في ذكرى الاحتفال العشرين برمضان داخل البيت الأبيض.. هل يكرر ترامب الدعوة وهل يقبلها المسلمون؟

تم النشر: تم التحديث:
DONALD TRUMP
ASSOCIATED PRESS

قد يكون احتفال المسلمين بشهر رمضان في البيت الأبيض هذا العام هو الأخير إذا ما تمكّن مرشح الحزب الجمهوري دونالد ترامب من الظفر برئاسة الولايات المتحدة الأميركية.

ترامب الذي ناصب المسلمين العداء منذ أعلن نيته الترشيح للبيت الأبيض قبل عام، دافع عن وجهة نظره بعدم دخول المسلمين بلاده بعد المجزرة الأخيرة التي وقعت في ملهى "بلس" للمثليين في مدينة أورلاندو، وانتفض على حسابه الرسمي على توتير يسبّ كل من يخالفه الرأي في معاداته للمسملين.

المشكلة التي خلفتها مجزرة أورلاندو ستجعل من المستحيل أن يصبح حال المسلمين أفضل في الفترة القادمة، بحسب ما كتب محمد المنشاوي، رئيس مكتب واشنطن في شبكة تلفزيون العربي، في مقال له بصحيفة واشنطن بوست الأميركية، معتبراً أن أفكار ترامب ستجد لها أرضاً خصبة في أوساط المجتمع الأميركي بعد هذا الحادث الأليم.

وإلى نص المقال

يأتي رمضان هذا العام بالتزامن مع أوقات عصيبة يعيشها المسلمون في أميركا؛ فقد بدأ شهر الصوم قبل أسبوع ونصف، أي قبل ارتكاب مواطن أميركي، والداه مهاجران أفغانيان، أعنف جريمة إطلاق نار جماعي في تاريخ الولايات المتحدة، وذلك في ملهى "بلس" للمثليين في مدينة أورلاندو. ما حدا بدونالد ترامب إلى الرد على المأساة بتجديد عزمه منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة وإلقاء اللوم كله على مسلمي البلاد لفشلهم في منع الهجوم والحيلولة دونه.

في الوقت نفسه تستعد إدارة أوباما للترحيب بمسلمي أميركا في البيت الأبيض لآخر مرة لها، احتفالاً بعيد الفطر ونهاية شهر رمضان.

واحتفال البيت الأبيض برمضان هذا العام يوافق الذكرى الـ20 لبدء العمل بهذا التقليد الذي كانت السيدة الأولى آنذاك هيلاري كلينتون قد أطلقته عام 1996، واستمر العمل بهذا التقليد كل عام مع كل إدارة ورئيس جديد جمهوريّ الحزب كان أم ديمقراطيّه؛ بيد أن أول إفطارٍ في البيت الأبيض موثقٍ تاريخياً كان قبل 200 عام على زمن الرئيس توماس جيفرسون، حينما دُعي المبعوث التونسي سيدي سليمان مليملي إلى البيت الأبيض في 9 ديسمبر/كانون الأول 1805 لمناقشة القرصنة في البحر الأبيض المتوسط، ولما قيل للرئيس إن المبعوث صائم لأن الشهر شهر رمضان، أمر جيفرسون بترتيب موعد تقديم الطعام مع موعد غروب الشمس تماماً عملاً بالعُرف الإسلامي.

تحولت احتفالية إفطار البيت الأبيض إلى أهم مناسبة عامة يجتمع فيها قادة الرأي المسلمون وغير المسلمين على مائدة واحدة، وقد دأب 3 رؤساء على الاستفادة من الحدث لتعزيز الوحدة بين الأديان وتوثيق عُرى التفاهم المشترك. الآن بعد فاجعة أورلاندو نهاية الأسبوع الماضي اكتسب الاحتفال أهمية أكثر من ذي قبل لتعريف الأميركيين بالإسلام الحقيقي السمح، دين السلام.

لكن الاستمرار بتطبيق تقليد الضيافة هذا يصعب تخيله في عهد رئاسة ترامب – إن نجح - ناهيك عن أنك قد لا تجد أي مسلمٍ سيقبل بالدعوة إلى مائدة الإفطار تلك، هذا إن وجّه ترامب الدعوة أصلاً. ترى إن كسِب ترامب في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني المقبلة، فهل يكون إفطار البيت الأبيض هذا آخر إفطارٍ نشهده لسنوات؟

تُقدّر أعداد المسلمين في الولايات المتحدة الأميركية بـ3.3 مليون مسلم، يؤدون عباداتهم في 2500 مسجد تتوزع على كافة الولايات الـ50، منهم مليون مسلم أميركي لديهم حق التصويت والانتخاب، ما يمنح صوتهم ثِقَلاً وأهمية في الولايات المتأرجحة كميشيغان وأوهايو وفرجينيا.

لكن أياً من ذلك لم يردع ترامب عن كيلِ أشد عباراته حدةً ونبرةً لديني وعقيدتي بقساوةٍ تثير القلق في الصدور على أقل تقدير. فقد تعهّد ترامب حتى الآن بالنظر جدياً في موضوع إقفال المساجد وتشديد الرقابة على بعضها الآخر، كما قطع عهداً باستصدار بطاقات هوية خاصة بالمسلمين وتحدث عن إنشاء قاعدة بيانات فيدرالية لتعقب وتتبع ومراقبة المسلمين المقيمين في الولايات المتحدة، ناهيك بالطبع عن أشهر وعوده قاطبة بمنعِ كل المسلمين من دخول البلاد.

