فيسبوك يشعل رغبة المراهقين المصريين في الهجرة لأوروبا.. فكيف تنتهي أحلامهم؟

تم النشر: تم التحديث:
1
nytimes

في قرية برج مغيزل البسيطة التي تشتهر بحرفة الصيد على الساحل الشمالي لمصر، حيث يصب النيل في البحر المتوسط، يخطط فتيان في سن المراهقة بلا توقف لهروبهم، حيث تغريهم أحلام خادعة حول المال والسعادة.

تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، الخميس 23 يونيو/حزيران 2016 نقل عن أحدهم، ويبلغ من العمر 15 عاماً، قوله إن 5 من أصدقائه سافروا بالفعل إلى إيطاليا من خلال رحلات بحرية محفوفة بالمخاطر تنطلق عادة في سكون الليل.

بعض هؤلاء يعمل لدى المهربين، حيث ينتقلون على متن قوارب مليئة بالمهاجرين الذين دفعوا المال من أجل رحلتهم، على أن يحصلوا على عبور مجاني، في حين أن آخرين من هؤلاء المراهقين دفعوا ثمن الرحلة.


فتيات وأحذية رياضية


2

تثير صور الحياة الجديدة لمن سافروا غيرة هؤلاء، وما بها من مال، وفتيات، وأحذية رياضية جديدة. أحد المراهقين، ويدعى أشرف، والذي رفض نشر اسمه كاملاً أن والده يعمل بوظيفة حكومية محلية، قال إنه ينوي المغادرة قريباً أيضاً.

تقول فيفيانا فالاسترو، مديرة خدمات هجرة الأطفال بمنظمة Save the Children بإيطاليا، "فيسبوك هو مشكلة حقيقية. فالأطفال غير المصحوبين بذويهم يعيشون في ظروف سيئة، يقومون بمشاركة صور إيجابية مع أصدقائهم، هم يحاولون أن يظهروا كأشخاص ناجحين".

وحدثت زيادة مفاجئة في أعداد المراهقين المصريين الفارين إلى أوروبا هذا الصيف، والذي يتجه أغلبهم صوب إيطاليا عبر البحر المتوسط منطلقين من شواطئ شمال إفريقيا نحو أوروبا.
في الأشهر الخمس الأولى من عام 2016، وصل ما لا يقل عن 1150 من المراهقين المصريين غير المصحوبين بذويهم إلى إيطاليا، بالمقارنة بـ94 مهاجراً فقط في الفترة نفسها من عام 2015، بحسب ما ذكرته وزارة الداخلية الإيطالية.


نجاحات المراهقين


3

ويسعى الخبراء جاهدين لفهم ما يكمن خلف تلك الأرقام المتزايدة، فبخلاف الدول الأخرى التي يأتي منها المهاجرون، لا تمر مصر بحرب أهلية مشتعلة أو فقر مدقع. وبدلاً من ذلك، أشاروا إلى وجود مزيد من العوامل المسببة، مثل الاقتصاد المحلي المفكك، والقوانين الإيطالية المتساهلة، والتي تشجع هجرة القُصَر بشكل غير مباشر، وانتشار شبكات المخربين، بالإضافة إلى وجود نماذج من المراهقين الذي نجحوا في تلك الرحلة.

وبغض النظر عن الأسباب، يمثل المراهقون نسبة متزايدة ومرتفعة على غير المعتاد من المهاجرين المصريين، حيث وصلت نسبتهم إلى الثلثين في عام 2015، بعد أن كانت الربع فقط في عام 2011. الكثير من القرى ترسل صغارها في مثل تلك الرحلات، وبناء على طلب من عائلاتهم.

يتغافل هؤلاء عن الصور المأساوية للموت في عرض البحر، ومشاهد انقلاب القوارب، والجثث الطافية على الشاطئ، والتغطية الخبرية لمثل تلك الحوادث. وبدلاً من ذلك، يستقر في أذهانهم صور للنجاح الظاهري الذي يرونه من خلال الشبكات الاجتماعية، حتى ولو كانت تلك الصور هي في الأغلب تخفي واقعاً صعباً وأكثر خطورة يشمل الوقوع فريسة للاستغلال، والجرائم الصغيرة، الدعارة.

في برج مغيزل، والتي دمرتها عقود متوالية من الصيد الجائر في المياه المصرية، أصبحت عمليات التهريب مرساة للاقتصاد المحلي. في الليل، تصل الحافلات القادمة من القاهرة والإسكندرية عبر شوارعها، إذ تحمل المهاجرين في طريقهم إلى الشاطئ القريب، والذي يقفون أمامه بانتظار القوارب.

مع ضوء القمر، يتحول الصيادون العاطلون عن العمل إلى مهربين يقودون قوارب عبر البحر المتوسط. يأوي المزارعون المحليون المهاجرين الأفارقة والسوريين قبل انطلاق رحلاتهم. وشهد الميناء المحلي طفرة صغيرة، في الوقت الذي تحمل فيه تلك المراكب المهاجرين بدلاً من صيد السمك.

لا أحد فيهم يخالف القانون، فتحت مظلة القانون المصري، لا يعد تهريب البشر أمراً غير قانوني. على الأغلب، وعلى الرغم من ذلك، تدور تلك التجارة في الليل. وبحسب القرويين، ففي مطلع يونيو/حزيران 2016، قطعت السبل بعشرات المهاجرين الأفارقة في القرية بعد مشادة بين المهربين تسببت في تفويت القوارب التي كان هؤلاء على وشك استقلالها.
قبل ذلك بأسابيع، طفت جثتان على سطح شاطئ محلي، حيث أشارت التقارير الإخبارية المصرية، إلى أن الجثتين هما لشاب مصري في العشرين من عمره ورجل صومالي.

