بسبب التكلفة وغياب الدولة.. اختفاء قسري للمسلسلات الدينية المصرية في رمضان

تم النشر: تم التحديث:
MSLSL
مسلسل ديني | social media

سألت سمية أحمد الدسوقي، الموظفة في التأمين الصحي بالجيزة، زميلتها: أين المسلسلات الدينية التي اشتهر بها شهر رمضان، ولماذا اختفت هذا العام؟! وربما لم تنتظر رد زميلتها قبل أن تبدأ معها في تذكر عدد من المسلسلات الدينية التي كانت تتابعها خلال شهر رمضان في سنوات سابقة مثل "محمد رسول الله"، و"عصر الأئمة" وغيرهما، التي كان الكثيرون يعتبرونها الأنسب للشهر الكريم بروحانياته.

تساؤل سمية طرحه الكثير من الناس: لماذا اختفت المسلسلات الدينية من خارطة العرض التلفزيوني خلال رمضان في السنوات الأخيرة، وتقلص عددها من عام إلى آخر، حتى تلاشت تماماً؟

هل السبب تكلفة الإنتاج، أم صعوبة التسويق؟ أم عدم إقبال المعلنين التجاريين على هذه النوعية من المسلسلات، أم أن السبب سياسي؟

الواقع يشير إلى أن التلفزيون المصري المملوك للدولة كان يلعب الدور الرئيسي في إنتاج هذه المسلسلات، لكن مع دخول القطاع الخاص "قطاع الفضائيات" لم يهتم كثيراً بهذه النوعية من المسلسلات.


أبرز الأعمال


على مدار العقود الماضية، تتذكر الأجيال مسلسلات شهيرة مثل "محمد رسول الله" الذي كان يروي قصص الأنبياء ابتداءً من النبي إبراهيم (عليه السلام) وانتهاء بالنبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، بطولة شكري سرحان، وعبدالله غيث وفردوس عبدالحميد وغيرهم، ومن تأليف عبدالفتاح مصطفى وإخراج أحمد طنطاوي واستمر عدة أجزاء.

وهناك أيضاً مسلسل "عصر الأئمة" الذي تناول سيرة الأئمة الثلاثة: الشافعي، وأنس بن مالك، وأحمد بن حنبل، ومسلسل "أبوحنيفة النعمان" بطولة، حمدي غيث ومحمد رياض وإبراهيم يسرى، ومسلسل "الترمذي"، الذي تدور قصته حول الإمام الترمذي، و"الليث بن سعد" وهو مسلسل تاريخي إسلامي يتناول حياة هذا الإمام العالم.

وكان المسلسل الأشهر مؤخرا "إمام الدعاة" الذي يروي قصة حياة الداعية المعروف محمد متولي الشعراوي منذ نشأته في قرية دقادوس وتعلّمه في كُتّاب القرية وحفظه القرآن الكريم وعلاقته بأهل القرية، ثم مراحل شبابه وكهولته وكفاحه في تفسير القرآن وتعليمه، من تمثيل حسن يوسف وعفاف شعيب، وتأليف بهاء الدين إبراهيم وإخراج مصطفى الشال.

والقائمة طويلة تضم أيضاً مسلسلات: "الإمام محمد عبده"، و"العارف بالله"، ويتناول المسلسل السيرة الذاتية للشيخ عبدالحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق، و"الإمام الغزالي".

وحظي مسلسل "عمر بن الخطاب" بنسب مشاهدة عالية ومتابعة واسعة، ربما فاقت العديد من المسلسلات الدينية على الرغم من الجدل الذي أثير حول قيام أحد الممثلين بتجسيد شخصية ثاني الخلفاء الراشدين.

كل هذه الأعمال التي لاقت نجاحاً كبيراً على مدار السنوات تجعل السؤال مطروحاً بقوة: لماذا اختفت الدراما الدينية؟

الناقد الفني، نادر عدلي، يقول إن خارطة الدراما الرمضانية في مصر هذا العام جيدة، ولكنها تخلو من الأعمال الدينية، مشيراً إلى أن الحديث عن أن تكلفة الموسم الدرامي بلغت حوالي مليار ونصف المليار جنيه، مبالغ فيه.

ولفت عدلي في تصريحات لـ"هافينغتون بوست عربي" إلى أن الدولة المصرية تهتم بالعديد من الصناعات التي تحقق لها مكاسب حتى لو كانت ضئيلة، ولكن صناعة الدراما المصرية بهذا الإنتاج الضخم والتسويق بالمنطقة العربية لم تجد اهتماماً جاداً من جانب الحكومة باعتبارها صناعة تدر دخلاً جيداً للدولة.

