ممنوع على الملتحين.. كيف أصبح الاعتكاف الرمضاني مغامرة محظورة على الإسلاميين في مصر

تم النشر: تم التحديث:
EGYPT MOSQUE POLICE
مصر | MARWAN NAAMANI via Getty Images

كانت صدمة للحاج أحمد علي (اسم مستعار بناء على طلبه)، حين ذهب إلى المسجد طالباً الحصول على إذن بالاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، كما اعتاد منذ 20 عاماً، فرفضت إدارة المسجد طلبه لـ "أسباب أمنية".

يعيش الحاج أحمد في منطقة باب الشعرية بوسط القاهرة ، ويقترب عمره من الـ60 عاماً، وقبل أيام ذهب إلى المسجد كالعادة، الحصول على إذن بالاعتكاف في العشر الأواخر من الشهر الكريم. في بعض السنوات كان يعتكف لمدة أطول، من منتصف رمضان أو الشهر كله. هذا العام رفضت إدارة المسجد طلبه لأنه ملتحٍ، ولأن هناك "تعليمات من جهات سيادية". لكنه نجح في الحصول على ضمان شخصي من الإمام، تجاوز به القواعد والتعليمات، وحصل على إذن بالاعتكاف.

وزارة الأوقاف المصرية، في سابقة هي الأولى من نوعها، قررت هذا العام عدم السماح للسلفيين أو المنتمين لتيارات الإسلام السياسي بالاعتكاف في المساجد نهائياً، وعدم السماح لأي شخص بالاعتكاف في المسجد إلا بعد ملء استمارة بها عدة أسئلة وتقديمه إقرار بأنه لا ينتمي لأي تيار سياسي أو إسلامي مع مقاضاته واعتقاله حال مخالفته شروط الاستمارة وما أورده بها من بيانات.

وأعلن وزير الأوقاف مختار جمعة في تصريحات رسمية، بأنه سيتم منع أي منتمٍ للفكر السلفي أو تابع لتيار إسلامي، من الاعتكاف في المساجد أو الخطابه؛ لأنهم يشكلون خطراً على الأمن والسلام - بحسب تعبيره.


بضمان الإمام


"لست موظفًا.. وأمتلك العديد من المحلات التجارية بمنطقة باب الشعرية، لذا قررت الاعتكاف منذ وصولي لسن الأربعين من العمر، وفي رمضان كل عام أترك المحال للعاملين معي لإدارتها، ومنذ أعوام بدأ أولادي يتولون مسؤوليتها خلال الشهر "، هكذا يحكي الحاج أحمد لـ "هافينغتون بوست عربي".

يضيف أن المشاكل بدأت من العام الماضي. "على مدار الأعوام السابقة كلها كنت أذهب للاعتكاف ودخول المسجد نفسه دون أن يوقفنى أو يمنعى أحد، إلا أني في العام الماضي فوجئت بضرورة ملء استمارة ببياناتي الشخصية، أما هذا العام فكدت أُمنع نهائياً من الاعتكاف".

لم يكن أمام الحاج أحمد بعد أن قوبل طلبه بالرفض سوى الصمت والخروج من المسجد. "عندما أبلغني إمام المسجد الذي أعرفه منذ صغره بالرفض لم يكن أمامي سوى الصمت لولا أن الإمام ناداني وقال لي إنه يعرفني جيداً ويعلم أنني لا أنتمي لأي تيار إسلامي أو سياسي وقال لي "ولكنها تعليمات أكبر منا نحن الاثنين وفى حال وافقت لك على الاعتكاف سيتم وضعنا نحن الاثنين فى المعتقل".

وطمأنه الإمام أنه سيتواصل مع إدارة الأوقاف بالمنطقة ويحاول توضيح موقفه، ويخبرهم أنه يعرفه منذ الصغر، وسيخبره بالنتيجة قريباً.

لم يكن لدى المواطن الستينى أمل آخر بعد انتهاء المقابلة، سوى الذهاب للاعتكاف مع شخص يعرفه بمسجد الحسين، إلا أن طلبه رفض هناك أيضاً لأنه ليس من أهل المنطقة وهناك تعليمات سيادية أيضاً بمنع اعتكاف من هم من خارج المنطقة.


تشديدات من الأوقاف


وقصة الحاج أحمد ليست الوحيدة من نوعها، فمع دخول شهر رمضان، أعلنت وزارة الأوقاف المصرية عن العديد من الإجراءات لإحكام سيطرتها على المساجد، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، مرجعة هذه القرارات إلى التخوف من استغلال جماعة الإخوان المسلمين، والتيارات الأخرى الشهر الكريم لنشر أفكارهم من خلال المساجد.

