كيف استثمر بوتين صداقته مع الرئيس الصيني في تقديم أصدقائه لالتهام كعكة الاقتصاد؟

تم النشر: تم التحديث:
ARRIYSANARRWSYWALSYNY
الرئيسان الصيني والروسي | SOCIAL MEDIA

مع تعيين جينادي تيموشينكو، رجل الأعمال الروسي البارز وصديق الطفولة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، رئيساً لمجلس العلاقات التجارية بين روسيا والصين، وهو تجمع يضم أكثر من 100 شركة روسية وصينية مشاركة في التجارة الثنائية بين البلدين، تمكن تيموشينكو من تعزيز دوره بوصفه حلقة الوصل الأولى بين الكرملين والصين.

في العام نفسه، الذي قام فيه بوتين في مايو/أيار 2014 بزيارة شنغهاي لتوقيع اتفاقية كبرى للغاز تبلغ قيمتها 400 مليار دولار، قدم الرئيس الروسي صديقه تيموشينكو إلى الرئيس الصيني شي جين بينغ باعتباره "رجل روسيا في الصين" على حد وصفه. ومنذ ذلك الحين، أصبح الرجل طليعة حملة موسكو لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع الصين، والتي ترتكز في المقام الأول على صفقات الطاقة.


الصين لم تحل محل أوروبا


ومع ذلك، وبعد مرور أكثر من عامين على اتفاقية الطاقة الكبرى، تعثرت محاولات الكرملين للاتجاه نحو الصين، إذ أصبحت الشركات الصينية مترددة بشأن الاستثمار في اتفاقات روسية جديدة في مجال الطاقة عقب انخفاض أسعار السلع الأساسية في 2015 وتباطؤ النمو الاقتصادي في الصين بعد تراجع النمو في الناتج المحلي الإجمالي من نسبة 10.3% عام 2010، ليصل إلى 6.9 في 2015. أدى ذلك الأمر إلى خيبة أمل كبرى بين النخبة الروسية التي كانت تأمل في أن تحل الصين محل أوروبا كأهم عملائها في مجال الطاقة، وهو ما ترك تحول الكرملين نحو آسيا أيضاً معلقاً في الوقت الحالي.

وبعكس هذه الخلفية القاتمة، سافر بوتين إلى بكين أمس السبت 25 يونيو/حزيران 2016 في زيارة تستمر ثلاثة أيام يلتقي فيها الرئيس الصيني لمناقشة مستقبل العلاقات بين بكين وموسكو، والتي من المتوقع أن تشهد حديثاً حول العلاقات التجارية بين البلدين، وعن كيفية التعامل مع كوريا الشمالية، بالإضافة إلى الحديث حول مشروع "حزام واحد، طريق واحد"، وهو مشروع عملاق يقوده الرئيس الصيني لإعادة إحياء طريق الحرير التجاري القديم.


بكين تسعى لكسب ود أصدقاء بوتين


ولكن بعيداً عن الوجه المثالي لزيارة بوتين، يبدو أن هناك جانباً مختلفاً للعلاقة الروسية الصينية يتكشف على هامش هذا اللقاء. استفاد تيموشينكو وحلقة صغيرة من النخبة المقربة من بوتين من صفقات بمليارات الدولارات من بكين للحفاظ على رضاهم وتطلعهم نحو الشرق.

في الوقت نفسه، لا يبدو أن الصين جاهزة للاستثمار بقوة في روسيا قريباً، فقد تراجع حجم التجارة بين البلدين بنسبة 28.6%، من 93.5 مليار دولار في 2014 إلى 63.6 مليار دولار في عام 2015، وهو ما لا يمثل سوى 1.5% من التجارة الخارجية للصين في العام الماضي. على الرغم من ذلك، أدركت بكين أن كسب ود الحلفاء –المجموعة المقربة من بوتين- هي طريقة جيدة للتأثير على رؤية الرئيس الروسي، والحفاظ على مصدر آمن للمحروقات رخيصة الثمن والأسلحة المتطورة.


