الحياة تتدفق في إسطنبول.. زوار المدينة الجميلة يبرزون هويتها العالمية

تم النشر: تم التحديث:
ISTANBUL
Couple watch sunrise over Blue Mosque, gardens | Ascent/PKS Media Inc. via Getty Images

تختلف هوياتهم ووظائفهم، فأحدهم كان مترجماً تركياً في صحبة فوج سياحي لمرافقتهم إلى المطار. وإحداهن كانت عاملة بالمطار، والتي سيُغيّبها الثرى عن حفل زفافها الذي كان مقرراً إقامته بعد 10 أيام. وليسا وحدهما اللذين قُتلا.

فثمة سائقو سيارات أجرة، وضابط جمارك أيضاً، فضلاً عن الزوجين التركيين اللذين عملا معاً وتوفيا معاً. فقد قضى كل هؤلاء وأكثر خلال التفجير الانتحاري الذي وقع مساء الثلاثاء في مطار أتاتورك الدولي بمدينة إسطنبول، والذي تسبب في مقتل العشرات وجرح أكثر من مائتين.

ومع تصريحات المسؤولين اليوم الأربعاء، والتي أوضحت أن عدد القتلى وصل إلى 41 قتيلاً، بدأت التفاصيل المتعلقة بالضحايا في الانتشار. وقد بلغ عدد الأتراك من بين هؤلاء الضحايا 23 تركياً على أقل تقدير، حسبما نقل مسؤول تركي تحدث شريطة عدم ذكر اسمه لأنه لم يكن مصرحاً له التحدث علانية بشأن الهجوم.

وعكست هويات الضحايا شخصية مدينة إسطنبول العالمية الكوزموبوليتانية، والتي يعد مطارها أحد أكثر المطارات ازدحاماً على مستوى العالم، والذي يعد مركزاً لعشرات الملايين من المسافرين كل عام، الذين يسافرون إلى أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا وغيرها من المناطق الأخرى.

وفضلاً عن الأتراك الذين قُتلوا في الانفجار، قُتل خمسة سعوديين وعراقيان ومسافر صيني ومسافر أردني ومسافر تونسي ومسافر إيراني ومسافر أوكراني ومسافر أوزباكستاني، وذلك حسبما نقل أحد المسؤولين.


عودة الحياة


وبعد مرور ساعات من وقت الهجوم- الذي لم تعلن أي جماعة مسؤوليتها عن ارتكابه حتى الآن، رغم تصريح بعض المسؤولين الأتراك أن الاحتمالية الأكبر تقول إن تنظيم الدولة الإسلامية يقف وراء الهجوم- استؤنف عدد قليل من الرحلات، كما استمر العمال في رفع الحطام الذي تسبب فيه الانفجار، واستبدال زجاج النوافذ الذي تحطم بالمطار.

وعلى عكس ما حدث في بروكسل، حيث تسبب الهجوم الإرهابي الذي وقع في مارس، في غلق المطار لأيام، بدت إسطنبول عازمة على مواصلة أعمالها كما هو معتاد. ففي صباح الأربعاء، استمرت السيارات في دخول صالات المطار الدولي تحت السماء المشمسة، وهو نفس المكان الذي وقع فيه الهجوم قبل ذلك بقليل، وكان المشهد يشبه أي يوم آخر من أيام الأسبوع بلا اختلاف.

لكن آثار الانفجار بقيت مختصرة في الكردون الذي وضعته الشرطة حول أحد الأجزاء الذي وقع فيه أحد الانفجارات في الجزء السفلي من صالة الاستقبال. كما ثبّت بعض العمال الذين كانوا يرتدون سترات صفراء، قضباناً طويلة على جانب الطريق الخرساني، لينصبوا سوراً يبلغ طوله سبعة أقدام، ليفصل الطريق عن مدخل المطار.

وكانت إحدى النساء المسنات، التي قالت أنها كانت لاجئة من أفغانستان، تجلس على الحصى في الظل، بالقرب من كومة من أمتعتها بينما كانت تراقبهم.

وحتى بعد إعادة فتح المطار مرة ثانية أمام المسافرين، طغت مشاهد الحزن على أجواء أحد المستشفيات القريبة. فقد كانت إحدى النساء الصغيرات ترتدي حجاباً بنياً ووردياً، وكانت تنتحب بهدوء بينما تعانقها امرأة أكبر منها في السن، فقد قُتل زوج المرأة الشابة خلال الهجوم.

وكانت المرأة تقول بصوت منهار "يا إلهي، لماذا أخذته مني".


شهادات لناجين من الهجوم


وقد تحدث الناجون عن لحظات الرعب والارتباك التي عاشوها، بينما كانت الطلقات النارية تُوجه نحوهم مباشرة.

وروى شاب أنه كان يمر خلال جهاز كشف المعادن في مساء الثلاثاء عندما سمع صوت إطلاق النار، وأنه كان في مواجهة الطلقات النارية مع تقدم المهاجمين. كما أوضح الشاب أنه رأى أحد الرجال يسقط على الأرض ويغوص تحت جهاز الكشف بالأشعة السينية.

