"متحف العبودية" شجاعة قطرية في مواجهة الماضي.. هل تود زيارته؟

تم النشر: تم التحديث:
MTHFALBWDYH
متحف العبودية | social media

في العام 1952 حرَّمت قطر العبودية، عندما أصدر حاكمها الشيخ على بن حمد بن جاسر بن عبد الله آل ثان، قانوناً يحرم اقتناء العبيد.. فتحول العبيد في الدولة الخليجية الصغيرة إلى أحرار واندمجوا في المجتمع.

وبعد تسع سنوات صار بإمكان هؤلاء المحررين أن يصيروا مواطنين، فقد كانت قطر أول دولة خليجية توطن المحررين من الرق، في العام 1961 في قصة تمنح الدوحة حق التفاخر بماضيها القريب، ويمنحها بعض الجرأة في قراءة التاريخ القديم من دون عُقَد تاريخية، فتحول بيت ابن جلمود -أحد تجار الرقيق في المنطقة في القرن التاسع عشر- إلى متحف حديث، يحكي قصة الرق المسكوت عنها في الأدبيات الرسمية ولدى الرأي العام القطري..

"متحف الرقيق" يمنح زائره فرصة لقراءة الجانب المظلم في التاريخ البشري، ومنها منطقة الخليج التي كان العبيد يأتون إليها من منطقتين: الأولى بلوشستان الفقيرة، عبر المحيط الهندي، وعبر البحر الأحمر، حيث جاء العبيد السود من شرق إفريقيا في الفترة التي سادت فيها الحروب وتجارة الرقيق بين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.


بيت "جلمود"


قبل مائة عام كان بيت جلمود القديم يعج برجال ونساء وأطفال مقيدين بالسلاسل جاءوا من شرق إفريقيا. هؤلاء كانوا البضاعة الرائجة في ذلك الوقت لتجارة الرقيق في المنطقة.. ذلك البيت الكبير كان يمتلكه أبرز تاجر رقيق في الدوحة، والذي سماه جيرانه "جلمود"، أو "الصخرة"؛ إشارة إلى قسوة قلبه.

واليوم، في هذا البيت القديم، يمكن للزائر أن يقرأ التاريخ الأكبر للعبودية في منطقة المحيط الهندي والتي جاءت بمئات الآلاف من الرقيق إلى الخليج العربي، في متحف يواجه الماضي ويأمل القائمون عليه أن يساعد القطريين في تشكيل المستقبل من دون خوف من ذلك الماضي البعيد..

في هذه الغرف يمكننا أن نقرأ التاريخ المسكوت عنه في كل الروايات الرسمية والضمير العام، حتى من قبل أحفاد العبيد الذين اندمجوا الآن في المجتمعات الخليجية وصاروا مواطنين.

الغالبية العظمى ممن تم نقلهم إلى الخليج في أوج موجة تجارة الرقيق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن العشرين، تم اختطافهم من شرق إفريقيا. وتعرضت المنطقة للقلاقل السياسية بسبب تلك التجارة التي أثارت الخلافات الإثنية والقبلية.

أكثر من 800 ألف إفريقي تم بيعهم كعبيد في الخليج العربي في تلك الفترة، بحسب الباحث ماثيو هوبر في كتابه "عبيد لسيد واحد: العولمة والرق في بلاد العرب في عصر الإمبراطورية".. هؤلاء الرقيق تم اختطافهم -أو صيدهم- في رحلات صيد في شرق إفريقيا، وإرسالهم إلى زنجبار، ومن هناك تم نقلهم، مصفدين بالقيود والسلاسل، إلى موانئ على سواحل اليمن وعمان.

وفي ذروة تلك الموجة من التجارة الرائجة كان يباع في اليوم الواحد حوالي 3 آلاف عبد في أسواق الرقيق بمنطقة الخليج. فكان خُمس عدد سكان قطر، البالغ عددهم وقتها 27 ألف نسمة، رقيق من إفريقيا. وكثير من أولئك العبيد كانوا يعملون بجانب الفقراء العرب في صيد اللؤلؤ وجمع التمور، الصناعات السائدة وقتها.


زيارة للمتحف


في القسم الأول من المتحف يمكن أن نرى نسخة من عقد بيع الرقيق القديم المكتوب باللغة الآرامية على لوح من الطين، ولوحات يونانية للعبيد وهم يعملون في مزارع الزيتون، وغيرها من أمثلة العبودية على مر التاريخ.

والغرض من عرض هذه الأعمال خلق سياق تاريخي يكشف مختلف أشكال العبودية في العالم القديم، والتي امتدت من بلاد ما بين النهرين القديمة (العراق) إلى العبودية في العصور الوسطى في أوروبا، والشكل الأكثر وحشية من عبودية الإنسان، وتجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي.


القصة بالفيديو


لا يكتفي المتحف بالمعروضات من الأرواق والوثائق والصور، بل يستخدم الوسائل الحديثة لعرض القصة كاملة فيقدم محاضرات وأفلاماً قصيرة لبعض العلماء وصوراً أرشيفية تصف "طريق الحرير البحري" الذي يربط الجزر في جنوب شرق آسيا وشبه القارة الهندية وبلاد فارس والخليج العربي وشرق إفريقيا كمنطقة متميزة، حيث كانت العبودية واحدة من الموضوعات التي تربط بين هذه الثقافات والإمبراطوريات البعيدة مترامية الأطراف.

