لماذا لم يعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عن هجمات مطار إسطنبول؟

تم النشر: تم التحديث:
ISTANBUL ATTACK
ASSOCIATED PRESS

في سيناريو مكرر في عدة هجمات إرهابية من بغداد وصولاً إلى بروكسل، استخدم تنظيم "الدولة الإسلامية" استراتيجية معروفة لتوصيل رسائله، وهي التفجير، ثم إطلاق الحملة الدعائية لإعلان مسؤولية التنظيم عن الهجوم.

الأمر كان مختلفاً في أعقاب الهجوم الانتحاري الثلاثي على مطار إسطنبول الذي راح ضحيته 43 شخصاً، إذ ظلت الآلة الدعائية لتنظيم الدولة الإسلامية هادئة بشكل واضح. ووجّه المسؤولون الأتراك أصابع الاتهام على الفور إلى التنظيم، إلا أن إعلام التنظيم ظل هادئاً، وهو في الحقيقة ما يحدث في كل مرة يوجه له الاتهام فيها بتنفيذ هجوم على الأراضي التركية.

يقول خبراء الإرهاب إن صمت التنظيم بشأن الهجمات في تركيا نابع من رغبته في الحفاظ على دعم المتعاطفين معهم، واستغلال الصراع المرير بين الحكومة التركية والمتمردين الأكراد، وكذلك لتقويض حكم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي صعد من حملته ضد التنظيم.

بالتزامن مع تحقيق القوى المدعومة من الغرب لانتصارات في مواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية"، والتشديد التركي على الحدود مع سوريا، قرر المتطرفون الموالون للتنظيم شن هجمات إرهابية مروعة لرد الضربة لأنقرة.

وقال جون برينان، رئيس وكالة الإستخبارات الأميركية، في تصريح لـ Yahoo News الأربعاء الماضي: "ضيقت تركيا الخناق على عبور المقاتلين الأجانب، كما أن تركيا جزء من تحالف يحارب التنظيم، حيث تسمح باستخدام أراضيها من قبل طيران التحالف، لذلك، هناك الكثير من الأسباب لرد داعش".


مبررات قوية


ورغم عدم إعلان التنظيم مسؤوليته عن الهجوم، إلا أن هناك مبرراً قوياً للشك في أن تنظيم "الدولة الإسلامية" يقف خلف المجزرة، وهو أن الميليشيات الكردية كثيراً ما تستهدف أهداف تابعة للجيش أو تابعة للجهات التي تنفذ القانون في تركيا، كما أن استخدام الأحزمة الناسفة هو من بين الطرق المستخدمة من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، بالإضافة إلى أن تكتيك الهجوم – استهداف مطار بأكثر من تفجير انتحاري - يشبه ما قام به التنظيم في مارس/آذار الماضي في مذبحة مطار بروكسل.

إذا كان الأمر كذلك، فهذه ليست المرة الأولى التي يهاجم فيها التنظيم تركيا، فمنذ يوليو/تموز 2015، فقد ربط مسؤولون رسميون في تركيا التنظيم بعدة هجمات انتحارية كبرى في البلاد، وفي كل تلك الهجمات لم يعلن التنظيم مسؤوليته عن ارتكابها.

وعلى النقيض، عندما نفذ التنظيم عمليات انتحارية في باريس وبروكسل، سارعت الآلة الإعلامية للتنظيم لإعلان مسؤوليته عنها، وهو الحال نفسه مع هجمات في العراق، والسعودية، واليمن، وسوريا. لم يتوان التنظيم أيضاً عن ربط نفسه بمنفذي الكثير من عمليات القتل الجماعي في أورلاندو، وفلوريدا، وسان برناردينو، على اعتبار أنهم تابعون للتنظيم.


تجنب المخاطرة


يقول علي صوفان، وهو عميل سابق بمكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي، ومن أهم الخبراء في شؤون تنظيم القاعدة "في تركيا، يحظى تنظيم الدولة الإسلامية ببعض المؤيدين المتشددين داخل تركيا، وهو ما يجعل التنظيم متردداً أمام إعلان مسؤوليته عن الهجمات هناك".

يقول إيجي سيكين، المحلل بشركة IHS Country Risk للاستشارات الأمنية والاقتصادية، إن التنظيم يحتفظ حالياً بنقطة وصول واحدة للحدود التركية السورية، وأن تقدم القوات الكردية والعربية في مدن مثل منبج والباب يهدد بقطع طريق "الدولة الإسلامية" للحدود، وربما يكون هجوم إسطنبول محاولة من التنظيم لتحذير الحكومة التركية من إغلاق ذلك الطريق.

وبتجنُبِ إعلانِ أي مسؤولية عن الحادث، يمهد التنظيم الطريق لتوجيه أصابع الاتهام نحو خصومهم الأكراد الذين يقاتلون ويحققون الانتصارات أمام تنظيم الدولة الإسلامية شمال سوريا، وهو ما أكده مسؤول أميركي اشترط عدم الإعلان عن اسمه، قائلاً إن "داعش" يسعى لاستغلال "الصدع بين تركيا والأكراد لدفع أجندته الخاصة".