وأوضح أن اختفاء الأعمال الدينية من الدراما الرمضانية يأتي غالباً لإحجام المنتجين عنها، فضلاً عن إحجام القنوات الفضائية عن شرائها، بحجة أنها ليست مادة جاذبة للجمهور، مشيراً إلى أن هناك أعمالاً كثيرة توقف تصويرها ولم يتم استكمالها.

من جهته يرى الناقد الفني طارق الشناوي أن السبب الأول لاختفاء المسلسلات الدينية هو الموروث النقدي لدى العديد من القائمين على الدراما المصرية، الذي يتمثل في اعتقادهم بأن أضعف ممثل وأضعف مؤلف ومخرج هم من يتصدون للعمل الديني، موضحا أن ذلك غير صحيح تماماً، وأن المسألة في المسلسل الديني ليست مجرد إجادة لـ "اللغة العربية"، وإنما دراسة للشخصية وطبيعتها والتعمق الجيد في جوانبها.


غياب الابتكار


وقال الشناوي لـ"هافينغتون بوست عربي" إن السبب الآخر هو عدم وجود تفكير إخراجي متطور لدى صناع المسلسلات الدينية، إذ يتعامل البعض معه على أنه خروج للممثل أمام الكاميرا وأداء ما حفظه من جمل دون أي مجهود مصاحب لتنفيذه، وهذا قد يجعل من تسويق هذا النوع من المسلسلات الدينية أمراً مؤرقاً لمنتجيه، في ظل وجود العديد من المسلسلات الاجتماعية التي تتهافت عليها القنوات الفضائية، ولا تقترب من المسلسلات الدينية ضعيفة المستوى التي يتم إنتاجها في مصر.

ويشير الشناوي إلى أن الأزهر الشريف يشارك هو الآخر في مسألة غياب المسلسلات الدينية عن دراما رمضان لتشدده في عملية عدم تجسيد الصحابة وأصحاب السير في الإسلام، وهذا يثني العديد من كتاب الدراما عن تنفيذ أفكار تتعلق بأعمال دينية خوفاً من تعنت الأزهر، رغم تنفيذ مسلسل مثل "عمر بن الخطاب"، وإظهار جميع الخلفاء الراشدين، مع العلم بأنه إنتاج سعودي ينتمي للدولة التي تعتبر أصل المذهب السني.

أما إعادة نشاط المسلسلات الدينية فيتطلب - كما يقول الشناوي - تغيير الفكر الديني والدرامي في تناول هذه الأعمال، وإظهار المسلسل بشكل مقنع للمشاهد، كما أن الأمر بحاجة إلى ثورة داخل الأزهر على التشدد والممنوعات دون حجة واضحة.


كارثة حقيقية


ومن جانبه يشير الناقد محمد عبدالفتاح إلى أن عدد الأعمال المنتَجة هذا العام يبلغ حوالي 25 مسلسلاً، وأنه كان يتوقع وجود مسلسل ديني واحد على الأقل بينها، موضحاً أن غياب مثل هذا المسلسل كارثة حقيقية، لأن المنتجين يفضلون الأعمال الكوميدية والاجتماعية والأكشن، كما أن الكُتّاب انصرفوا عن كتابة الأعمال الدينية لأنه "ليس لها سوق، وعندما تقنع فناناً اليوم بتقديم دراما دينية إما يرفض أو يطلب أجراً مرتفعاً".

ودعا عبدالفتاح في تصريحه لـ"هافينغتون بوست عربي" الفنانين إلى تخفيض أجورهم وإحداث يقظة بين الكُتاب مرة ثانية لكتابة الأعمال الدينية، وإنتاجها مرة أخرى.


عودة الدولة للإنتاج ضرورة


أما الصحفية والناقدة حنان شومان فتقول إن هناك أسباباً عديدة وراء غياب المسلسلات الدينية منها التكلفة المرتفعة في مقابل تكلفة المسلسل التجاري، إضافة إلى أن كتابة المسلسل الديني تحتاج إلى دراسة ومراجع، وكتابة جيدة محكمة، قد تستمر شهوراً وربما تستغرق سنوات، بينما المسلسل التجاري من الممكن كتابته في 3 أو 4 أشهر فقط، بخلاف الندرة في عدد كُتاب هذه النوعية من الدراما.

ونوّهت شومان إلى أن الدول والحكومات كانت المسؤول الأول عن إنتاج مثل هذه الدراما لكن قطاع الإنتاج الآن ليس لديه القدرة الأدبية أو المالية، بسبب الأزمات المالية في قطاع الإنتاج الرسمي بالدولة، كما أن الأوضاع في سوريا حالت دون إنتاج الحكومة لهذه المسلسلات، وبالتالي يصبح العامل الأول المطلوب لإحياء الدراما الدينية دخول الدولة مرة أخرى في عملية الإنتاج.