وتضمنت إجراءات الأوقاف تحديد 1000 مسجد فقط للاعتكاف خلال رمضان، كما وضعت الوزارة العديد من الضوابط الخاصة للسماح بدخول المواطنين للاعتكاف، من أبرزها ضرورة تسليم المعتكفين البطاقات الشخصية لإجراء تحريات عنها، حيث إنه غير مسموح لأحد غير معروف بين أبناء منطقة مسجد الاعتكاف بداخله.

واشترطت الوزارة موافقة الجهات الأمنية على قيام أي مسجد بختم القرآن الكريم في رمضان، وقصر صلاة التراويح وختم القرآن بجزء كامل من القرآن يومياً على 220 مسجداً فقط، كما وضعت الأوقاف قيوداً جديدة على المساجد الأهلية وعددها حوالي 15 ألف مسجد، تتضمن موافقة الجهات الأمنية الرسمية، كشرط للسماح بختم القرآن الكريم في صلاة التراويح بهذه المساجد، وكذلك الموافقة الأمنية على المقرئين بالمساجد خلال شهر رمضان، مؤكدة أنها ستمنع أى داعية أو مقرئ غير مسجل بالأوقاف، أو غير حاصل على تصريح بالدعوة والخطابة من إمامة المصلين فى رمضان، يعتمد من الأجهزة الأمنية المعنية بذلك.

ومن بين الإجراءات أيضاً منع رموز السلفيين من صعود المنابر، إذ لم يقتصر المنع على الخطباء المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين فقط، بل امتد الحظر ليطال مشايخ الدعوة السلفية، حيث تم منع قادتها من اعتلاء منابر المساجد لأكثر من عام، وأبرزهم الشيخ محمد حسان ومحمد يعقوب والشيخ محمد جبريل.

وتم وضع شروط للراغبين في الاعتكاف ومن ضمنها أن يكون الاعتكاف بالمسجد الجامع لا بالزوايا والمصليات، وأن يكون الاعتكاف تحت إشراف إمام من أئمة الأوقاف أو واعظ من وعاظ الأزهر أو خطيب مصرح له من وزارة الأوقاف تصريحا جديدا لم يسبق إلغاؤه.

ورصدت الوزارة قوائم بأسماء المساجد الجامعة، وأسماء أئمتها المشرفين على الاعتكاف وأرقام هواتفهم وأرقام بطاقاتهم الشخصية الخاصة بهم بعد ترشيح الإدارات لهم، وسرعة الاتصال بهم لكونهم مسؤولين وظيفياً عن المعتكفين.

كما اشترطت أن يكون المعتكفون من أبناء المنطقة المحيطة بالمسجد جغرافياً من المعروفين لإدارة المسجد، وأن يكون عددهم مناسباً للمساحة التي يقام بها الاعتكاف والخدمات اللازمة للمعتكفين، وذلك وفقاً لرؤية لجنة وزارة الأوقاف.

ويقوم المشرف على الاعتكاف بتسجيل الراغبين في الاعتكاف وفق سعة المكان قبل بداية الاعتكاف بأسبوع على الأقل، وأن تكون إدارة الأوقاف التابع لها المسجد مسؤولة مسئولية كاملة عن إدارة شؤون الاعتكاف وعن أي خلل يحدث فيه، ولها حق متابعته من خلال التنسيق الأمني والإداري مع مشرفي الاعتكاف.


الاعتكاف ببطاقة الهوية


وتداول رواد الشبكات الاجتماعية استمارة على الراغب فى الاعتكاف بالمساجد المصرية لملئها، بها أسئلة: هل اعتكفت قبل ذلك، وما اسم المسجد، وما هي غايتك من الاعتكاف،وهل تظن أن هذه الأيام القليلة كافية لتغيير حياتك إلى الأحسن؟ وما هي أمنيتك الاولى فى حياتك؟

وتساءل المواطنون هل هذه استمارة اعتكاف ولا استمارة تحقيق فى أمن الدولة؟



خطاب شخصي من الإمام


وفي اليوم الثاني عشر من رمضان وبعد صلاة القيام وعند خروج الحاج أحمد علي من المسجد، وجد شخصاً يضع يده على كتفه ويخبره بنبرة هامسة "أبشر يا شيخنا"، وعندما التفت المواطن وجد أن من يحادثه هو إمام المسجدالذي بشره بأن الأوقاف وافقت على اعتكافه .."بعد محايلات كثيرة وستبدأ في العشر الآواخر من رمضان، ولكن بشرط أن أقدم خطاباً للأوقاف بأن وجودك على عهدتي، وأن تقدم أنت إقراراً بأنك لا تنتمي لأي تنظيم سياسيي أو ديني وليس لك أي فكر متطرف، وسوف تملأ استمارة أخرى بها بياناتك وتجيب فيها على بعض الأسئلة مع بدء الاعتكاف".