وكان تقدم الأكراد أمام تنظيم الدولة الإسلامية قد سبب عدم ارتياح في أنقرة التي خاضت حرباً أهلية طويلة مريرة مع حزب العمال الكردستاني.

وأعلنت قوات الأمن التركية في يناير/كانون الثاني الماضي، أنها عثرت على جهاز كمبيوتر محمول في أحد المنازل بمدينة غازي عنتاب، وأن الجهاز يخص أحد عناصر تنظيم "الدولة الإسلامية"، ويدعى يونس دورماز. وتحدثت الوثائق التي حملها الجهاز عن خطط لضرب 26 هدفاً في البلاد بغرض تأجيج الصراع بين تركيا والمتمردين الأكراد، وزعزعة استقرار البلاد، بحسب ما أكده هارون شتاين، وهو باحث بارز في المجلس الأطلسي.

وقال شتاين في تصريح لمجلة فورين بوليسي "لقد نجحوا في تحقيق الهدفين. ويبدو أنه من مصلحتهم عدم إعلان مسؤوليتهم عن الحادث، حيث يسهم ذلك في تحقيق أهدافهم السياسية، وهي إحداث الفوضى وخلق التوترات العرقية داخل تركيا بحسب ما أشارت إليه الوثائق".


أولويات تركيا


وتركيا تضع على سلم أولوياتها مواجهة نظام الرئيس السوري بشار الأسد والتصدي لأي حركة من شأنها تمكين "حزب الاتحاد الديمقراطي" الكردي السوري المقرب من حزب العمال الكردستاني، على حدودها وزيادة قوته. هذا التوجه التركي وضع أنقرة في موقف دقيق أمام واشنطن التي وافقت ضمنياً على بقاء الأسد في السلطة مبدئياً على الأقل لأن الأولوية الأميركية هي في ضبط السيطرة على تنظيم "الدولة الإسلامية" لا في تغيير النظام.

وكانت تركيا بدأت تأخذ من تنظيم الدولة "الإسلامية" موقفاً متشدداً عندما استشعرت بخطره عندما أقدم التنظيم على خطف 49 دبلوماسياً تركياً في العراق واستبقتهم أسرى لديها 3 أشهر عام 2014. ففي ذلك العام ضربت تركيا بيد من حديد على حدودها ثم سمحت عام 2015 للولايات المتحدة لشن هجمات جوية على تنظيم الدولة الإسلامية من قاعدتها الجوية الضخمة في إنجرليك. وجاء الرد من داعش بإطلاق حرب إعلامية شعواء وحملة تفجيرات في تركيا.

منذ 18 شهراً والتنظيم الجهادي يطلق وينشر المقاطع المصورة الدعائية واحداً تلو الآخر باللغة التركية فضلاً عن غيرها من وسائل الدعاية، يتهم فيها الرئيس التركي وحكومته بخيانة الإسلام بتعاونها مع الولايات المتحدة وإيران. تصاعد كثيراً تركيز هذه الحملة الدعائية على إردوغان وبنت توقعات كثيرة بأن المجموعة ستشن عما قريب هجوماً داخل تركيا حسب ما قاله مايكل سميث الرئيس التنفيذي في مؤسسة كرونوس للاستشارات الأمنية، الذي يتابع الحملات الدعائية الجهادية.

يقول سميث: "نظراً للبعد المسرحي لهذا الهجوم فإن الحسابات الاستراتيجية قد تصب في مصلحتهم وتقوض الثقة بالحكومة التركية".

كانت داعش قبل هجوم يوم الثلاثاء متهمة بتخطيط وتنفيذ 4 تفجيرات في تركيا منذ يوليو/تموز 2015: أحدها في سروج قرب الحدود السورية، و2 في إسطنبول، وواحد في أنقرة راح ضحيته 102 شخص.

استهدفت التفجيرات الأكراد لكي تصب الزيت على نار الصراع بين أنقرة والمتمردين من الأكراد وغيرهم من المواطنين الأجانب كالسياح الألمان والإسرائيليين.

ورغم أن تركيا قد صعّدت من حدة قتالها لداعش وأمطرت المسلحين بوابل من قذائفها الصاروخية على طول الحدود السورية، إلا أنها ما زالت تحجم عن إرسال جنودها إلى سوريا للمشاركة في الحرب على الأرض.

وقال شتاين إن لتركيا جيشاً عرمرماً وقوة عسكرية يحسب لها حساب، لكنها حذرة من أن تُستجرّ إلى رمال متحركة في سوريا تجد فيها نفسها مضطرة لخوض معارك ضد كل من داعش وبشار والأكراد دفعة واحدة ومن دون رؤية طريق واضح للخروج والانسحاب من الصراع.

وختم قائلاً: "لأنها حينئذٍ ستجد نيران الأكراد في الظهر ونيران داعش في الوجه".

- هذا الموضوع مترجم بتصرف عن مجلة Foreign Policy الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.