع هو قلب البيروقراطية المصرية المسدود، 14 طابقاً من الروتين حيث تموت أحلام بدء عمل تجاري جديد أو السفر إلى الخارج وسط أطنان الورق.

يمر حوالي 100 ألف مصرياً عبر هذه الأبواب يومياً آملين في معاملة مقبولة من أحد الموظفين الحكوميين الذين يبلغ عددهم 30 ألف موظف.

وكما وصفه الكاتب المصري البلجيكي خالد دياب: "إنه قدس أقداس البيروقراطية المصرية حيث يجب على المواطنين الخضوع أمام كهنة آلة البيروقراطية المصرية وكتبتها".


إغلاق المجمع


على الرغم من ذلك، بدءاً من يوليو/تموز سيحدث ما لا يتصوره أحد، إذ أعلنت الحكومة المصرية عزمها بدء إغلاق المجمع في يوليو/تموز وتفريق مكاتبه المختلفة.

تهدف الخطة إلى تقليل الزحام المروري الكارثي في وسط القاهرة، كما يدور حديث حول إمكانية الاستفادة من الموقع المركزي للمجمع وتحويل غرفه البالغ عددها 1350 غرفة إلى فندق فسيح. أما إلى أين سيتجه المصريون لإنهاء أوراقهم وتصاريحهم فليس واضحاً بعد.

تجرب الحكومة استخدام تطبيقات الهاتف المحمول لتوفير بعض الخدمات، لكن هذا حل محدود، إذ أن ثلث المصريين البالغ عددهم 90 مليوناً، بإمكانهم الدخول على الإنترنت وفقاً للبنك الدولي.

من المرجح أيضاً أن تُنقَل أجزاء من المجمع إلى "العاصمة الإدارية الجديدة" التي تأمل مصر أن يتم إنشائها على بعد 30 كيلومتراً شرقي القاهرة. وستضم هذه المدينة التي لا تملك اسماً حتى الآن الوزارات الحكومية وعدداً من المباني الحكومية الأخرى، وربما القصر الرئاسي أيضاً.


العاصمة الإدارية


1

يقول المتحمسون أن هذا التطور الجديد سيساعد على تحديث مصر، كما سيكون مصدراً "للفخر والإلهام" بالنسبة لها. أما المتشككون فيرون في هذه الخطوة مؤامرة من الحكومة الاستبدادية لجعل التظاهر حول المباني الحكومية واشتعال ثورة شعبية أخرى شبيهة بما جرى في 2011 أكثر صعوبةً.

ومهما كانت حقيقة الوضع فإن العاصمة الإدارية مشروع تفصلنا عن موعد إتمامه أعواماً، فالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على موعد مع وضع حجر أساسه قريباً، بيد أن مشكلات عديدة وقفت عائقاً أمام المشروع؛ ففي عام 2015 انهارت صفقة مع شركة إماراتية لتطوير مشروع المدينة، وبالتالي فإن أعمال البناء حالياً لم تبدأ إلا على أضيق الحدود.

وهكذا سوف يستمر شبح مشروع المجمع بإلقاء ظلاله على حياة المصريين اليومية مخيماً عليها.

وللبناء نفسه مكانة وصدى في الشارع المصري وثقافته حتى أن أحد أشهر الأفلام المصرية الكوميدية على الإطلاق تدور أحداثه داخل المبنى، فبعنوانه الجذاب "الإرهاب والكباب" يروي الفيلم قصة رجل من الطبقة الوسطى في القاهرة اسمه أحمد يحاول الحصول على إذن لنقل أطفاله إلى مدرسة أخرى.

لكنه بعد معاناة طويلة مع بيروقراطية المكاتب عيل صبر أحمد وتشاجر مع أحد موظفي الأمن، ينطلق عيار نياري يسمع دويه، فتظن الشرطة أن بداخل المبنى عملية احتجاز رهائن. وقد شاهد ملايين المصريين هذا الفيلم في صالات السينما وتعاطفوا بطبيعة الحال مع هذا الرجل المسكين الذي طفح به الكيل وضاق ذرعه بتجهم موظفي المجمع وبيروقراطيتهم وتراخيهم ومماطلتهم في إتمام الأوراق الحكومية.

وقد كان لصحيفة التليغراف نصيب هي الأخرى في تذوق ما يقدمه المجمع من أصناف المعاناة حينما طاف مراسلوها بمبنى المجمع طولاً وعرضاً بحثاً عن متحدث رسمي باسم الحكومة يجري لقاء صحفياً معها لهذا التقرير.

فبعد السؤال لدى مكتب الاستقبال أشير عليهم أن يستقلوا عدة مصاعد لا سقف لها، ثم أن يهبطوا أدراجاً حلزونية لا تنتهي، من بعدها الغوص في غياهب ممرات طويلة ومتاهات داخل أروقة الباحة الداخلية للمجمع التي غطت بلاليعها ومجاريها الأوراق الحكومية المقطعة كأنها ندف ثلج تساقط تواً.


موظفو المجمع


في كل زاوية وردهة وعند كل منعطف تلقى إما مراجعين مكفهرّي الوجوه في شجار حامي الوطيس مع الموظفين، وإما أصحاب أوراق ومعاملات يائسين يضربون أخماساً بأسداس أمام آلات الطباعة والنسخ التي لا تعمل في كل ممر وبهو.

في نهاية المطاف أفلح مراسلو الصحيفة بالوصول إلى مكتب على طاولاته حواسب آلية مفصولة عن التيار الكهربائي وتعلوها الأوراق المبعثرة ونفاضات السجائر وأكواب الشاي. وبعد انتظار نصف ساعة من الاتصالات الهاتفية والتحقق من بطاقات الصحفيين كان الرد المهذب والقاطع في آن معاً أنه ما من أحد حالياً متوفر للإدلاء بأقوال للصحيفة وأن على فريق الصحفيين العودة في الغد.

وفيما هم خارجون التقى الصحفيون بأحمد ماهر موظف البنك ذي الـ31 عاماً الذي قال أنه سيأسف لو تحول هذا الصرح والهيكل الاسمنتي إلى فندق لأثرياء الأجانب، "فالمجمع رمز لهذه الدولة" كانت كلماته التي لم تخلُ من سخرية سوداوية "فهذا المكان هو عاصمة مصر المصغّرة، ولو تحول إلى فندق لذهب هذا بهيبة الدولة ونال من كرامتها."

إذاً ماذا تقترح أن يُفعل بالمجمع يا سيد ماهر طالما لا تعجبك فكرة الفندق؟ سأله الصحفيون؛ فأطرق هنيهة وفكر وقال بعد صمت:
"ربما متحفاً للبيروقراطية."

-هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Telegraph البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا