خسائر اقتصادية و"حضارية" للجميع.. كيف يؤثر الطلاق البريطاني الأوروبي المحتمل على الشراكة بدول الخليج

تم النشر: تم التحديث:
UK EU
المملكة المتحدة | JUSTIN TALLIS via Getty Images

أمام 6000 شخص وقف ممثلون لحملة أنصار البقاء في الاتحاد الأوروبي، وحملة أنصار مغادرته، في مناظرة ساخنة تبادل فيها الجميع الاتهامات بشأن المستقبل الذي ينتظر البلاد في حال صوّت الناخبون لصالح هذا المعسكر أو ذاك.

وكان من أبرز فريق المؤيدين للبقاء عمدة لندن صادق خان الذي اتهم سلفه بوريس جونسون من المعسكر المقابل بقيادة حملة الكراهية حين يتعلق الأمر بالهجرة في سياق الحملة المطالبة بمغادرة بريطانيا للاتحاد. أما جونسون فاتهم حملة البقاء في الاتحاد بعدم تقديم شيء سوى الخوف من تداعيات الانفصال، بينما يطرحون هم الأمل وإعلان يوم استقلال جديد في حال صوتت البلاد لمغادرة الاتحاد الأوروبي.

جاءت هذه المناظرة وسط أجواء سياسية مشحونة شطرت المجتمع البريطاني عمودياً ما بين مؤيد ومعارض للبقاء في الاتحاد حتى داخل حزب المحافظين الحاكم وحكومته، وقبل مناظرة ليلة الاستفتاء المقرر الخميس، بين الوزير الأول الاسكتلندي أليكس ساموند المؤيد للبقاء، ورئيس الحزب القومي البريطاني نايجل فاراج الداعي للمغادرة.

هنا استعراض لأهم التغيرات التي ستطرأ على الملفات الاقتصادية والسياسية لبريطانيا، لاسيما علاقتها بأهم الشركاء في أوروبا والخليج العربي.

التأثيرات الاقتصادية


1- تصاريح عمل للأوروبيين


ويخيم الغموض على مستقبل الاتحاد الأوروبي وبريطانيا في حال التصويت بالانفصال. فليست هناك إجابة واضحة عن أسئلة شكل التبادل التجاري وحرية العمل لمواطني بريطانيا وبقية دول الاتحاد. وذلك لأن المصالح الاقتصادية والسياسية المتبادلة ترغم جميع الأطراف على عدم قطع الصلات بشكل نهائي وباتّ، لكن الأمر متروك برمته لما ستسفر عنه نتائج التصويت ومن ثم المفاوضات لتحديد شكل العلاقة المستقبلية.

الحزب القومي البريطاني اليميني مثلاً يريد إلغاء حق العمل الممنوح للأوروبيين في بريطانيا واستحداث تصاريح للعمل. والأمر سيكون متروكاً للحكومة المحافظة والبرلمان في هذه الحالة. وفي حال إقراره فسيكون له تأثير كبير على عدد ضخم من الموظفين والعاملين الأوروبيين في مختلف الشركات والمصالح والجهات البريطانية. والعكس أيضاً صحيح، إذ سينعكس الأمر على البريطانيين الذين يعملون في دول أوروبية مختلفة من دون تصاريح عمل طبقاً لمبدأ المعاملة بالمثل.


2- الاتفاقات التجارية مع أوروبا


المستشارة الألمانية أنغيلا ميركيل استبقت التصويت بالقول إنه في حال انسحاب بريطانيا فلن تنعم بمميزات السوق الأوروبية المشتركة وسيتم التعامل معها كطرفٍ ثالث. أي أن الاتفاقات التجارية ستتطلب موافقة 27 دولة عضواً في الاتحاد.

أما رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر فيرى أن ما يصفه بأزمة خروج بريطانيا قد تؤدي إلى مزيد من الاندماج بين الدول الأوروبية. واعترف بأن الاتحاد قد ارتكب أخطاء كبيرة بالتدخل في الشؤون الحياتية الداخلية للدول الأعضاء لمدة عقود. لكنه قلل من تأثير خروج بريطانيا على الاتحاد قائلاً إن عملية توثيق التعاون المشترك ستمضي قدماً خاصة السياسات المالية والنقدية.


3- الخسائر للجميع


ويرى ميشيل سابن، وزير مالية فرنسا، أن مغادرة بريطانيا ستكون صعبة على الاتحاد، لكن نتائجها المأساوية ستنعكس على بريطانيا في المقام الأول.

أما رئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك فذهب إلى أبعد من هذا، وقال إن خروج بريطانيا من الاتحاد تهديد لحضارة الغرب السياسية. وأضاف أنه كمؤرخ يرى أن التصويت بالمغادرة سيعطي دفعة لما سمّاه القوى المعادية لأوروبا، مضيفاً أن كل شخص في الاتحاد الأوروبي سيتأثر سلبياً من الناحية الاقتصادية بهذا الخيار.


4- تأثيرات على السعودية والخليج


على المستوى الاقتصادي الأوسع يرجح محللون اقتصاديون أن يؤدي خروج بريطانيا إلى انخفاض سعر البترول نتيجةً لعدة عوامل منها تعزيز الدولار كعملة في حالة شهد الإقبال عليه كثافة كبيرة بسبب التأثيرات السلبية المتوقعة على اليورو والجنيه الإسترليني. وهو الأمر الذي سيؤثر على دول الخليج وعلى رأسها السعودية.


