الأوروبيون ليس لديهم مشاعر: السوريون يدفعون للمهربين لمغادرة اليونان والعودة لبلادهم.. هل حلب أفضل من أثينا؟

تم النشر: تم التحديث:
SWRYA
SOCIAL MEDIA

بدت أوروبا مثل الأرض الموعودة التي تستحق المخاطرة بحياتهم للوصول إليها، لكن هذه الأماني تحطمت على صخرة الواقع الموحل لحدود اليونان الشمالية. والآن يخاطر اللاجئون السوريون بحياتهم مرة أخرى لكن في الاتجاه المعاكس، فيدفعون المال للمهربين لإيصالهم لتركيا مجدداً ومنها إلى سوريا مرة أخرى.

وبدلاً من الإقدام على خوض أمواج بحر إيجه الغادرة مرة أخرى، عليهم مواجهة التيارات الخطرة لنهر إفروس الممتد على طول الحدود اليونانية التركية. وفي كل ليلة، تتلاقى مجموعات المهاجرين واللاجئين في محطة قطار "ذيذيموتيخو"، البلدة الحدودية الصغيرة الواقعة على بعد 3 كيلومترات من الحدود، مجهزين خيماتهم الصغيرة بانتظار فرصة لعبور الحدود.


طفلة عمرها عام واحد


يتجه عطية الجاسم، الحلاق السوري الدمشقي البالغ من العمر 27 عاماً، شرقاً مع زوجته وطفلته البالغة من العمر عاماً واحداً بعدما قضوا شهوراً عالقين على الحدود اليونانية المقدونية، بينما تنحسر آمالهم في الوصول لأوروبا.

وتحدث عطية قائلاً "أنا ذاهب إلى تركيا، لا أريد أوروبا بعد الآن، لقد انتهى الأمر" أثناء جلوسه في إحدى المتنزهات الصغيرة المجاورة لمحطة قطار سالونيك، المدينة الرئيسية في شمال اليونان، وهي المدينة التي قضى فيها مع زوجته ياسمين رمضان (20 عاماً) وطفلتهما لوجين، التي يدللانها بلولو، ما يتمنى أن تكون ليلتهما الأخيرة في هذه البلاد.

كما أضاف "نحن متعبون للغاية، ومحطمون ولدي طفلة. أدعو الله أن يعينني على العودة لتركيا"، واستطرد قائلاً "سنكون أفضل حالاً في سوريا عن هنا، حتى تحت القنابل".


57 ألف عالق


وصلت العائلة لليونان في الرابع والعشرين من فبراير/شباط 2016، بعدما عبرت بحر إيجه متجهة شمالاً، لكن الرحلة لألمانيا انتهت على الحدود اليونانية المقدونية.

وبينما ينص الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا على إعادة المهاجرين الذين وصلوا للجزر اليونانية بعد 20 مارس/آذار 2016 إلى تركيا مرة أخرى، فهو لا يؤثر على وضع هؤلاء العالقين في الأراضي اليونانية قبل هذا التاريخ.

كما شددت دول البلقان والدول الأوروبية من إجراءات الدخول إليها في بداية عام 2016، قبل أن تُغلَق الحدود البرية أمام اللاجئين في مارس/آذار 2016 بشكل كامل، وهو ما أدى إلى بقاء 57 ألف شخص عالقين في اليونان التي تعاني من أزمة مالية للعام السادس كما تعاني من نسبة بطالة تبلغ حوالي 24%، وبالتالي لا يريد الكثير من اللاجئين الاستقرار بها.

بقي الجاسم وعائلته لأشهر في مخيم إدوميني، المخيم المُرتجل مترامي الأطراف المُنشأ على الحدود اليونانية المقدونية.

وقامت السلطات بإخلاء المخيم شهر مايو/أيار 2016، لينتقل الجاسم وعائلته لإحدى المخيمات الرئيسية التي تحوي الآلاف غيره، لكن شهوراً من العيش القاسي استنزفت معنوياتهم وعزمهم، إلى أن دفعتهم للتخلي عن حلم الحياة في ألمانيا.


ليس لديهم مشاعر نحونا


"لم نتوقع هذه المعاملة التي تلقيناها في أوروبا" هكذا قال الجاسم قبل أن يستطرد قائلاً "اعتقدنا أنهم سيعاملوننا بآدمية، وأننا سنلقى اهتماماً بنا وبأطفالنا. اعتقدنا أنهم سيقدمون لنا المساعدة، لكننا وجدنا العكس. ليس لدى أوروبا أي مشاعر نحونا".

وبعدما قرروا العودة لتركيا، حيث يعيش أشقاء الجاسم، اكتشفوا أن العودة ليست بهذه السهولة التي توقعها الكثيرون. ليس بإمكان السوريين العودة بشكل قانوني لسوريا التي مزقتها الحرب.

أما المسار القانوني إلى تركيا فهو طويل وشديد البيروقراطية، لذا لجأ الكثير منهم للمهربين الذين يطلبون عدة مئات من اليوروات فقط، بدلاً من الآلاف للراغبين في الذهاب لأوروبا.