في أوروبا، ينتهي المطاف بالمهربين في السجن. وفي المقابلات، يحكي الآباء والأمهات باكين عن القبض على صغارهم من قبل الشرطة الأوروبية.


4000 معتقل


4

وذكرت مجموعة من الصيادين المحليين أن أكثر من 4000 رجل من محافظة كفر الشيخ، وهي المحافظة التي تضم برج مغيزل، تعرضوا للسجن أو الاحتجاز في أوروبا بتهم التهريب.

وتقع عائلات الصبية المهاجرين في حيرة بين رغبتهم في أن يحصل أبناؤهم على حياة أفضل، وندمهم على مغادرتهم.


روما


في منزلها الكائن بنهاية أحد الأزقة في القرية، تمسك ناصرة شوقي بصورة نجليها، ويبلغان من العمر 16 و17 عاماً، وهم في روما حالياً، حيث تقول "أشعر بوحدة شديدة. لقد دمر البحر هذه القرية بالكامل".

في حالة هؤلاء الشباب المضطرب، يبدو من الصعب أن يقف أحد في طريق رحلتهم. يقول إيهاب ناصر (21 عاماً) إنه يكره مهنته وعمله بالصيد، إذ يرى أن الحياة في البحر قاسية وموحشة، كما أن الرحلات الطويلة في المناطق الخطرة في مناطق مزقتها الحرب مثل ليبيا بحثاً عن الأسماك غالباً ما لا تؤدي إلى عائد يفوق 100 دولار شهرياً. منذ عامين، قام ناصر بالهروب صوب اليونان، بعدما رهن ذهب والدته مقابل 2500 يورو (حوالي 2800 دولار).

انتهت رحلته في مركز احتجاز يوناني، قبل أن يتم ترحيله في نهاية المطاف إلى مصر، ولكنه سيحاول مرة أخرى قريباً، فقد لمعت عيناه حين رأى صورة على موقع فيسبوك لجاره إسماعيل، والذي يعيش في لندن حالياً. في الصورة، يحمل الشاب رزمة من العملة البريطانية، رافعاً إبهامه، بينما كان يدخن سيجار. يقول ناصر "هذا ما أريده".


أمير غرق


وفي مقابل كل قصة نجاح، تجد نموذجاً آخر مبكياً. في أحد المنازل الريفية التي يحيط بها أشجار النخيل المرتفعة، يحكي محمد الغيطاني -مزارع- عن واقعة غرق ابن أخيه -أمير- والذي يبلغ من العمر 16 عاماً، بينما كان يحاول الوصول لأوروبا في شهر مايو/أيار 2016.

قبل عامين فقط، يقول الغيطاني إن ابنه توفي بنفس الطريقة. يقول الرجل بينما احمرت عيناه عندما تذكر ما حدث "إنه لأمر مروع. يظنون أنهم سيجدون الحياة المبهرة بانتظارهم في أوروبا، ولكنهم ليسوا على حق بالتأكيد، ولكنهم لا يعلمون ذلك".

وبحسب صندوق الأمم المتحدة للطفولة، فقد وصل 7000 من القُصَر غير المصحوبين بذويهم من مختلف الدول إلى إيطاليا خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2016، وهو ما يعد ضعف العدد الذي وصل خلال 2015.

وبحسب نائلة جبر، رئيسة اللجنة الوطنية التنسيقية المصرية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية، فإن المشكلة الأساسية تكمن في القانون الإيطالي، والذي يحظر الترحيل القسري للقاصرين غير المصحوبين بذويهم.

وتمنح إيطاليا القاصرين الأجانب فرصة للتعليم، بالإضافة لأوراق مؤقتة، كما يمكنهم التقدم بطلب لإقامة دائمة مع بلوغ سن الثامنة عشر من عمرهم، وهو ما يمثل دافعاً قوياً للأسر لإرسال أبنائهم.

على الرغم من ذلك، لا تسير الأمور بهذه البساطة في أغلب الأحيان، بحسب فيفيانا فاليسترو، والتي تعمل بالإغاثة في روما. يسعى القاصرون القادمون من مصر إلى سداد ديون ذويهم، ما يعني بحثهم عن العمل فور وصولهم، وهو ما يقلل من فرصتهم في التعليم أو الحصول على أوراق رسمية.

عام 2016، ذكرت بعض التقارير أن بعض الشباب المصريين يعملون في تجارة المخدرات، أو ينخرطون في العمل بالدعارة في محطة القطار الرئيسية بروما، ولكن في الغالب -بحسب فاليسترو- ينتهي بهم المطاف بالعمل بأجور يرثى لها في مطاعم أو أسواق الفاكهة.

وتقول فاليسترو "هم لا يفهمون معنى كلمة الاستغلال. هم يظنون أن هؤلاء الناس يساعدونهم لأنهم يعطونهم المال، حتى ولو كان ذلك المال هو 10 يوروهات مقابل 8 ساعات من العمل".

حالياً، تنوي الحكومة المصرية مخاطبة هؤلاء عبر فيسبوك، حيث تقول السفيرة نائلة جبر إنها أعدت لحملة عامة لإقناع الشباب المصري بعدم مغادرة بلادهم.

على الرغم من ذلك، يقول إيهاب ناصر -الصياد الشاب- إنه عازم على المغادرة في جميع الأحوال، وأن عائلته تقف وراءه بقوة.
تقول والدته، وتدعى عزة عبدالفتاح، بينما تنظر لجدران الغرفة المتداعية وطلائها المتساقط، "نحن نريده أن يذهب لأوروبا وأن يبني مستقبله وأن ينقذنا مما نحن فيه. هذا ما ندعو به".

-هذا الموضوع مترجم عن صحيفة New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.