5- اتفاقية التجارة الحرة مع الخليج


من ناحية ثانية تعد دول مجلس التعاون الخليجي حالياً خامس أكبر سوق تصدير للاتحاد الأوروبي، كما يعد الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الثاني لدول مجلس التعاون الخليجي. والأمر سيختلف في حال خروج بريطانيا.

وتصطدم العلاقات الخليجية الأوروبية بصخرة عدم إنجاز التوقيع على اتفاقية التجارة الحرة بين الجانبين حتى الآن، وطول فترة المفاوضات بسبب اشتمالها على مسائل سياسية خاصة بحقوق الإنسان والهجرة غير الشرعية ومكافحة الإرهاب. وليس من المتوقع أن تحرز المفاوضات تقدماً ملحوظاً في حال غياب الجانب البريطاني عن منظومة الاتحاد.


6- نهاية حلم الرفاهية؟


ويمثل الاتحاد بشكل عام، وفي القلب منه بريطانيا، منحنى صعود دولة الرفاهية التي بدأت في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. كما يمثل أيضاً شكلاً من التعاون الاقتصادي والسياسي كان يُضرب به المثل كإطار للتعاون المثمر بين المختلفين سياسياً وجغرافياً وثقافياً ولغوياً والالتقاء لتحقيق مصالح الشعوب المشتركة عبر الاندماج على مستويات مختلفة. وكانت الفكرة المبدئية أن الدول التي تتعاون اقتصادياً وتتشابك مصالحها في هذا الإطار من غير المرجح أن تحارب بعضها بعضاً. فلا تزال الذاكرة الأوروبية محمّلة بحقبة الصراع الدامي الذي يهيمن على التاريخ الأوروبي حتى الحرب العالمية الثانية وامتداداته الفرعية المتمثلة في حرب البلقان وحملة الإبادة في البوسنة والهرسك في التسعينات من القرن الماضي.

التأثيرات السياسية


7- فشل السياسة الخارجية الأوروبية


ورغم أن التقدم الذي أحرزه الاتحاد على مستوى التبادل التجاري وبعض مناحي الاندماج، إلا أنه لم ينعكس بالدرجة نفسها على مستوى السياسة الخارجية والدفاعية المشتركة التي لا تزال تتشكل.

فلا يزال حلف الناتو، وفي القلب منه الولايات المتحدة، يشكلان المظلة الدفاعية الأبرز لأوروبا، ولا تزال التباينات بين الدول الأعضاء موجودة بشكل كبير فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، خاصة القضايا الشائكة مثل القضية الفلسطينية والملف السوري والوضع في مصر. الأمر الذي أعاق بلورة سياسة موحّدة تتحدث بها أوروبا وتحدث بها اختراقات في الملفات الخارجية.

لكن هذا الإخفاق يرد عليه مؤيدو البقاء بأنه في طريقه للتحسّن، وأن الانفصال عن الاتحاد سيفاقم المشكلة في جوارهم الأوروبي، وهو القدر الجغرافي الذي لا مهرب منه.


8- التحدي الروسي من جديد


يمثل وجود روسيا كدولة كبيرة وجارٍ شرقي للاتحاد تحدياً آخر، حيث يحذر وزير الدفاع البريطاني المحافظ، مايكل فالون، من مخاطر الدور الروسي حال خروج بريطانيا من الاتحاد على أمن أوروبا والغرب بشكل عام، قائلاً إن الرئيس الروسي فلادمير بوتين لم يكن ليدفع ثمن ضمّه لإقليم القرم لو لم تكن بريطانيا عضواً فاعلاً في الاتحاد الأوروبي عن طريق ضغطها لفرض عقوبات قاسية على روسيا التي ستصبح مهددة بعدم تجديدها إذا خرجت بريطانيا من هذه المنظومة.


9- بداية عصر ألمانيا وفرنسا


من ناحية أخرى هناك مَنْ يرى أن خروج بلد مركزي كبير من حيث التأثير والتاريخ والحجم من الاتحاد الأوروبي بحجم المملكة المتحدة سيترك فراغاً كبيراً تلعب فيه ألمانيا وفرنسا أدواراً رئيسية، ما يخل بالتوازن داخل منظومة الاتحاد. كما سيعطي فرصة للقوى اليمينية الصاعدة والمعادية للأجانب بالظهور والتأثير، خاصة أن الدعوة لهذا الاستفتاء قادمة أصلاً من الأحزاب اليمينية سواء من نواب من حزب المحافظين الحاكم أو الحزب القومي البريطاني اليميني الذين يزعمون أن البريطانيين لم يقولوا كلمتهم في مسألة الانخراط في هذا المستوى من الشراكة السياسية والاقتصادية مع الجيران الأوروبيين منذ عام 1975.

وهو الأمر الذي دعا رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون لإطلاق وعدٍ بإجراء الاستفتاء حال انتخابه لولايةٍ ثانية، وهو ما تحقق له العام الماضي. وقد أجرى كاميرون، المؤيد للبقاء في الاتحاد الأوروبي، مفاوضات مع الاتحاد لتغيير بعض شروط العضوية بناءً على طلب المعترضين، وتوصل إلى اتفاق سيدخل حيز النفاذ إذا صوّت البريطانيون للبقاء في الاتحاد، لكن المعترضين يرون أنه لا يلبي توقعاتهم.