وأشار إلياس أكيديس، قائد الشرطة في ذيذيموتيخو "لاحظنا مؤخراً تدفق المهاجرين واللاجئين في الاتجاه المعاكس باتجاه حدودنا الشمالية، قادمين من إدوميني"، واستطرد قائلاً "مما يخبروننا به، فهم يحاولون العبور لتركيا لأن لديهم أقارب هناك، أو لأنهم راغبون في العودة لموطنهم".


يغرقون في النهر


كما قال نائب عمدة بلدة "ذيذيموتيخو" اليونانية، يوانيس توباليديس، إن السلطات اعتادت أن ترى مجموعات تتكون من 20-40 شخصاً يتجهون نحو الحدود التركية كل يوم. ومع وجود السور الذي يغلق الطريق أمام ذلك الجزء الحدودي الصغير من اليابسة، صار الخيار الوحيد أمام هؤلاء الذين ليس لديهم الوثائق السليمة، أن يجربوا حظهم من خلال عبور النهر. وقد حصد نهر "إفروس" خلال الأعوام الماضية، عديداً من أرواح المهاجرين الذين حاولوا عبوره.

وتستوقف السلطات الأشخاص الذين يقعون في أيديها، فتقول الشرطة إنها احتجزت 150 مهاجراً يحاولون دخول تركيا بصورة غير شرعية خلال شهري إبريل/نيسان ومايو/أيار 2016.

وفي منتصف شهر مايو/أيار 2016، ألقت قوات الشرطة القبض على خمسة سوريين تترواح أعمارهم بين 23 عاماً و52 عاماً، خلال محاولتهم عبور النهر بزورق صغير.

وقال إكيديس "إن النهر (إفروس) يكون شديد الخطورة خلال هذا الفصل؛ فالأمطار تتسبب في ارتفاع منسوبه للغاية. هم دائماً يحاولون العودة، والأمر خطير. إنهم لا ينجحون لأننا نمنعهم أيضاً من العبور. ولكنهم لأسباب خاصة بهم، يحاولون مراراً وتكراراً".

وكان مجد حامد، طالب الفنون الجميلة البالغ من العمر 21 عاماً والذي جاء من دمشق، أحد هؤلاء الذين فقدوا الأمل في تمكنهم من الحياة بأوروبا. فبعد ثلاثة أشهر قضاها في "أيدوميني"، قرر العودة إلى وطنه منتصف مايو/أيار 2016.

وقال حامد "أريد أن أذهب إلى سوريا واستكمل دراستي في كلية الفنون الجميلة. حتى إن فتحوا (الأوربيون) الحدود، سأعود إلى وطني. أنا أشعر بالغضب الشديد منهم بسبب هذا الوضع الذي نعيشه هنا"، حيث كان يجلس خارج عربات القطار التي اعتاد النوم بداخلها في إدوميني قبل أن يتم إخلاء المعسكر.

وأضاف حامد: أنه سعى للحصول على مساعدة هيئات الأمم المتحدة لكي يعود إلى وطنه، لكنهم أخبروه أن هذا الأمر مستحيل، حيث أوضح قائلاً "أخبروني أن العودة إلى سوريا لن تكون آمنة"، لذا فقد سعى إلى البحث عن بديل.

حمل الشاب خريطة وضع بها علامة لتميز بلدة ذيذيموتيخو، حيث كان ينوي التوجه نحو مدينة سالونيك ليستقل القطار المتجه نحو الحدود.

ويصف حامد خطته قائلاً "من هذا المكان، سوف أعبر النهر مثلما أخبرني الآخرون الذين قدموا من سوريا"، حيث كان يخطط أن يسافر في رحلة جوية من تركيا متجهاً إلى لبنان، ليعاود أدراجه في النهاية إلى دمشق.

وأوضح حامد موقفه قائلاً "لم أحاول قط أن أعبر حدود مقدونيا بصورة غير شرعية. بل أردت أن أذهب إلى ألمانيا بصورة شرعية، لكني الآن مضطر للعودة إلى بلدي بهذه الطريقة".


حلب أفضل


وتمكّن قليل من المحظوظين أن يسلكوا مسلكاً شرعياً. من بينهم عالية محمد، التي تبلغ من العمر 21 عاماً وجاءت من حلب، حيث توجهت بصحبة زوجها وابنها "عدي"، الذي يقترب عمره من شهرين، إلى سالونيك لكي تلحق برحلة جوية متجهة إلى تركيا، بعد أن أرسلت لها أختها، التي كانت ستتزوج في تركيا، تذكرتين لدعوتها هي وأسرتها الصغيرة للقدوم إلى تركيا بصورة شرعية.

وكانت الأسرة الصغيرة قضت ثلاثة أشهر في إدوميني، حيث تصف عالية الأمر قائلة "ليس من الممكن أن نكمل الأمر هكذا، كما أرى أنه من المستحيل أن ندخل أوروبا". والآن هم ينوون أن يعودوا إلى سوريا بعد انتهاء مراسم الزواج.

يقول الزوج محمود موسى علي (23 عاماً) "ليس لدينا أي مال، كما أن الموقف هنا سيئ للطفل. لذا فقد قررنا العودة إلى بلدنا"، حيث ينوي علي أن يستقر مع عائلته في مكان يبعد 70 كيلومتراً عن مدينته حلب، ويوضح قائلاً "الوضع أكثر أماناً هناك".

- هذا الموضوع مترجم عن وكالة Associated Press. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.