اللاجئون في الأردن.. إضافة للخليط الثقافي أم سبب في البطالة؟

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

كشف موظفو التعداد الوطني في الأردن عن مفاجأة كبرى مطلع هذا العام عندما وجدوا أن أكثر من ثلث سكان البلاد المقدر عددهم بـ9.5 مليون نسمة ليسوا أردنيين.

على مدى عقود، استوعب الأردن موجات متلاحقة ممن فرّوا من جحيم الحرب والفوضى. كان آخر من وصلوا هم السوريون، ومن قبلهم العراقيون والسودانيون والفلسطينيون، بالإضافة إلى آخرين من مصر وباكستان والفلبين ممن قدموا إلى عمّان للعمل.

حوّل هؤلاء العاصمة الأردنية التي كانت هادئة يوماً ما إلى مدينة غير محببة وغير ملائمة للجوء بالنسبة للاجئين الذين لفظتهم أوطانهم، بحسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، الخميس 16 يونيو/حزيران 2016.

لم تسر الأمور أبداً على نحو سلس، فقد أصبح مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين جاءوا إلى الأردن بعد حربي 1948 و1967 يحملون الجنسية الأردنية حالياً، إلا أن بعض الوافدين الأحدث لم يحصلوا على الجنسية.

يوجّه بعض الأردنيين اللوم تجاه الوافدين السوريين الجدد بأنهم كانون السبب في انخفاض الرواتب، في حين يرى البعض أن الوافدين الجدد حولوا عمّان إلى مكان أفضل للعيش.

تقول آن ماري جاسر، وهي مخرجة فلسطينية تعيش في عمّان منذ 6 سنوات بعد فترات قضتها بين الرياض ورام الله والقدس: "أين يمكنك أن تجد مثل هذا المزيج في أي مكان آخر في العالم العربي؟ هذا ما يجعل عمان مميزة".

تبدو النقاشات حول كيفية إدماج المهاجرين حديثاً معتاداً في الكثير من العواصم العالمية. وفي زيارة لعمان، قابلنا بعض الأشخاص الذين يغيرون النسيج الثقافي في العاصمة الأردنية.

في محل أبو عربي حيدر الدمشقي للحلويات، يمكنك رؤية جبل متدرج من البقلاوة التي تبدو لامعة يكسوها السكر السائل، في حين يبدو لونها كطبقة من الكراميل، قبل أن تجد طبقة أخرى من الفستق والمكسرات الأخرى في الأسفل.

هذا التنسيق الجميل للحلويات قام به عمر عوض، وهو فنان متخصص بالرخام من دمشق جاء إلى عمّان منذ 4 سنوات هرباً من الحرب الأهلية في سوريا. وبدلاً من تصميم الرخام في قصور بلاده، يقف الآن لترتيب الحلويات في نافذة المحل. يقول عوض باطمئنان: "أينما وضعتنا نحن السوريون فسنتعلم ونتمكن من الأمر".

الحلوى السورية هي من ضمن الإضافات الجديدة في المدينة، بينما يقوم أبو عربي حيدر بإغلاق محله في أيام الجمعة. يصنع الأردنيون نفس الأنواع من الحلوى، والتي تمتلئ بالمكسرات ذاتها، إلا أن أكثر الأردنيين كرهاً للأجانب سيخبرك بأن السوريين لهم لمسة خاصة.


لا يمكنه ترك عمّان


يقول عوض (27 عاماً) إنه لا يتخيل مغادرة عمّان في وقت قريب، فقد ساعد في تأسيس محل الحلوى، بالإضافة إلى مقهى بجواره. على الحائط، ترى صوراً معلقة للمحل الأصلي في دمشق.

ويقول عوض: "لقد تطلب الأمر جهداً كبيراً لفتح وتسيير هذا الفرع في الأردن ونحن لن نتخلى عنه، بعض النظر عما سيحدث في سوريا مستقبلاً".

في فناء حديقة مظللة بأحد الأحياء الراقية بعمان، تجد السودانية منيرة غانم، والتي تمسك بمخروط الحناء وتبدأ بالرسم بدقة على سواعد عميلاتها المخلصات لها.

تقدم السودانيات فن رسم الحناء كإضافة جديدة لسيدات الأردن، ومنيرة غانم هي من بين أكثر من يقبلن عليهن لرسم الحناء.

جاءت غانم إلى الأردن بصحبة زوجها منذ 20 عاماً، وبدأت العمل في صالونات التجميل بالمدينة، وجربت العمل بالخياطة وإزالة الشعر قبل أن ينتهي بها المطاف برسم الحناء. ترسم في بعض الأحيان على الذراع، وفي أحيان أخرى على الكتف، وأسفل الظهر في بعض المناسبات.

