أمير البحر العثماني خير الدين بربروسا "ذو اللحية الحمراء".. قبطان أم قرصان؟

تم النشر: تم التحديث:
HAYREDDIN BARBAROSSA
Culture Club via Getty Images

تاريخنا الإسلامي يحفل بسير العظماء والقادة الذين تركوا بصماتهم واضحة على ما قدموه إلى الإسلام والمسلمين. لكننها شخصيات حبيسة الكتب، حتى استغل الغرب ذلك فقام بتشويه صور الكثير من شخصياتنا التاريخية، ولطخ تاريخها الناصع البياض.

من هذه الشخصيات أمير البحار ﺧﻴﺮ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺑﺮﺑﺮﻭﺳﺎ.. وﺍﺳﻤﻪ ﺍﻷﺻﻠﻲ ﺧﻀﺮ ﺑﻦ ﻳﻌﻘﻮﺏ، ﻭﻟﻘّﺒﻪ ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﻥ ﺳﻠﻴﻢ ﺍﻷﻭﻝ ﺑﺨﻴﺮ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺑﺎﺷﺎ، ﻭﻋُﺮﻑ ﻟﺪﻯ ﺍﻷﻭﺭﻭﺑﻴﻴﻦ بـ"ﺒﺎﺭﺑﺎﺭﻭﺳﺎ" ﺃﻱ "ﺫو ﺍﻟﻠﺤﻴﺔ ﺍﻟﺤﻤﺮﺍﺀ"، امتاز بالقوة والدهاء والإقدام والشجاعة، ذو صلابة في الجهاد وقناة لا تلين، إلى جانب تصميم وعزم لا يتطرق إليهما أي ضعف، ونظرة صائبة خاطفة، لا تكاد تخطئ التقدير ولا التدبير، وجرأة واندفاع لا يباليان بالصعوبات، ولا يحسبان حساباً للعقبات، أبرع مَنْ ركب البحر، وقاد السفن، يعد شخصية أسطورية بكل المقاييس، فقد تحولت حياته إلى نوع من الأسطورة التي تتجاوز الواقع لتحلّق في ما ينسجه الذهن من صور متناقضة من البطولة أو الإرهاب بلغة أيامنا هذه.

إن مجرد ذكر اسمه يجعل الأسطورة الخارقة والخيال الجامح يمتزجان بالحقائق التاريخية، فهو عندنا - نحن المسلمين - محرر المستضعفين خاصة في سواحل شمال إفريقيا والأندلس، وهو بالنسبة للأوروبيين قرصان مارد، تكبدوا على يديه خسائر فادحة في الأرواح والثروات.

ﻫﻮ ﺃﺣﺪ ﺃﻛﺒﺮ ﻗﺎﺩﺓ ﺍﻷﺳﺎﻃﻴﻞ ﺍﻟﻌﺜﻤﺎﻧﻴﺔ، ﺗﻮﻟﻰ ﻣﻨﺼﺐ ﺣﺎﻛﻢ ﺇﻳﺎﻟﺔ ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ، ﺛﻢ ﻋﻴﻨﻪ ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﻥ سليمان ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ ﻘﺎﺋﺪاً عاماً ﻟﺠﻤﻴﻊ ﺍﻷﺳﺎﻃﻴﻞ ﺍﻟﺒﺤﺮﻳﺔ ﻟﻠﺨﻼﻓﺔ الإسلامية، ﺳﺤﻖ ﺧﻴﺮ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺃﺳﻄﻮﻝ ﺷﺎﺭﻝ ﺍﻟﺨﺎﻣﺲ ﻓﻲ ﻣﻌﺮﻛﺔ ﺑﺮﻳﻔﻴﺰﺍ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﻣّﻨﺖ ﺳﻴﻄﺮﺓ دولة الخلافة ﻋﻠﻰ ﺷﺮﻕ ﺍﻟﻤﺘﻮﺳﻂ ﻟﻤﺪﺓ 33 ﻋﺎﻡاً، ﻭﻗﺎﻡ ﺧﻴﺮ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺑﺈﻧﻘﺎﺫ 70 ألف ﻣﺴﻠﻢ ﺃﻧﺪﻟﺴﻲ ﻣﺴﺘﺨﺪﻣﺎً ﺃﺳﻄﻮﻝاً ﻣﻦ 36 ﺳﻔﻴﻨﺔ ﻓﻲ 7 ﺭﺣﻼﺕ.