و من داخل المستشفى، قال عدنان إيرسوي ، وهو سائق سيارة أجرة يبلغ من العمر 56 عاماً، إن ثلاثة من أصدقائه قُتلوا، وجميعهم سائقو سيارات أجرة. كما جُرح ثمانية آخرون.

وأوضح قائلاً "لقد كانوا مجرد سائقي سيارات أجرة. أناس صالحون أرادوا أن يؤمّنوا حياتهم ويكسبوا لقمة عيشهم".

وكان الركاب الذين ساروا في طريقهم نحو أول نقطة أمنية عبر المطار يوم الأربعاء، يبدو عليهم الارتعاش. وقالت تانيكا جولوتا، التي كانت تحمل طفلتها ميلا البالغة من العمر عاماً واحداً "إن عناية الله فقط هي التي فصلت بيننا وبين المأساة التي وقعت هنا".

وتبلغ جولوتا من العمر 26 عاماً وهي مستشارة تعليمية من شيكاغو، إذ كانت في صحبة أسرتها لقضاء العطلة في البرتغال، لكن الرحلة توقفت في مطار إسطنبول قبل أن تواصل طريقها، لتخرج الشابة من المطار قبل 40 دقيقة فقط من وقوع الانفجار مساء الثلاثاء.

وأضافت جولوتا "نتابع الأمر في التلفاز ونعلم أنه حدث، ولكننا نشعر بالسذاجة تجاه حقيقة أنه كان من الممكن أن يحدث لنا".

ويبدو أن أغلبية الذين قُتلوا بالحادث كانوا من المسلمين، سواء من الأتراك أو الزوار الذين قدموا من البلاد المسلمة. وإن تأكد أن المسؤول عن التفجير هو تنظيم الدولة الإسلامية، سيبدو للمرة الثانية أن التنظيم، الذي يصور نفسه منافحاً عن الإسلام وأنه يقاتل القوى الغربية، يقتل مسلمين في المعارك التي تدور رحاها على الأراضي السورية والعراقية خلال هجماته الإرهابية بالمنطقة، أكثر من قتلاه من غير المسلمين.


هجمات عدة ضربت المدينة


وألقى الهجوم بظلاله على المدينة التي كانت تُظهر ثقة كبيرة في قدراتها حتى وقت قريب، والتي كانت ترى في نفسها مركزاً يضج بالنشاط والتعدد الثقافي الذي يسع كل الفنون، مع تعدد أنواع الأكلات القادمة من كل الثقافات بالمدينة، وكذلك تاريخها المبهر باعتبارها عاصمة سابقة لإحدى الإمبراطوريات التاريخية.

بيد أن سلسلة الهجمات الإرهابية التي وقعت على مدار السنة الماضية- بعضها كان تنظيم الدولة الإسلامية مسؤولاً عنه وبعضها الآخر كانت الجماعات الكردية المسلحة مسؤولة عنه- تسبب في اهتزاز صورة تركيا التي حرصت على تصوير نفسها ملاذاً آمناً في المنطقة التي تعج بالمخاطر، كما تسببت أيضاً في تشويه صناعة السياحة بها، والتي كانت مزدهرة من قبل.

وبكل وضوح، تعرض الفوضى التي تحيط بتركيا، بما فيها سلسلة الهجمات الإرهابية وكذلك التدفق الشديد للاجئين الذي تسبب في شح الموارد، كيف أن الحرب الأهلية في سوريا ضربت أمواجها البلدان المجاورة وتسببت في زعزعة استقرارها.

وتواجه تركيا صراعاً متنامياً بين الأطراف المحلية أيضاً، وذلك في ظل الفرقة العميقة بين الإسلاميين الذين يؤيدون الرئيس رجب طيب أردوغان، وبين الأتراك القوميين والعلمانيين الذين يعارضون ما يعتبرونه تزايد قبضته الاستبدادية على مجريات السلطة في تركيا. وما يزيد الطين بلة، أن الحرب التي تخوضها تركيا لأكثر من ثلاثة عقود ضد المسلحين الأكراد استؤنفت في العام الماضي، وتسببت في تحويل الولايات التركية الجنوبية الشرقية إلى مناطق حرب.


تنظيم داعش


وقال بن علي يلدرم، رئيس الوزراء التركي، صباح الأربعاء إن المؤشرات الأولية تفيد بأن تنظيم الدولة الإسلامية داعش، يقف وراء الهجوم الأخير. على الرغم من ذلك، لم يصدر المسؤولون أي معلومات حول مرتكبي الهجوم حتى ظهيرة الأربعاء.

وكان المسؤولون الأتراك يراوغون بعد وقوع هجمات أخرى، إذ يقولون إن مرتكبي الهجمات إما تنظيم الدولة الإسلامية أو المسلحين الأكراد. واعتبر النقاد أن تلك التصريحات أعطت للحكومة ذريعة تمكنها من شن حملة أمنية ضد المسلحين الأكراد، الذين طالما مثلوا أولوية لتركيا أكثر من مقاتلة تنظيم الدولة الإسلامية.