تيموشينكو الأخطبوط


تبلغ ثروة تيموشينكو 13.4 مليار دولار، أغلبها في قطاع الطاقة، وهو من الرجال المعدودين الذين يُعتقد بأن بوتين يستمع لهم، وهو جزء رئيسي من تلك الاستراتيجية التي تقودها بكين، ففي الوقت الذي تتخذ فيه الشركات الصينية موقفاً بارداً تجاه الاستثمار في روسيا، بما فيه الاستثمار في مجال التعدين والنفط، تمكن تيموشينكو من عقد صفقات لروسيا في مجال الطاقة مع بكين بشروط ميسرة للغاية.

تضمنت إحدى تلك الصفقات شركة SIBUR، وهي أهم شركة روسية في قطاع البتروكيماويات يشارك تيموشينكو في ملكيتها، إذ عقدت صفقة مع شركة Sinopec الصينية المملوكة للدولة، والتي تعد أكبر شركة لتكرير النفط في الصين.

في ديسمبر/كانون الأول الماضي، تمكنت SIBUR من بيع 10% من أسهمها لشركة Sinopec مقابل 1.3 مليار دولار، وهو ما لقي ترحيباً من تيموشينكو وغيره من المساهمين. الاستثمار في شركة SIBUR تحديداً كان قراراً استراتيجياً من بكين على اعتبار أنه من بين المساهمين في الشركة كل من ليونيد مايكلسون، والذي جاء على رأس قائمة أثرياء روسيا بحسب مجلة فوربس، وكذلك كيريل شامالوف، زوج ابنة الرئيس الروسي.

شارك تيموشينكو ومايكلسون أيضاً في تسهيل صفقات روسية أخرى مع الصين. في مارس/آذار الماضي، تمكن رجلا الأعمال من بيع حصة قدرها 9.9% من مشروع Yamal LNG، وهو مشروع للغاز الطبيعي في منطقة القطب الشمالي الروسي، لصندوق طريق الحرير الصيني للاستثمار، وهو صندوق استثمار قيمته 40 مليار دولار أُسِس في ديسمبر/كانون الأول من عام 2014 لتمويل مشروع حزام واحد طريق واحد، وبلغت قيمة الصفقة الاستثمارية في المشروع الروسي 1.2 مليار دولار. بالإضافة لذلك، وفي أبريل/نيسان الماضي، تمكن الرجلان من الحصول على قروض طويلة الأجل بقيمة 12.1 مليار دولار للمشروع من بنكين صينيين مسيسين، وهما بنك التصدير والاستيراد الصيني، والبنك الصيني للتنمية، حيث جاءت القروض بفوائد مناسبة للغاية.


صفقات مثيرة للدهشة


أثارت تلك الصفقات –والتي تبدو كمجاملة- دهشة المتابعين في روسيا. وكانت شركة Sinopec وبنك التصدير والاستيراد الصيني في طليعة الحملة التي شنها الرئيس الصيني للقضاء على الفساد في 2013 لتحسين صورة الشركات الصينية، ومنذ ذلك الحين، أصبحت الشركة والبنك محافظين للغاية فيما يتعلق بالاستثمار الخارجي، وخاصة عندما يتعلق الأمر باستثمارات الطاقة بعد تراجع أسعار النفط. بخلاف ذلك، فقد جاء تيموشينكو ومشروع Yamal LNG الروسي ضمن قوائم العقوبات الأميركية التي وُقِعت في مارس/آذار الماضي عقب ضم شبه جزيرة القرم، وهو ما يجعلهما شريكاً محفوفاً بالمخاطر بالنسبة لأي بنك، وخاصة بعد تغريم بنك BNP Paribais في يوليو/تموز 2014 لانتهاكه العقوبات الأميركية في كوبا وإيران والسودان.


صداقة بعد عيد ميلاد


وبينما أقنعت بكين الدائرة المقربة من بوتين بأن يدعم التوجه الروسي نحو الشرق، ازدهرت علاقة بوتين وشي جين بينغ أيضاً. من المعروف جيداً أن بوتين –رجل المخابرات السابق- يولي أهمية كبرى للدبلوماسية الفردية، حيث يفضل الاعتماد على العلاقات الشخصية الودية مع قادة الدول الأخرى لبناء علاقات وروابط أقوى بين الدول، ولكن مع عدم وجود رموز مثل المستشار الألماني السابق جيرهارد شرودر، ورئيس الوزراء الإيطالي السابق سيلفيو برليسكوني، وكذلك مع انهيار العلاقات التي كانت قوية يوماً مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس التركي رجب طيب أردوغان على إثر الحروب الدائرة في كل من أوكرانيا وسوريا، يظل شي جين بينغ هو الزعيم العالمي الوحيد لدولة كبرى الذي يمكن أن يُطلق عليه صديق بوتين.

ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة للزعيم الصيني، حيث يرى في بوتين الزعيم الأجنبي الأفضل للعمل معه. وبحسب مسئولين رسميين من الصين وروسيا، والذين اشترطوا عدم الإعلان عن هويتهم، فالرئيسان اللذان يبلغ كلاهما من العمر 63 عاماً أصبحا أصدقاء منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2013، عندما تقابلا على هامش قمة أبيك في بالي باندونيسيا، شهد ذلك اللقاء عيد الميلاد الـ61 لبوتين، حيث تحول اللقاء إلى حفل عيد ميلاد خاص ضم بوتين، وبينج، وعدداً قليلاً من المساعدين المقربين.


تعاون دون المأمول


ما يجب أن ننتظر لنراه هو إلى أي مدى يمكن أن تساهم الصفقات التجارية الميسرة وتبادل أنخاب عيد الميلاد في إخفاء عدم تحقيق تعاون اقتصادي مربح للجانبين، فعلى الرغم من أن حجم شحنات النفط القادمة إلى الصين من روسيا ازدادت بنسبة 33.7%، فلم يكن هناك الكثير من المنافع للصين في ذلك، حيث لم تتمكن روسيا من جذب سوى 560 مليون دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر من الصين، وهو ما يمثل أقل من 0.5% من استثمارات الصين المباشرة في عام 2015، وهو كذلك أقل بكثير من حجم الاستثمار الصيني في روسيا في عام 2013 والذي بلغ 4 مليارات دولار قبل الأزمة الأوكرانية.

النقطة المضيئة الأبرز هي أن القروض التي حصلت عليها روسيا من الصين بلغت قيمتها 18 مليار دولار في عام 2015، وهو ما يضع الصين في المرتبة الأولى لمصادر التمويل الخارجي لروسيا في ذلك العام بحسب البنك المركزي الروسي. على الرغم من ذلك، يظل ذلك الرقم بعيداً للغاية عما تمكنت روسيا من جذبه من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في 2013، والذي بلغ 261 مليار دولار، إلى أن حدثت الأزمة الأوكرانية.


الرابح الأكبر


يوجد خلاف في موسكو أيضاً حول ربط نفسها بقوة بالصين. كان الكرملين يرى وسط آسيا كحديقته الخلفية لفترات طويلة، إلا أن النفوذ الاقتصادي الصيني المتزايد أدى إلى تقزيم روسيا في السنوات الأخيرة. وقلل مشروع بكين –حزام واحد، طريق واحد- من النفوذ الروسي في المنطقة، وانتصر في طريقه على مشروع اقتصادي تقوده موسكو، وهو ما يعرف بالاتحاد الأوراسي. وعلى الرغم من أن بكين هي شريك هام بالنسبة لموسكو، إلا أنها تظل أيضاً منافساً قوياً لروسيا.

وعلى الرغم من أن الواقع يبدو بعيداً عن الصورة الوردية للتعاون بين روسيا والصين، يبدو أن سياسة بكين لكسب أصدقاء الرئيس الروسي ناجحة، حيث يُعتقد أن بوتين يناقش حالياً منطقة حرة للتجارة بين روسيا والصين –اقتُرِحت منذ وقت بعيد- خلال زيارته للصين. دائماً ما واجه مشروع المنطقة الحرة معارضة من الكرملين، ولكن مع حاجة روسيا القوية للاستثمارات لتضميد جرحها الاقتصادي، ينظر بوتين إلى الصين بمزيد من التفاؤل أكثر من الماضي. وبغض النظر عما إذا كان بإمكان بكين بالفعل إنقاذ الاقتصاد الروسي من عدمه، ولكن في الوقت الحالي، يبدو أن أصدقاء بوتين -مثل تيموشينكو- هم أكبر الرابحين من توجه الكرملين نحو الصين.

- هذا الموضوع مترجم عن مجلة Foreign Policy الأمريكية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.