ألكسندر فليمنغ.. ماذا لو لم يكتشف البنسلين؟

تم النشر: تم التحديث:
ALEXANDER FLEMING
سوشال ميديا

الحمى القرمزية والدفتريا والتهابات المفاصل والالتهاب الرئوي وتسمم الدم وأمراض العظام والزهري والسيلان والسل والغرغرينة.. كل مرض من هذه الأمراض الفتاكة وغيرها، كان كفيلاً بالقضاء على البشرية، قبل أن يقف لها بالمرصاد، العالم الاسكتلندي ألكسندر فليمنغ، متسلحاً بالبنسلين penicillin، هذا الدواء الذي ظل يقاوم الجراثيم منذ اكتشافه في 29 يونيو 1928، على مدى 88 عاماً، وما يزال يواصل التصدى لها.


عندما يُصبح العجز حافزاً


التحق فليمنغ بالجيش في الحرب العالمية الأولى سنة 1914م، ووجد نفسه كقائدٍ للفيلق الطبي، يقف عاجزاً عن إنقاذ آلاف الجنود الذين يعانون من الجروح والتهاباتها، بعد ملاحظته أن الكثير من المُطهرات المستخدمة تُلحق الضرر بخلايا الجسم، أكثر مما تفعل بالميكروبات نفسها، أيقن أن الحاجة قد أصبحت ماسة إلى مادة تقضي على الجراثيم، دون أن تؤذي خلايا الجسم.

ليعود إلى سانت ماري سنة 1918م ، وينهمك في أبحاثه محاولاً الوصول إلى تلك المادة، وبعد حوالي 3 سنوات يكتشف بالفعل مادة سماها ليسوزيم Lysozyme وهي خليط مما يفرزه الإنسان من لعاب ودموع، يقضى على بعض الميكروبات، ولا يوذي خلايا الجسم، ولكنه لم يكن فعالاً بشكل جيد للقضاء على الميكروبات الضارة بالإنسان.


تكاسل صنع المفاجأة


في سنة 1928م غادر فليمنغ مختبره لمدة أسبوعين وذهب فى عطلة، وأدى تكاسله في ترتيب مختبره قبل السفر، إلى هذا الاكتشاف الذي أنقذ البشرية، فبعد عودته من الأجازة دهش عندما لاحظ أن عفناً قد تكوَّن فوق طبق يحتوي على مزرعة للبكتيريا العنقودية، كان قد تركه في الهواء الطلق، وعلى لوحة التجارب ظهرت دائرة خالية من البكتيريا ومحاطة بالعفن الأصفر والأخضر، ليستنتج أن العفن قد كوّن مقاومة من نوع ما، منعت تكاثر البكتيريا.

وهو ما دفعه إلى إجراء تجارب على بعض العينات، أثبتت أن العفن فعلاً قد حالَ دون تكاثر البكتيريا العنقودية فيها، رغم تخفيفها لأكثر من 800 مرة، أما العفن الذي تم اكتشافه فهو من نوع نادر يسمى بانسليوم نوتاتم Penicillium notatum، لذا أطلق فليمنغ على اكتشافه اسم البنسلين، أي العقار المستخلص من العفونة، وتأكد أنه مادة ليست سامة للإنسان أو الحيوان، ونشر نتائج دراسته في المجلة البريطانية لعلم الأمراض التجريبية في عام 1929م.


الاكتشاف وحده لا يكفي


لم تلفت نتائج دراسة فليمنغ النظر أول الأمر، مع أنه أعلن أن هذا المادة من الممكن ان تكون لها فوائد طبية خطيرة، لكن لأنه لم يستطع أن يبتكر طريقة لاستخلاصها أو تنقيتها، لتتحول إلى عقار طبي قابل للتداول والاستعمال، ظل اكتشافه السحرى 10 سنوات دون أن يستفيد منه أحد.

حتى كان عام 1930 وقرأ اثنان من الباحثين البريطانيين هما: السير هاوارد فلوري وأرنست تشين، ما كتبه فلمنج عن البنسلين، فقاما بتجربته على الفئران، وفي سنة 1941 نقلا التجرية إلى الإنسان، وأثبتت تجاربهما أن هذا العقار الجديد في غاية الأهمية، وبدعم من حكومتي أميركا وبريطانيا تسابقت الشركات الطبية لاستخلاص مادة البنسلين بكميات ضخمة، وتوصلت إلى طرق أسهل لاستخلاص المادة السحرية وإنتاج كميات هائلة منها وطرحها في الأسواق.


شتان بين الحربين


بحلول نهاية الحرب العالمية الثانية، كان البنسلين قد أنقذ الملايين من الأرواح، بعد أن أستخدم بقوة لعلاج مرضى وجرحى الحرب، وتوافر في متناول المدنيين في كل من بريطانيا وأميركا، وفي سنة 1945 أصبح البنسلين في خدمة الجميع. وتسبب فى صناعة الكثير من المضادات الحيوية واكتشاف عقاقير أخرى، واحتفظ بأهميته لاستخدامه فى أغراض طبية كثيرة، ولا يزال هو أكثر هذه العقاقير انتشاراً حتى يومنا هذا.


فريق استحق التكريم


لأن اكتشافه قد أنقذ حياة الملايين، وما يزال، ولولاه لتأخر اكتشاف البنسلين عشرات السنين، أو لم يكتشف إطلاقاً، انتُخب الكسندر فليمنغ سنة 1943م كعضو في الجمعية الملكية ليُوشحَ بوسامٍ فيها، وأصبح فليمنغ شخصية هامة في التاريخ الإنسانى، دون إغفال لدور شركائه فى الإنجاز، الذين نجحوا في تبسيط وسائل استخلاص البنسلين وتحويله إلى عقار طبي متداول، ليتُوج جنباً إلى جنب معهما، بجائزة نوبل في الطب للعام 1945م، ويتم تعيينه كأستاذ فخري في علم الجراثيم بجامعة لندن سنة 1948م، ويشغل منصب مدير جامعة أدنبره ما بين 1951-1954م.

وُلد السير ألكسندر فليمنغ في 6 أغسطس 1881، في إيرشاير باسكوتلندا، وعمل في أحد مكاتب الشحن لسنوات، قبل أن يعود لإتمام دراسته، ويحصل على الدكتوراه بامتياز من كلية طب سان ماري بلندن سنة 1908م، ويلتحق بأحد فرق البحث، ليمضي قدماً في دراسة علم الجراثيم، ويصبح محاضراً في الكلية نفسها، وكان عالم أحياء ونباتات وصيدلانياً، وله الكثير من الاكتشافات والإنجازات، وتوفي في 11 من مارس 1955م بالعاصمة البريطانية لندن.