وعلى الرغم من ذلك، يقول بعض المحللين إن هجوم مطار إسطنبول قد يتسبب في تغيير أوراق اللعبة بالنسبة لنظرة تركيا تجاه تنظيم الدولة الإسلامية. واتهمت الولايات المتحدة وحلفاؤها من قبل تركيا بأنها لا تفعل ما يكفي لمحاربة الجماعة المسلحة، بل واتهموها بأنها تسهم في صعود نجمها من خلال السماح للمقاتلين والأسلحة بالمرور عبر الأراضي التركية باعتبارها سياسة تمارسها الحكومة التركية لدعم المعارضة السورية المسلحة.

وقال كاتب العمود التركي سولي أوزيل، وهو أستاذ بجامعة قادر هاس بإسطنبول "كنت منبهراً بالسرعة التي صرحت بها الحكومة أن داعش هم المسؤولون عن الهجوم. وهو بالنسبة إلي يشير إلى أنهم أخيراً ربما أدركوا ما الذي يفعلونه بحق الجحيم".
وأضاف قائلاً "أعتقد أن قتال داعش سيصير أكثر جدية مما كان عليه في الماضي".


روسيا وإسرائيل وتركيا


وجاء الهجوم بعد يوم واحد من الخطوات التي اتخذتها تركيا، التي عانت من تمزقات في علاقاتها مع كثير من جيرانها خلال الأعوام الأخيرة، نحو المصالحة مع إسرائيل وروسيا. وقد انقطعت العلاقات بين تركيا وإسرائيل منذ ستة أعوام عندما اقتحمت القوات الإسرائيلية قافلة سفينة كانت تحمل قافلة مساعدات لكسر الحصار الذي فرضته إسرائيل على غزة، مما تسبب في مقتل عدد من النشطاء الأتراك.

وفي نوفمبر الماضي، أسقطت تركيا طائرة روسية ضلت طريقها نحو المجال الجوي التركي على الحدود السورية، مما تسبب في زيادة حدة التوتر الحاصل بين البلدين. لكن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أرسل خطاباً إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عبر خلاله عن أسفه لإسقاط الطائرة الروسية، وتبادل الرئيسان مكالمة هاتفية يوم الأربعاء.

على أقل تقدير، يعد السبب وراء رأب الصدع في العلاقات التركية مع كل من إسرائيل وروسيا، محاولة تركية لمساعدة صناعة السياحة التركية المحاصرة، وظهرت التبعات السريعة للخطوات التركية يوم الأربعاء، عندما أعلنت روسيا رفعها للحظر الذي كانت قد فرضته من قبل على السفر إلى تركيا، كما أنها تسير في اتجاه تطبيع العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

ووصل عدد السياح الروس إلى تركيا حوالي 4 ملايين سائح روسي في عام 2014، ليحتلوا المرتبة الثانية بعد ألمانيا. لكن العام الحالي شهد امتناع ملايين الروس عن زيارة تركيا للسياحة بعد الحظر الذي فرضته البلاد على السفر إلى تركيا. كما حظرت موسكو دخول واردات الفاكهة والخضروات والمنتجات الزراعية الأخرى من تركيا، إلا أن ذلك الحظر يتوقع أن ينتهي هو الآخر.

وبدت شوارع إسطنبول وكذلك مترو الأنفاق هادئة يوم الأربعاء، حيث احتوت على السياح الذين قدموا إلى تركيا على الرغم من سلسلة الهجمات التي ضربت المدينة العام الماضي- إذ تعد انفجارات مطار إسطنبول رابع الهجمات الانتحارية في إسطنبول خلال العام الحالي فقط- ليحاولوا أن يستمتعوا بأوقاتهم بالمدينة.

يقول أليكس أفريدي، البالغ من العمر 50 عاماً، والذي جاء من مدينة ساكرمانتو عاصمة ولاية كاليفورنيا "إنه أمر محزن. إن هذه المدينة كانت تتألم بالفعل، وإنها مدينة مذهلة"، وكان السائح الأمريكي يقضي عطلته مع عائلته في فندق يقع بمنطقة بايوغلو بإسطنبول.

وأضاف أنه قرر القدوم إلى تركيا رغم تساؤلات أقاربه إن كان البلد آمناً، إذ قال إن احتمالية مقتله في مدينته أعلى من احتمالية مقتله في إسطنبول. وأوضح أفريدي قائلاً "نحن نمر بجوار حالات كثيرة من إطلاق النار طوال الوقت بالمدينة التي نعيش بها".

وقال الأتراك إنهم شعروا بالذهول جراء المنعطف الكئيب الذي اتخذته بلادهم. فقد أوضح عثمان سريم (60 عاماً)، وهو رجل أعمال تركي كان يحتسي القهوة في بايوغلو "انتابتني حالة من البكاء في الصباح وأنا أنظر إلى الأخبار. ما الذي يجري؟ وكيف يبدو الأمل؟ وما هو المستقبل بالنسبة للصغار؟"

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأمريكية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.