عندما ذاع خبر مأساة أورلاندو انفجر ترامب في ردة فعله انفجاراً لعله الأعنف بين كل انفجاراته التي رأيناها، حيث انبرى على تويتر وقد اعترته نشوة عارمة لثبوت صحة مزاعمه وادعاءاته بأنه "كشف الإرهاب الإسلامي على حقيقته"، مكرراً نداءه بحظر دخول كل المسلمين إلى الولايات المتحدة رغم أن القاتل مواطن أميركي مولود في أميركا نفسها ولا تربطه أي علاقات بالمتطرفين الأجانب.

ويوم الاثنين 13 يونيو/حزيران وسّع ترامب إطار حظره ليشمل كل البلدان التي سبق في تاريخها ارتكاب العنف بحق الولايات المتحدة وحلفائها، وهي توسِعةٌ - لو يدري - ستشمل دول العالم كله. كذلك اتهم ترامب مسلمي أميركا بالخيانة دون الاستناد إلى دليل، زاعماً أنهم يتآمرون بصورة منتظمة مع المتطرفين لضرب البلاد وإخفاء من سينفذون الهجمات الإرهابية عن أعين السلطات وعرقلة تحقيقات مكافحة الإرهاب الفيدرالية.

طالت غضبة ترامب الرئيس أوباما، فقد بدا أنه يصبّ اللوم عليه وعلى "مآربه الدفينة" من وراء المجزرة، ملمحاً إلى أن كل من يعارض قرار الحظر لا يمكن أن يكون صديقاً ودوداً لمجتمع المثليين، أما أشد سياط كراهيته للأجانب فقد وجه سهامها إلى صدر والدي منفذ الاعتداء حينما قال: "خلاصة القول إن السبب الوحيد لوجود هذا القاتل في أميركا من الأساس ما هو إلا أننا كنا قد سمحنا لذويه وعائلته بالمجيء إلى هنا".

وللأسف يبدو أن ترامب ينطق بلسان عدد كبير من الأميركيين، فقد كان استطلاعٌ للرأي أجرته في مايو/أيار صحيفة "واشنطن بوست" بالتعاون مع شبكة ABC News للأخبار، قد أظهر انقسام الشارع الأميركي بالتساوي في أمر مقترحه بحظر دخول المسلمين، حيث وافق على المقترح 43% من المشاركين في الاستطلاع، فيما عارضه 50% وتأرجح 7%.

من هنا يبدو جلياً أن عواصف ترامب الكلامية ضد الأجانب قد أمطرت مسلمي أميركا وموقفهم بوابلٍ أضرّ بهم أيما ضرر. فعلى سبيل المثال كان تقريرٌ في الآونة الأخيرة صدر عن مركز التفاهم الإسلامي المسيحي بجامعة جورج تاون قد أظهر تصاعداً واضحاً جلياً في أعمال العنف المرتكبة بحق المسلمين في الولايات المتحدة تزامناً مع حملات عام 2016 الانتخابية، وكذلك كانت النتيجة التي خرجت بها دراسةٌ مماثلةٌ لبيانات مكتب التحقيقات الفيدرالية FBI .

لهذا كله تكتسب احتفالية إفطار البيت الأبيض هذا العام أهميتها المضاعفة. ففي بيانٍ له مع بداية شهر رمضان لهذا العام قال أوباما: "مع احتفالات المسلمين الأميركيين بالشهر الفضيل أتذكّر بأننا عائلةٌ أميركية واحدة. إنني أقف إلى جانب الجالية الأميركية المسلمة رفضاً لكل الأصوات الداعية إلى انقسامنا أو تقييد حرياتنا الدينية وحقوقنا المدنية. أقف هنا مجدداً التزامي بصيانة الحقوق المدنية لكافة الأميركيين مهما كان دينهم أو مظهرهم".

تأثرتُ شخصياً بعبارات أوباما لأنني أنا الآخر مسلمٌ أميركيٌ مهاجر، ولأنني حللتُ ضيفاً على عدة موائد إفطار نظمتها وزارة الخارجية فأنا أعلم علم اليقين كم هي ثمينة وبناءةٌ مبادرات الحكومة الأميركية الرسمية تجاه مسلمي الداخل والخارج. ينبغي أن تبقى الأعراف من هذا النوع وتظلّ عنصراً جوهرياً في السياسة الخارجية الأميركية مستقبلاً.

الآن وأنا أقترب من إتمام العقد الثالث على إقامتي في ربوع هذا البلد، خصوصاً في ظل مجزرة أورلاندو، أشعر بقناعة تامة بأنه لا مجال إطلاقاً لأي انقسامات زائفة بين أعراقنا وأدياننا في بلدي المختار الذي تبناني. أطفالي الصغار متساوون في الحقوق، وهكذا ينبغي دوماً أن يظلوا متساوين في الحقوق والكرامة وفي نظر القانون، مهما كانت هوية مَنْ يسكن البيت الأبيض.

أما ترامب فلو أخذناه على حد كلماته لوجدناه بكل وضوح يقف على الجهة الأخرى ويعتقد العكس؛ فبرأيه أن أحداث أورلاندو المريعة تجسّد رغبة تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في شن حرب دائمة وأبدية على الولايات المتحدة وقيمها (وهي حربٌ يرى التنظيم أنه يخوض غمارها حالياً)، وهو غيضٌ من فيض تحريفات هذا التنظيم لتعاليم ديني السمحة.

لقد وعد ترامب في حال انتخابه أن يعطي التنظيم الإرهابي ما يبغيه تماماً ويكون له ما أراد. لذلك في رمضان هذا علينا جميعاً أن ندعو ونأمل ألا تسنح له الفرصة.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Washington Post الأميركية.