وحين ﺃﻋﻠﻨﺖ إﺳﺒﺎﻧﻴﺎ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﻋﻠﻰ ﻓﺮﻧﺴﺎ ﻃﻠﺐ ﻓﺮﺍﻧﺴﻮﺍ ﺍﻷﻭﻝ ﻣﻠﻚ ﻓﺮﻧﺴﺎ ﺍﻟﻤﺴﺎﻋﺪﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﻥ ﺳﻠﻴﻤﺎﻥ القانوني، فأﺭﺳﻞ ﺍﻟﺴﻠﻄﺎﻥ ﺳﻠﻴﻤﺎﻥ ﺧﻴﺮ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻋﻠﻰ ﺭﺃﺱ ﺃﺳﻄﻮﻝ ﻛﺒﻴﺮ ﺗﻤﺮﻛﺰ ﻓﻲ ﻣﺭﺳﻴﻠﻴﺎ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻨﺎﺯﻝ ﻋﻨﻬﺎ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴوﻦ ﻟﻠﻌﺜﻤﺎﻧﻴﻴﻦ ﻟﻤﺪﺓ 5 ﺃﻋﻮﺍﻡ، وﻧﺠﺢ ﺧﻴﺮ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻓﻲ ﺩﺣﺮ الإﺳﺒﺎﻥ ﻣﻦ ﻧﺎﺑﻮﻟﻲ ﻭﺍﻟﺴﺎﺣﻞ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ. وفي الفترة التي تمَّ فيها تسليم الميناء إلى الدولة العثمانية تم إخلاؤه من جميع سكانه بأوامر من الحكومة الفرنسية، وتحول إلى مدينة إسلامية عثمانية، كما رفع عليها العلم العثماني، وارتفع الأذان في أرجاء المدينة.

كلما قرأت أكثر أيقنت أن الذي نجهله في تاريخنا نحن يعرفه هؤلاء القوم، بعدما درسوا تاريخنا جيداً ووعوه جيداً واستفادوا منه أكثر مما استفدنا نحن، إن من الأمور المفرحة والمحزنة في ذات الوقت أن ينوب أعداء المسلمين عن المسلمين في قراءة تاريخهم، وأن يستطيع مجموعة من مزيفي التاريخ من مستشرقين ودارسين وبسهولة أن يزيفوا حقائق التاريخ ويروّجوا الأكاذيب ويضخموا الأخطاء ويبدون المثالب.

ولو سألت عن ذي اللحية الحمراء والعين الواحدة والقدم الخشبية في أفلام هوليوود لقالوا لك إن ذلك هو "القرصان"، والحقيقة التي لا يريدون لنا أن نعرفها أن "بربروسا" من أعظم قواد الأساطيل البحرية على الإطلاق، خاض المعارك الحربية البحرية، وفتح للمسلمين بلاداً عديدة، وحرر كثيراً من البلاد المحتلة، ووجّه ضرباته القوية المؤلمة إلى أعداء الإسلام، فكسر شوكتهم، وهزم جيوشهم، وذاع صيته في أوروبا كلها، فاطلقوا عليه "ذو اللحية الحمراء".

ومن أجل المزيد من تشويه صورته قام الغرب بإنتاج سلسلة أفلام ضخمة حملت اسم: قراصنة الكاريبي، وصوّر فيها المجاهد خير الدين بصورة وحشية ودموية، ووصفه بالخسة والنذالة، محاولين بذلك أن ينالوا من ذلك القائد الذي أذل قادتهم، وهزم جيوشهم.. فبربروسا ما هو إلّا بطل مسلم، رجل عزة وكرامة، مجاهد في سبيل الله، ولم يكن كما يصورونه قرصاناً، بل عمل لإنقاذ دماء آلاف المسلمين التي كان يسفكها أجدادهم.

قاد خير الدين بربروسا حملات بحرية، كان من أشهرها انتصاره العظيم في معركة بروزة بالبحر المتوسط، فقد كانت معركة هائلة تداعت لها أوروبا، استجابة لنداء البابا في روما، فتكون التحالف الصليبي من 600 سفينة، تحمل نحو 60 ألف جندي، ويقوده قائد بحري من أعظم قادة البحر في أوروبا هو "أندريا دوريا"، وتألَّفت القوات العثمانية من 122 سفينة، تحمل 22 ألف جندي، والتقى الأسطولان في بروزة في 4 من جُمَادَى الأولى 945 هـ - 28 من سبتمبر 1538م، وفاجأ خير الدين خصمه قبل أن يأخذ أهبته للقتال، فتفرَّقت سفنه من هول الصدمة، وهرب القائد الأوروبي من ميدان المعركة، التي لم تستمرّ أكثر من 5 ساعات، تمكَّن في نهايتها خير الدين بربروسا من حسم المعركة لصالحه.. وأصبحت البحرية الإسلامية العثمانية سيدة البحر المتوسط بلا منازع لـ3 قرون متصلة، ولم تذكر كتب التاريخ شيئاً عنها بعد تلك الهزيمة المخزية.

