هل كان منفّذ عملية مقهى "أورلاندو" بفلوريدا تابعاً لـ"الدولة الإسلامية"؟

تم النشر: تم التحديث:
S
social media

السيناريو الذي يتبلور أمامنا حالياً، وهو ليس سوى مجرد سيناريو حتى الآن، هو أن عمر متين المشتبه به في قتل أكثر من 50 شخصاً في مقهى للمثليين في مدينة أورلاندو بولاية فلوريدا الأميركية لم يكن ينفذ تعليمات من تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، بل فعل فعلته استلهاماً لا أكثر.

فحسب ما جاء على ألسنة عدة مسؤولين أميركيين أن متين قبل (أو أثناء) تنفيذه الهجوم اتصل بخدمة الطوارئ والنجدة كي يدلي بتصريح يبايع فيه تنظيم داعش ويعلن عن ولائه بانتمائه له، في حركة ذكرت الجميع باعتداء سان بيرناردينو بكاليفورنيا العام الماضي عندما بايع المهاجمان التنظيم الإرهابي المتطرف على الشبكات الاجتماعية قبل أن يفتحا النار في مركز للخدمات الصحية، مودين بحياة 14 شخصاً، وفق تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، الإثنين 13 يونيو/حزيران 2016.


الاعتداء متسق مع استراتيجية داعش


بعد اعتداء سان بيرناردينو، قبلت داعش بتلك البيعة رغم أنها جاءت من قِبَل شخصين لم يسبق أن ربطهما بالتنظيم أي اتصال، وبالتالي أعلن التنظيم مسؤوليته عن الاعتداء وكَسَبَ إعجاب مؤيدي التشدد الإسلامي حيال الهجوم..

فقد جاء ذلك الاعتداء متسقاً مع استراتيجية داعش التي تأمر مؤيديها حول العالم بممارسة العنف من حولهم والهجوم قدر المستطاع في أي مكان يجدون أنفسهم فيه إن استحال عليهم واجبهم الشرعي المتمثل في الهجرة إلى ديار الخلافة.

كذلك نوه التنظيم بأن ذاك الهجوم لم يكن بأوامر صادرة عن قادته في الشرق الأوسط مثلما كان حال اعتداءات باريس في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي؛ وهذا التوضيح يشير إلى حقيقة مفادها أن تنظيم داعش يستفيد من تأكيد ارتجال أتباعه حول العالم لعملياتهم وتنفيذها استلهاماً من مبادئه لا انصياعاً لأوامره وتعليماته، ما يُظهِر عقيدته واستراتيجيته بمظهر قوي ملهم تنتشر أصداؤه بين مريديه والمتعاطفين معه حول العالم، وبالتالي يزداد خوف الأميركيين منه أكثر.


بيان داعش مشكوكٌ فيه


أمس الأحد زعمت وكالة أنباء على صلة بالتنظيم (أعماق) مسؤولية التنظيم عن الهجوم في بيانٍ قصير جاء فيه أن الهجوم نفذه "مقاتل من تنظيم داعش"؛ وهو إعلان يمكن تصديقه، بيد أن قِصر البيان واقتصاره على بضع كلمات مختصرة من دون ذكر تفاصيل هو إشارةٌ إلى أن الجماعة لم تكن على علم مسبق بالعملية، ما يعني أن منفذها هو قاتلٌ حرٌ يعمل منفرِداً.

إعلان داعش مسؤوليتها عن هذا الاعتداء يختلف تماماً عن إعلانها لمسؤوليتها عن اعتداءات باريس الذي جاء مدعماً بتفاصيلَ لا يمكن معرفتُها إلا من مصادر مطلعة خططت للهجوم بأيديها.

ثم إن دليلاً آخر على كون اعتداء أورلاندو مجرد استلهام لا أوامر أو تعليمات من قيادة داعش هو الهدف نفسه. فرغم الكراهية الشديدة التي تجمع الجماعة الإرهابية المسلحة بالمثليين ورغم ممارستها العنف ضدهم، إلا أن سجل هجمات التنظيم لم يسبق عموماً أن استهدف المثليين بهجوم دامٍ واسعٍ كهذا.

