الرصاص الطائش.. ضيفٌ ثقيل في أفراح اللبنانيين ومماتهم

تم النشر: تم التحديث:
WEDDING IN LEBANON
Bilal Hussein/AP

يتساقط اللبنانيون بشكلٍ متزايد مؤخراً، بين قتيل أو جريح برصاص عشوائي لا يُعرف من أطلقه بالاسم، لكن سببه معروف، إذ يرتبط في أغلب الأحيان بظهور زعماء الأحزاب والتيارات السياسية في مقابلات تلفزيونية أو خطابات جماهيرية، وصولاً إلى إطلاقه ابتهاجاً بالأفراح والنجاحات المدرسية، أو حتى حزناً خلال مواكب تشييع الجنائز.

هذا الرصاص الذي يسميه اللبنانيون "رصاصًا طائشًا"، ولم تسلم منه منطقة في البلاد، لاقى مؤخرًا تحركات من أطراف عدة لمواجهته؛ فالشرطة أطلقت هاشتاغًا (وسمًا) توعويًا على مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان: "#بتقبل_تقتل"، للتحذير من هذه الظاهرة ومحاولة الحد منها، بينما تقدمت أحزاب إلى البرلمان بمقترح قانون لتشديد عقوبات مطلقي هذا الرصاص.

النائب غسان مخيبر، مقرر "لجنة حقوق الإنسان" في مجلس النواب اللبناني وعضو لجنتي الإدارة والعدل البرلمانيتين، هو من تقدم بمقترح القانون الموقع من 10 نواب يمثلون غالبية الكتل والأحزاب في البرلمان.

وتم تقديم المقترح بصفة "معجّل مكرّر"، وهذه الصفة تعني طرحه كأولوية عاجلة عند انعقاد أول جلسة للبرلمان، ويهدف إلى تشديد عقوبات الحبس والغرامة المالية بحق مطلقي "الرصاص الطائش".

مخيبر، وصف في مقابلة مع الأناضول، ظاهرة إطلاق "الرصاص الطائش" بأنها "معيبة فعلاً"، وقال إنها "ترتقي إلى شيء من الجريمة المتمادية، وهي ليست فلكلورًا، وإن كانت تعود إلى عشرات وربما مئات السنوات؛ حيث اعتاد اللبنانيون لسبب أو لآخر أن يطلقوا الرصاص في الهواء؛ لأن السلاح الحربي منتشر انتشارًا واسعًا جدًا عند اللبنانيين منذ القدم، وزاد بعد الحروب المتكررة"، التي مر بها هذا البلد.

ولفت إلى أن تفشي الظاهرة يعود كذلك إلى "تركّز السلاح بيد مجموعات كبيرة سواء ميليشيات حالية أو ميليشيات سابقة (لم تسلم كل سلاحها بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 1990)؛ وبالتالي هناك انتشار واسع للسلاح الحربي الذي تحول في لبنان إلى وسيلة من وسائل التعبير عن الأحاسيس إما بالابتهاج أو الحزن".

ورأى أن ذلك "أمر مخيف"؛ لأن ظاهرة إطلاق "الرصاص الطائش" "منتشرة في كل المناطق في لبنان، وتراها في كل الحالات عند الدفن وعند العرس والنجاح المدرسي، وعند ظهور زعيم سياسي على التلفزيون"، مبيناً أن إطلاق الرصاص في الهواء "صار وسيلة يلجأ إليها السياسيون ليُظهروا مدى شعبيتهم".


قانون الجاذبية


وسخر النائب من حال أبناء بلده مع هذه الظاهرة، مضيفاً: "إذا كان اللبنانيون قد نسوا أن قانون العقوبات يُجرّم هذه الأفعال (إطلاق الرصاص الطائش)؛ فالمؤسف أنهم ينسون قانون الجاذبية؛ فهذه الرصاصة التي يتم إطلاقها في الهواء ستعود وتسقط على الأرض لتصيب أحدهم". وتابع: "أعرف عشرات الناس الذين نجوا من الموت من رصاص طائش سقط إلى جانبهم"، لافتاً إلى وجود "عشرات لا بل مئات الضحايا، لكن لا توجد أرقام رسمية".

يشار إلى أنه لا تتوفر إحصاءات رسمية لدى القوى الأمنية لعدد الضحايا نتيجة هذا الرصاص ذلك أن غالبية القضايا المتعلقة بضحاياه، سواء كانت حالات قتل أو إصابات، يتم تسجيلها ضد مجهول؛ بسبب صعوبة إثبات مسؤولية المشتبه في إطلاقه الرصاص عن إصابة أو قتل أحدهم.

وكان الرقيب أوّل في فوج إطفاء بيروت، وسام بليق، أحدث ضحايا "الرصاص الطائش"؛ حيث أنهت واحده منها حياته، أواخر شهر مايو/أيار الماضي، أثناء قيادته سيارته بالعاصمة اللبنانية.


