لا تستهدف الإخوان.. تفاصيل جلسات غسيل دماغ معارضي السيسي في السجون المصرية

تم النشر: تم التحديث:
EGYPTIAN PRISONS
Anadolu Agency via Getty Images

كشف مصدر داخل أحد السجون بالقاهرة لـ"هافينغتون بوست عربي" معلومات مثيرة عن المحاضرات و"المراجعات" التي تجريها وزارة الداخلية لأفكار السجناء السياسيين والإسلاميين والمعتقلين، على خلفية رفض الانقلاب العسكري الذي جرى في مصر في يوليو/تموز عام 2013.

وكانت صحيفة الشروق المصرية قد نشرت تحقيقاً عن محاضرات قام بها الدكتور أسامة السيد الأزهري المختص بعلوم الحديث والكلام والمعروف بمشروعه "إحياء معالم المنهج الأزهري" الذي صار له حضور سياسي بارز بعد الانقلاب حين صار مستشار السيسي للشؤون الدينية، وذكر التحقيق أن أسامة السيد بدأ سلسلة المحاضرات بالفعل داخل سجن "العقرب 2" لمجموعة من السجناء السياسيين ذوي الخلفية الإسلامية .


جلسات تحقيقات


وذكرت الصحيفة قيام ضباط الأمن الوطني بالسجن بعمل جلسات تحقيق مع الكثير من الشباب، مؤكدين أنه عقب كل جلسة سيكون هناك تحقيق لمعرفة مدى التغيير الذى طرأ على أفكار الحاضرين من السجناء تمهيداً للسعي إلى العفو عمن يتأكد تخليه عن الأفكار التي يحملها.

مصدر داخل أحد السجون بالقاهرة -رفض ذكر اسمه- قال إن هذه المحاضرات حدثت بالفعل، وإن زملاءه تناقشوا مع أسامة الأزهري حول ما يصفه بالأفكار التكفيرية وغير الوطنية لمؤسسي جماعة الإخوان حسن البنا وسيد قطب، لكن النقاش لم يكن حراً بالطبع لأنه كان على عين رقيب أمن الدولة الذي كان يرفض أن يتحول النقاش لحوار فكري حقيقي، رغم أن السجون المصرية المكتظة بالسجناء تشتمل يومياً على هذه الحوارات بين السجناء وبعضهم بعضاً، خاصة وأن كثيراً من السجناء لا تجمعهم خلفية سياسية ولا فكرية واحدة، وبعضهم لا يجمعهم إلا سوط الجلاد وصوت السجان، حسب تعبير المصدر.

وكان الأزهري قد ألقى محاضرات لطلاب جامعة الأزهر حمّل فيها سيد قطب مسؤولية "الأفكار العنيفة التي نشأت على يد الجماعات التكفيرية"، معتبراً أنه "أعرض عن تجربة علماء الإسلام في فهم الوحي واعتبره جاهلية واختار فهمه الشخصي وتصوراته الخاصة ليقدم أطروحته القرآنية التي استقاها من الخوارج ومنهم المفكر الإسلامي أبو الأعلى المودودي واستباحت تكفير عموم المسلمين"، على حد تعبيره.


مجرد محاضرات دورية


إلا أن الأزهري نفى إجراء مراجعات مع السجناء وقال في بيان له "ما نشر في هذا الصدد غير صحيح بالمرة ويفتقد التثبت" لافتاً إلى أن محاضراته داخل السجون دورية ومتكررة وليست الأولى وتأتي في إطار التعاون الدائم بين وزارة الداخلية والمؤسسات الدينية من أجل حث السجناء على الانضباط والإصلاح والتهذيب وإسداء النصح سواء داخل السجن أو خارجه.

وأوضح الأزهري أن اللقاء المشار إليه وغيره من اللقاءات السابقة جاء بمناسبة دخول شهر رمضان المعظم لإعادة تأهيل النفس وجدانياً ومعرفياً وأخلاقياً، وهو الأمر الذي التبس على الصحيفة على حد تعبيره.

ورغم نفي الأزهري إلا أن المصدر الذي تحدث لـ"هافينغتون بوست عربي"، أشار إلى أن العملية تجري داخل السجون على ثلاث مراحل، حيث يتم تجميع السجناء المتوقع أن يتجاوبوا مع المحاضرات من كل السجون المصرية إلى مكان واحد هو أحد السجون بمجمع طرة، حيث تعقد لهم جلسات في "العقرب2"، حيث يأتي أسامة الأزهري أو غيره من شيوخ الأزهر ليلقي المحاضرات التي لا تتخللها نقاشات حقيقية، خاصة وأن السجناء لديهم مظالم كثيرة بسبب ظروف الاعتقال السيئة والتضييق على أهاليهم في الخارج ومقتل عدد من أصدقائهم منذ 25 يناير وحتى الآن، بأيدي قوات الجيش والشرطة وهي القضايا التي يرفض المحاضر نقاشها.


