مجهولون يتبرعون للنازحين في بغداد بمواد غذائية وعينية خلال رمضان.. فمن هم؟

تم النشر: تم التحديث:
ALRAQ
العراق | huffpostarabi

بدت علامات الفرح واضحة على محيا السيدة نوال، وهي امرأة أربعينية العمر، تسكين مخيم "حي الجامعة"، غربي بغداد، بعد أن تلقت مساعدات غذائية من أشخاص مجهولين، تساعدها لإعداد الطعام خلال شهر رمضان لها ولعائلتها المكونة من 4 أفراد، 3 بنات وولد واحد.

نوال ضمن عشرات العائلات النازحة في المخيم من محافظة الأنبار غربي العراق، التي تجري بها معارك لتحريرها من تنظيم داعش الذي يسيطر عليها لأكثر من عام، تتنظر العودة إلى مدينتها بفارغ الصبر، خاصة بعد أن حرر الجيش العراقي بمساعدة الحشد العشائري مدية هيت التي تسكنها، غير أن الإجراءات الروتينية الخاصة بإعادة النازحين الى ديارهم أخّرت عودة آلاف من النازحين.


مجهولون


قالت نوال لـ"هافينغتون بوست عربي"، إنها تتلقى مساعدات غذائية وعينية من أشخاص مجهولين، تصل الى العوائل من خلال إدارة المخيم، عبارة عن زيت وأرز وسكر وعدس ولحم، وأواني طبخ وصحون، وأفرشة ومراوح كهربائية، توزع من قبل إدارة المخيم بعدالة بين العوائل".

وأضافت أن شخصاً "فاعل خير"، أقام مأدبة إفطار لجميع سكان المخيم الأسبوع الماضي، دون أن نعرف من هو، ولا تفصح إدارة المخيم عن أسماء المتبرعين، مكتفين بالقول إنهم "فاعلو خير"، أو"طالبو أجر وثواب"، فضلاً عن ذلك فإن إدارة المخيم تقدم بشكل شبه يومي وجبتي الفطور والسحور إلى النازحين".

والمخيم عبارة عن بيوت صغيرة مصنوعة من الحديد والألومنيوم "كرفانات"، وسرادق يسكنها قرابة 620 شخصاً من النازحين بواقع 100 عائلة، غالبيتهم من أهالي محافظة الأنبار، بحسب إدارة المخيم.


تكافل اجتماعي لتجاوز المحنة


وخلال شهر رمضان ازدادت المبادرات وعمليات الدعم والتبرع للنازحين في بغداد، والتعاون الاجتماعي للتخفيف من معاناتهم، وللتعبير عن تضامن العراقيين فيما بينهم لمواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة، ولتجاوز المحنة.

ودفعت أوضاع العراق الاقتصادية المتردية وسياسة التقشف التي تتبعها الحكومة، وقلة مساهمة الجمعيات الخيرية والإنسانية في التبرع بالمساعدات بسبب ضخامة حجم مشكلة النازحين، العراقيين إلى التعاون والتكافل فيما بينهم للتخفيف من معاناة النازحين والفقراء.

alraq

ويؤكد أبومحمد، وهو من العاملين في إدارة المخيم، أن "أوضاع النازحين المادية سيئة للغاية، خاصة وهم أصلاً من العائلات الفقيرة، حيث إن الميسوريين مادياً من الهاربين من المعارك الدائرة في الأنبار، وسيطرة تنظيم داعش على مناطقهم، استأجروا منازل في بغداد أو في المحافظات الأخرى خاصة في إقليم كردستان؛ نظراً للبيئة الآمنة هناك، غير أن ساكني المخيم من ذوي الدخل المحدود قد تركوا أعمالهم ووظائفهم على أمل العودة إلى ديارهم بعد استباب الأمن".

وأوضح لـ"هافينغتون بوست عربي" أن "التبرعات في غالبيتها تأتي من أشخاص لا نعرفهم، يأتون بسيارات محمّلة بمواد غذائية ولحوم وخضر وحليب أطفال، وأفرشة وأوانٍ وأجهزة كهربائية وملابس، وبدورنا نقوم بتوزيعها على العوائل بعدالة بموجب سجلات معدة لهذا الغرض، فضلاً عن ذلك تقوم منظمات حكومية وأخرى إنسانية بتقديم المساعدات الغذائية والصحية للنازحين، حيث توجد عيادة متنقلة بكادر طبي لمعالجة المرضى، وكذلك لتلقيح الأطفال مطعمات ضد شلل الأطفال والكوليرا وغيرهما".