مقترح قانون أمام البرلمان


لكن مخيبر شدد في الوقت نفسه، على أنه "يكفي أن تكون هناك ضحية واحدة حتى نضطر إلى التحرك" ضد هذه الظاهرة، معتبراً أن "واحدة من فضائل مقترح القانون (الذي تقدم به إلى البرلمان) أنه أظهر مدى تأييد القوى السياسية المختلفة لمنع هذه الظاهرة".

وأشار إلى أن "مقترح القانون وقّع عليه 10 نواب يمثلون غالبية الكتل النيابية والأحزاب والطوائف المنتشرة في لبنان"، مشيداً بالاهتمام الإعلامي المصاحب للمقترح، وتصريحات السياسيين المنددة بظاهرة "الرصاص الطائش"، والتي ساهمت في "بداية وعي لمخاطر هذه الظاهرة وضرورة رفضها".


تشديد العقوبات


وحول مبررات تقديم مقترح القانون، قال "مخيبر": "وجدنا أن هناك حاجة للتشدد في تطبيق العقوبات (على مطلقي الرصاص الطائش)؛ فالعقوبة المنصوص عليها في قانون العقوبات الحالي تترك الحرية للقاضي بين إما أن يغرّم مطلق النار مالياً او يحيله إلى السجن".

واستطرد في حديثه: "إذا جرى توقيف أحدهم (بتهمة إطلاق الرصاص الطائش)، وهذا قلما يحصل، فإنه يُعاد إطلاق سراحه بعد دفع غرامات مالية بسيطة، وبالتالي لا يؤدي القانون الحالي دوره كوسيلة للردع والعقاب الجدي للجاني".

وأوضح أن ما يسعى إليه مقترح القانون هو "التشدد في العقوبات عبر رفع مستويات السجن وقيمة الغرامات، وجعل العقوبتين متلازمتين، وبالتالي لن يكون أمام القاضي خيار الحبس أو الغرامة".

وبيّن أن مقترح القانون ينص على أنه "إذا أدى إطلاق النار العشوائي إلى ضرر مؤقت أو دائم او إلى موت عندها قد تصل العقوبة إلى 15 عاماً من السجن مع الأشغال الشاقة"، بينما "الحد الأدنى لعقوبة السجن بموجب مقترح القانون هو 6 أشهر إذا لم يؤد إطلاق النار إلى ضرر".

كما تتراوح الغرامة المنصوص عليها في القانون بين 8 أضعاف و25 ضعفاً للحد الأدنى الرسمي للأجور.

وأعرب مخيبرعن أمله بأنه "حين يتم إقرار مقترح القانون هذا أن يرسل ذلك رسالة قوية جداً للمجتمع اللبناني فحواها بأن هذه الممارسة غير مقبولة، وسيكون هناك تشدد في ملاحقتها ومعاقبتها".


خطاب سياسي


بيان بيبي، (31 عاماً)، واحدة من ضحايا "الرصاص الطائش"، وهي فلسطينية تعيش في لبنان وتعمل في مجال التصميم الدعائي، وتعرضت لإصابة بإحدى هذه الرصاصات في العام 2013، أثناء سيرها في شارع "الحمرا" في بيروت، وكاد الأمر أن يودي بحياتها.

قالت للأناضول إن من أطلق الرصاصة التي أصابتها لا يزال مجهولاً، لكنها علمت أن المكان الذي تعرضت فيه للإصابة برصاصة اخترقت ظهرها ورئتها كان فيه خطاب سياسي لأحد الزعماء (لم تذكر اسمه)، وأن مجموعة من مناصريه قاموا بإطلاق الرصاص العشوائي في الهواء، كما هي العادة في لبنان حين يظهر أي زعيم سياسي في خطاب.

ولا تملك بيان حقدًا شخصيًا على من أصابها أو من يطلق النار العشوائي، وترى أنه يفعل ذلك نتيجة طاقة سلبية مختزنة فيه بسبب البيئة التي نشأ فيها.

وتحدثت الشابة الفلسطينية عن عقدة ترافقها منذ إصابتها، مضيفة ""لا يمكن أن تصدق ماذا يحصل لي (عند بث خطاب لزعيم سياسي). لقد خلقت لي الحادثة عقدة".

وأردفت: "مثلاً أعمل في منطقة محاذية لمنطقة تنتمي بغالبيتها لحزب سياسي معين، وفي كل مرة يكون هناك خطاب (لزعيم هذا الحزب)، وعندما يبدأ إطلاق النار أسارع للاختباء في الممر بين الغرف لنصف ساعة تحسبًا من الرصاص الطائش".

واختتمت حديثها قائلة: "في أي مكان أكون فيه وأسمع رصاصًا أختبئ حتى لا يصيبني ما حصل لي سابقاً"