عبر المحيط الهندي جاء العبيد الأوائل لمنطقة الخليج من بلوشستان، ثم جاء العبيد بعد ذلك من منطقة شرق إفريقيا ومعظمهم كان نتيجة الوقوع في الأسر في الحروب التي اشتعلت بالمنطقة فيما كان البعض يبيعون أنفسهم في سوق النخاسة بسبب الفقر الشديد، في ذروة عصر تجارة العبيد في العصور الوسطى.


حكايات وشهادات حية


يروي المتحف الحكاية من خلال شهادات أدلى بها العبيد المحررون في وثائق العتق من المندوب السامي البريطاني في المنامة، أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، عندما كانت التجارة في أوجها. تحكى هذه الشهادات قصص الأفارقة المستعبدين في أفلام رسوم متحركة تتتبع مساراتهم من شرق إفريقيا إلى الخليج، وظروف حياتهم القاسية في البحث عن اللؤلؤ، والعمل في مزارع النخيل والخدمة في المنازل.

أمناء المتحف الذين عملوا مع المؤرخين الغربيين على خطة إنشاء المتحف، جمعوا الروايات الشفهية من بعض العائلات القطرية إضافة إلى مواد أرشيفية تحكي أدوار القطريين في التجارة. لكنهم لم يقدموا جميع المواد علناً، وحرصوا على طمس الهويات في المعروضات. وقال أحد الخبراء الذين عملوا في المتحف، إن بعض القطريين، سواء كانوا من نسل العبيد المحررين أو نسل مالكي العبيد، كان لديهم مخاوف بشأن المتحف، ورفضوا العديد من الطلبات لتقديم رواياتهم الشفهية. ونتيجة لذلك، لا يحكي بيت جلمود الكثير من التفاصيل عن تأثر المجتمع القطري المعاصر بعناصره من الذين نقل أجدادهم ، منذ وقت قريب، من إفريقيا.


الوجه المؤلم للتاريخ


و"بيت جلمود" هو واحد من ثلاثة متاحف جديدة في حي مشيرب التراثي، وكلها تقع في مجموعة من المنازل القديمة التي تعمل كجسر بين الدوحة التاريخية والأبراج والمراكز التجارية في الخليج الغربي وكتارا. كل واحد من تلك المتاحف يركز على جانب من جوانب تاريخ قطر، وخاصة منذ اكتشاف النفط في عام 1939. لكن بيت جلمود تميز بقراءة الجانب المؤلم الذي لا يحظى بشعبية من هذا التاريخ"، كما يقول حافظ علي علي، مدير متاحف مشيرب، في حديث لموقع "ذا ناشيونال" ويضيف أن "المغزى هنا هو خلق الوعي لدى الشعب القطري عن طريق معرفة الماضي والنظر في المستقبل؟ كيف سيكون المستقبل؟ كيف يمكننا تشكيل مجتمعنا؟"..


عبودية حديثة


الجزء الأخير من المتحف يربط العبودية في الماضي بالأشكال الحديثة من الاستغلال البشري، كالاتجار بالجنس وقصص العمال في مصانع الملابس في بنغلاديش وأولئك الذين يصنعون هواتفنا المحمولة وأجهزة الكمبيوتر، وحتى أوضاع العمالة في الخليج.

وتقول كريستين سميث ديوان كبيرة الباحثين المقيمين في معهد دول الخليج العربية بواشنطن، إن افتتاح بيت ابن جلمود أيضاً جاء في وقت تعمل فيه حكومات دول الخليج على تعزيز مفاهيم الانتماء الوطني والهوية، وترى أن متحف ابن جلمود هو، جزئياً، محاولة "لتوعية المواطنين عن المزيد من التعددية والتسامح".


سبق إنساني


وهناك من يرى أن قطر بهذا المتحف الذي يُدخل هذا الجزء من التاريخ في الحوار حول الهوية الوطنية، تحقق سبقاً حتى على الولايات المتحدة الأميركية التي لايوجد بها متحف وطني للعبودية حتى الآن، على الرغم من أن هناك متحفاً للتاريخ والثقافة الأميركية الإفريقية سيتم افتتاحه في واشنطن في وقت لاحق هذا العام.

"المتحف الجديد في الدوحة، يتحدى بشجاعة مفاهيم تشكيل تاريخ الخليج، من خلال تسليط الضوء على فترة الذروة في صيد اللؤلؤ، عندما تم تكوين ثروات كبيرة من جهود الغواصين واسترقاقهم وهذا يختلف كثيراً عن المتاحف الأخرى التي رأيتها في الخليج" كما يقول الباحث ماثيو هوبر، المؤرخ بجامعة كامبريدج، في كتابه. ويضيف "من بين دول الخليج، كانت قطر رائدة في إدماج عناصر متنوعة من سكانها إلى مواطنيها في وقت مبكر من تاريخها".