وقد أثار هذا النصر الفزع والهلع في أوروبا، وأعاد للبحرية العثمانية هيبتها في البحر المتوسط، واستقبل فيه السلطان سليمان القانوني أنباء النصر بفرحة غامرة، وأقيمت الاحتفالات في أنحاء الإمبراطورية.


المهمة المستحيلة


وبعد سقوط الخلافة الإسلامية في الأندلس طلب اليه السلطان سليم الأول إنقاذ مسلمي الأندلس من محاكم التفتيش الإسبانية التي كانت تذيق المسلمين الويلات وكانت الخطة كالتالي:

ـ الإبحار من أقصى الشرق في تركيا إلى أقصى الغرب في الأندلس ومحاربة الجيوش الصليبية مجتمعة (إسبانية وبرتغالية وإيطالية وسفن القديس يوحنا).

ـ اختراق كل تلك الحصون البحرية والتمكن من الرسو الآمن فى إحدى المدن الأندلسية المحتلة من قبل القشتاليين الصليبيين.

ـ تدمير الحامية البحرية الإسبانية لتلك المدينة وشل قوة العدو الدفاعية والتحول الى اليابسة وخوض حرب شوارع ضد القوات البرية الإسبانية في أزقة تلك المدينة وشوارعها.

ـ تحرير المدينة الأندلسية من جديد ورفع راية الإسلام العثمانية على قلاعها ومباغتة الكنائس بصورة مفاجئة للحيلولة دون هروب القساوسة الكاثوليك الذين يعرفون أماكن التعذيب السرية.

ـ البحث فى جميع أبنية الكنائس المظلمة بشكل فوري قبل أن يتم تهريب المعذبين المسلمين والتمكن من العثور على الغرف السرية التي يعذب فيها المسلمون.

ـ تحرير المسلمين مع مراعاة عدم نقلهم من الأقبية حتى غياب الشمس لتجنب إصابتهم بالعمى نتيجة عدم رؤيتهم للشمس منذ سنين.

ـ نقل الأسرى المسلمين إلى السفن الإسلامية مع تجنب تعرّض جلودهم الهزيلة للتمزق أثناء الحمل.

ـ إخلاء المدينة على وجه السرعة مع مراعاة ألا تستمر العملية منذ الرسو حتى الإقلاع أكثر 6 ساعات لتجنب الاشتباك مع قوات المدد للعدو الآتية من المدن المجاورة.

ـ الإبحار تحت جنح الظلام والتمكن من شل حركة العدو البحرية أثناء رحلة العودة، والأخذ بعين الاعتبار أن العودة هذه المرة لن تكون نحو تركيا بل نحو الجزائر، وذلك لإسعاف الأسرى بأسرع وقت من جهة وخداع بحرية العدو من جهة أخرى.


انتهت المهمة!


فهل قرأت أو سمعت عن مهمة أغرب من هذه؟!

الغريب أن المهمة نجحت والأغرب أنها نجحت أكثر من مرة وأنقذ عروج وإخوته الآلاف من مسلمي الأندلس.. وذاع صيت هذا القائد الإسلامي في بحار الدنيا، وتناقلت شوارع أوروبا الكاثوليكية قصصاً متناثرة عن بطولة بحار عثماني يبحر كالشبح المرعب فلا يستطيع أحد صده.

إن تاريخ أمتنا مليء بالبطولات فوق كل أرض وفي كل وقت وزمان، كان هناك من أبطال الأمة وقادتها وعلماؤها وربانيوها من يكتبون تاريخنا بمداد من الذهب على صفحات من النور، يسطرون أروع التضحيات والبطولات، يسطرونها بدمائهم وأرواحهم وأشلائهم، وإنه لحريّ بنا أن نطلع على تاريخنا، فلقد انتهى الزمان الذي كنا نقرأ ما يكتبه أعداء الأمة لنا وولى الى غير رجعة، وجاء الزمان الذي نكتب نحن فيه تاريخنا بأنفسنا.

رحم الله القائد خير الدين بربروسا، ورحم أخاه من قبله، لم يتنافسا على تركة ورثاها عن أبيهما، بل تنافسوا أيهما يسبق لنصرة الإسلام وإنقاذ المسلمين. وإن كان هؤلاء الأبطال قراصنة فأكرم بهم قراصنة، فهم لم يقصدوا البحر طمعاً في كنز مدفون، أو سفينة غارقة، بل قصدوه البحر طمعاً في ما هو أثمن.. الثواب من الله.

هؤلاء هم أبطالنا المنسيّون، ولكنهم لم يعودوا منسيين بعد اليوم بإذن الله.

إقرأ القصة كاملة هافينغتون بوست عربي