ماذا ستفعل بعد الإفراج؟


وفي المرحلة الثالثة يكون التحقيق مع ضباط أمن الدولة، ويشتمل التحقيق على أسئلة تركز بشكل أساسي على ما سيفعله المعتقل بعد إطلاق سراحه وإن كان ينوي أن يمارس أي نشاط سياسي وضرورة أن يدين العنف ضد الدولة، وألا ينضم لأي تيارات سياسية أو جماعات إسلامية على الإطلاق في المقابل لا يقدم المحققون وعوداً صريحة بالإفراج عن المعتقل، ولكن يفهم ضمناً أنه قد يطلق سراحه في وقت غير معلوم.

وأكد المصدر أن اللقاءات تجري بترتيب قطاع مصلحة السجون بوزارة الداخلية، وأنهم هم الذين يقومون باختيار من يحضر المحاضرات مستغلين الضغوط المادية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية الهائلة التي يتعرض لها المعتقلون وأهاليهم الذين يبحثون عن أي فرصة لإخراج أبنائهم من السجون وعودتهم للحياة الطبيعية واستكمال أعمالهم أو دراساتهم.

وذكر المصدر أن أغلب السجناء الذين يحضرون اللقاءات ليسوا أعضاء بجماعة الإخوان وإن كانوا اعتقلوا على خلفية هذه التهمة المفترضة، وأن كثيراً منهم اعتقل بسبب مشاركته في مظاهرات سلمية أو اعتصامات ضد الحكم العسكري، وأن الشباب منهم يعتبرون أنهم يدافعون عن الثورة وليس جماعة الإخوان ولا غيرها.


المتشددون أعلى صوتاً


وأشار المصدر لمعاناة أخرى داخل السجون تتمثل في "المتطرفين الأعلى صوتاً" وهم السجناء الذين يزايدون على مواقف الشباب والثوار بشعارات "دولة الخلافة وأحكام الشريعة"، وأكد المصدر أن الأجهزة الأمنية توفر لهم بيئة خصبة لنشر أفكارهم المتطرفة ومحاولة استقطاب الشباب المعتقلين في قضايا سياسية تتعلق بالتظاهر والاحتجاج ضد الانقلاب العسكري وسياسات السيسي، لكن هذه المحاولات لا تنجح غالباً.

من جانبه تناول الكاتب فهمي هويدي في مقاله بعنوان "عن مسلسل المراجعات" بجريدة الشروق الموضوع مشككاً في إمكانية نجاح الفكرة، معتبراً أن وضع جميع الإسلاميين المسجونين في سلة واحدة من علامات التبسيط وسوء التقدير؛ لأن الصراع مع الإخوان الذين يشكلون أغلبية المسجونين كان ولا يزال سياسياً وليس فكرياً أو فقهياً، من ثم فإن ترشيح بعض الفقهاء للحوار معهم في أفكارهم يصبح أقرب إلى استدعاء مهندس لعلاج مريض.

وأشار فهمي هويدي إلى أن "قلق الأجهزة الأمنية من تحول بعض الشبان والتحاقهم بتنظيم داعش الذي بدا مبرراً لإنتاج المسلسل يحتاج إلى دراسة أكثر عمقاً وجدية، والمتابعون لذلك المسار يعرفون جيداً أن دواعش سيناء تضاعفت أعدادهم بعد اشتداد الحملة الأمنية في مصر التي واكبت التحول في نظامها، وهو ما أقنع بعض الشباب بعدم جدوى المشاركة السياسية والحلول السلمية، حتى بدا لهم أن داعش هي الحل".

وختم هويدي مقاله مؤكداً بعد أن استعرض خبرات مقارنة أن "التجربة أثبتت أن المراجعات الفكرية حتى إذا اتسمت بالجدية تصبح بلا قيمة في ظل الصراع السياسي، الدليل على ذلك أن قادة المراجعات التي أجرتها الجماعة الإسلامية في التسعينات أغلبهم في السجون أو ملاحقون الآن، رغم أنهم شكلوا حزباً مدنياً "البناء والتنمية"، وأصبحوا أكثر اعتدالاً، وفي مقدمة دعاة الحلول السلمية، والتوافق الوطني، وفي مقدمة هؤلاء عبود الزمر، والدكتور صفوت عبد الغني، وعصام دربالة الذي مات في السجن بسبب الإهمال الطبي".