وحتى بعد عودة زوجها إلى السودان، استمرت غانم في عمان لتربي أطفالها الأربعة وحدها. قدم الكثير من السودانيين من دارفور، وبعد ذلك من جبال النوبة، خاصة مع اشتداد النزاعات في تلك المناطق.

وبسؤالها عن المكان الذي تحس فيها بأنها في وطنها، أجابت: "أينما أجد العمل أشعر بأنني في وطني. في المكان الذي يمكنني أن أحسن فيه حياتي والذي يستطيع فيه أطفالي أن يتعلموا بشكل جيد، هذا هو الأهم".

من فوق النخيل يمكنك سماع صوت أحد الغربان، والشعور بحرارة الصيف في منتصف النهار، بينما تأتي إحدى العاملات مع طفلتها حديثة الولادة إلى الصالون، بينما تأتي بقية العاملات لرؤية الطفلة، وهن من إثيوبيا، والفلبين، بالإضافة إلى سودانية أخرى من جبال النوبة.

تعترف منيرة غانم بأن الشيء الوحيد الذي يؤرقها والذي يشعرها بأنها تائهة أنها تستأجر منزلاً من شخص آخر، حيث تقول: "ليس لدينا منزل هنا، وفي السودان كذلك. الأمر أشبه بأن تعيش في الهواء".


الحصول على موطئ قدم


تحاول شهد داوود (27 عاماً) الحصول على موطئ قدم في المشهد الفني في عمّان، والذي أسهم من قبلها في بنائه الكثير من العراقيين المنفيين مثلها، والذين زرعوا ثقافتهم الغنية المستمدة من بغداد.

كانت داوود في الثانية من عمرها حينما جاءت أسرتها إلى الأردن من العاصمة العراقية عشية حرب الخليج الأولى عام 1991. عادت الأسرة لفترة قصيرة إلى العراق عام 2003، قبل أن تعم الفوضى من جديد بسبب الغزو الأميركي.

امتدت أعمال العائلة – مصنع لمستحضرات التجميل - إلى الأردن. وعلى غرار العديد من أبناء بلدهم، جاءوا بثرواتهم إلى عمان وبنوا منازلهم في المدينة في أكثر المناطق رقياً، في شوارع تحمل حالياً أسماء مدن عراقية كالبصرة وبغداد، بينما أصبحت العودة لبلادهم خياراً غير مطروح. تقول داوود: "أنا لن أعود إلى العراق أبداً حتى إن تحسنت الأوضاع. أنا لا أعرف العراق".

لا تعرف حتى ولو القليل عن الموطن الأصلي لأجدادها، الموصل، والتي تعتبر معقل تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في الوقت الحالي، وتعتبر أن عمان هي موطنها. تتحدث باللهجة الأردنية، وهي سعيدة لكونها تعامل كأهل البلد، حيث تقول: "لقد منحنا الأردن الكثير من الأشياء. أشعر بالأمان هنا".

في مشهد آخر، يخرج علاء أبوقوطة (36 عاماً) من تحت سيارة من طراز تويوتا S.U.V. في الجراج الذي يعمل فيه هو وأخوه، تغطي الشحوم ذراعيه، بينما يبتسم ابتسامة عريضة، ويقول: "أحب اكتشاف أعطال السيارات، أن أعرف أين تكمن المشكلة وأن أقوم بإصلاحها".

يشتهر أبوقوطة وغيره من الفلسطينيين في عمان بالعمل في صيانة السيارات. هناك قرابة 10 محلات لصيانة السيارات في شارع واحد فقط شمال عمان. عندما زرنا محل أبوقوطة مساء الخميس، كان بإمكاننا سماع الكثير من الأحاديث ورؤية الكثير من العمل.

يعمل أبوقوطة بصحبة إخوته: عماد (34 عاماً)، الذي انضم له بعد فترة قصيرة من العمل في صيانة الكمبيوتر، وعلي (30 عاماً) الذي حصل على دبلومة في صيانة السيارات. جاء والدهم (محمد) إلى عمان بينما كان طفلاً في عام 1967، بينما وُلِد أبناؤه في الأردن وحصلوا على الجنسية الأردنية.

وبسؤالهم عما إذا كانوا يعتبرون أنفسهم أردنيين أم فلسطينيين، وضع علاء يده على صدره مبتسماً وقال: "الأردن في قلبي، وفلسطين كذلك، لا تطلب منا الاختيار"، بينما قال عماد إن الفلسطينيين ليسوا كالسوريين والأردنيين، فالسوريون يفتقدون وطنه، بينما هو ليس لديه وطن ليفتقده.

وجّه عماد اللوم إلى السوريين أيضاً في رفع معدلات البطالة في البلاد، إلا أنه مازال يعترف بضعفه أمام الحلوى السورية، حيث يذهب لأحد تلك المحلات 3 مرات أسبوعياً، في حين ابتسم علاء وقال إنه يذهب يومياً.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.