غياب الدعم الحكومي


ويرى الإعلامي العراقي مصطفى الحديثي أن "الدعم الحكومي للنازحين يكاد لا يذكر، خاصة أن عدد النازحين في عموم العراق تجاوز 3 ملايين نازح، بحسب تقارير أممية ورسمية، رغم الأرقام الكبيرة التي أعلنت عنها الحكومة كبرامج لإغاثة النازحين وإثر عمليات الفساد الكبرى التي تخللت برنامجها السابق الذي أطلقته مطلع عام 2015، وأدى إلى توقفه بشكل كلي".

وقال الحديثي لـ"هافينغتون بوست عربي" إن "هناك دوراً مهماً للأهالي بإغاثة ومساعدة النازحين خلال شهر رمضان المبارك، وهناك حملة قام بها عدد من الناشطين تتمثل في إعفاء النازحين من بدلات إيجار المنازل خلال شهر رمضان، ولاقت هذه الحملة تعاطفاً كبيراً من أهالي العاصمة بغداد وإربيل مع النازحين، وتم فعلياً إعفاء العشرات من النازحين من بدلات الإيجار خلال شهر رمضان، وهذا مؤشر يؤكد أن التكافل الاجتماعي في العراق بلغ ذروته خلال شهر رمضان".

alraq

وأضاف الحديثي أنه لا يتوقع عودة قريبة للنازحين إلى ديارهم، وذلك لأن المعطيات على أرض الواقع تؤكد ذلك، حيث تعتمد عودة النازحين بشكل أساسي على توفير السكن والخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء والبنى التحتية، عندما يتم إعلان 85% من مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار مدمرة بالكامل في ظل إفلاس الميزانية العراقية بسبب الحرب التي يخوضها العراق ضد تنظيم داعش، فمن الطبيعي جداً أن تكون نسبة عودة النازحين إلى مدنهم المحررة ضعيفة جداً أو شبه منعدمة".


للمساجد دور في دعم النازحين


وتقوم العديد من الهيئات الدينية كالمجمع العلمي لكبار علماء الفتوى، والمساجد في العاصمة العراقية بحملة واسعة لتشجيع الناس على تقديم زكاة الفطر وزكاة المال إلى المساجد، خاصة خلال شهر رمضان لجمعها وتوزيعها على مخيمات النازحين كونهم في أمسّ الحاجة إلى كل شيء خاصة الاحتياجات الغذائية والصحية وتجهيزات الخيم مثل مبردات الهواء والملابس والفراش.

وتقوم بعض المساجد بتقديم حصص من المواد الغذائية والملابس شهرياً إلى النازحين من مختلف المناطق الذين لم يجدوا مكاناً في مخيمات النازحين، كما تقوم العديد من المساجد والحسينيات بتقديم وجبات الإفطار يومياً خلال شهر رمضان للفقراء والمحتاجين.


15 ألف نازح من الفلوجة وحدها


وطبقاً للمفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، فإن أكثر من 15 ألف شخص فرّوا من مدينة الفلوجة يعيش معظمهم في مخيمات للاجئين في أوضاع إنسانية صعبة.

وقال عضو المفوضية فاضل الغراوي إن "أكثر من 15 ألف شخص نزحوا من الفلوجة بسبب المعارك الدائرة هناك"، مبيناً أن "أكثر من 40 ألف مدني في مركز المدينة تعذر عليهم مغادرتها، وأن داعش يتخذ منهم دروعاً بشرية في مواجهة الجيش العراقي".

alraq

ووصف العزاوي الوضع الإنساني للنازحين بالصعب، حيث تفتقر معسكرات الإيواء الى المتطلبات الأساسية للإقامة، فضلاً عن النقص الحاد في إمدادات الغذاء والدواء وحليب الأطفال والمياه المعقمة، مشيراً إلى أن معظم النازحين يعانون من وضع نفسي مزرٍ نتيجة الإجراءات الوحشية التي ارتكبها داعش بحقهم قبل فرارهم من المدينة".


الهلال الأحمر يوفر الدواء ومياه الشرب


تؤكد جمعية الهلال الأحمر العراقية أنها تقدم للنازحين العلاج والغذاء ومياه الشرب، بعد التزايد الملحوظ في إعداد النازحين، حيث عاش النازحون أياماً عصيبة في مناطق الأنبار قبل تمكنهم من الفرار إلى المناطق الآمنة نسبياً، "بحسب ما نشرته الجمعية على موقعها الإلكتروني".

وقال رئيس الجمعية، الدكتور ياسين أحمد عباس، إن "الجمعية تسعى لتلبية احتياجات النازحين كونها في الخطوط الأمامية في الفلوجة وغيرها من المناطق العراقية التي تشهد تحديات جمة"، مشيراً إلى أن الوضع الإنساني في العراق يزداد صعوبة وعلى الرّغم من ذلك فإن فرق الهلال الأحمر مستمرّة في تلبية احتياجات النّازحين عبر حشد الإمكانيّات الماديّة والبشريّة.