ما شهدناه وعهدناه من داعش كان هجمات على قطارات وحافلات نقل وطائرات، في السفارات والمدارس ومركز التسوق والملاهي الليلية والمطارات والحانات وصالات الحفلات الموسيقية وملاعب الرياضة، وغيرها كثير، لكن هذه أول مرة نشهد فيها اعتداء على مكان كنادي "بلس" الذي كان مسرح اعتداء الأحد 12 يونيو/حزيران 2016. إن هذا لا يستبعد ضلوع داعش في الهجوم، لكنه يقلل من احتمال ضلوعها فيه.

لكن المجموعات الإرهابية تتطور وتتغير، ولتنظيم الدولة سجل حافل بالاعتداءات على المثليين والشواذ أسوأ من غيرها من المجموعات الإرهابية بكثير. كما أن التنظيم واصل مضاعفة وحشيته ورفع سقف وحدود همجيته في كل مرة بغية التفنن وصعق المشاهدين لاسترعاء انتباههم؛ فأحد وسائل لفت الانتباه الذي تتعطش المجموعات الإرهابية لنيله هو في استهداف أهداف جديدة لم يسبق أن طالتها يد الإرهاب من قبل.

إن أحد الدلائل التي قد تدلنا على خبرة عمر متين وانتمائه لداعش من عدمه يكمن في كلماته التي استخدمها لإعلان ولائه لداعش وبيعته لها؛ فالمنضمون للتنظيمات الإرهابية كالقاعدة وداعش عادة ما يبايعون قائداً بالاسم، لا التنظيم الإرهابي، وفق الأعراف العربية والإسلامية وغيرها، حسب قول الغارديان. الثابت لدينا حتى الآن أن متين أعلن ولاءه لتنظيم داعش، ما يشير إلى درجة من الجهل لديه بأعراف التنظيم، وربما في ذلك إشارة أكبر إلى كونه غراً نسبياً حديث عهد بالتطرف.

كذلك قالت الغارديان أن درساً أخيراً مستخلصاً من جملة الاعتداءات السابقة التي نفذها قتلة أحرار منفردون هو أنهم نادراً ما يعملون فرادى مثلما يشي مظهرهم. ففي أوروبا وجدت السلطات لاحقاً أن كثيراً ممن كانت نعتتهم "قتلة أحراراً فرديين" هم على صلة بالقاعدة أو داعش أو غيرهما من مجموعات رئيسية أو فرعية حتى لو كان الرابط خيطاً رفيعاً.


قاتل منفلت


وبالمقارنة فإن تلك الصلات في الولايات المتحدة تبدو نادرة أكثر بسبب قلة عدد الأميركيين الذين سافروا إلى مناطق الصراع والحروب المشتعلة في العالم الإسلامي. ولعل الإشارة الأهم هي ما نُسِب إلى عمر متين أثناء اتصاله بخدمة 911 لطوارئ النجدة قبل تنفيذ هجومه، حين أتى على ذكر الأخوين تسارناييف منفذي هجوم ماراثون بوسطن عام 2013 اللذين لم تربطهما علاقة بأي تنظيم إرهابي.

لقد أظهرت الأبحاث أن نسبة لا يستهان بها من القتلة الأحرار المنفردين هم جزءٌ من شبكات إرهابية صغيرة، رغم أن أعداد هؤلاء تبقى بعيدة عن المجمل الكلي. بعض هؤلاء يتلقى المساعدة من أصدقاء أو أٌقرباء، أو على الأقل يبوحون بمكنوناتهم لبعض المقربين؛ فمنفذا تفجيرات بوسطن كانا أخوين، وكذلك كان منفذا هجوم سان بيرناردينو زوجين.

لقد كان الخطر الرئيسي الذي تهدد أوروبا على مدار الأشهر الـ9 الماضية منشؤه شبكات شبابية من المعارف والأصدقاء الذين تحدروا من حي صغير في بروكسل. والحقيقة المرة التي على مكتب الاستخبارات الفيدرالية الأمريكية (الإف بي آي) أن يفهمها ويعيها جيداً هي أن القتلة الأحرار الذين فعلاً يعملون بصورة فردية ما هم سوى استثناء للقاعدة العامة وأقلية ضمن السرب العام.

-هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية،اضغط هنا.