"أراض ذات طبيعة عسكرية".. اقتصاد الجيش المصري يزداد تضخماً

تم النشر: تم التحديث:
EGYPT ARMY SISI
الجيش المصري | Anadolu Agency via Getty Images

نسخة الجريدة الرسمية الصادرة في 9 يونيو/ حزيران الجاري حملت القرار الجمهوري رقم 233 لسنة 2016، والذي خصص أراض بعمق 2 كيلو متراً على جانبي الطرق التي يتم إنشاؤها أو إصلاحها حاليًا، بمختلف أنحاء الجمهورية لوزارة الدفاع، وتعتبر مناطق ذات طبيعة عسكرية.

بينما جاء بالمادة الثانية من القرار "أن يتولى رئيس مجلس الوزراء بالتنسيق مع الجهات المعنية بالدولة الانتهاء خلال سنة من المخططات الاستراتيجية اللازمة لتنمية تلك المساحات"، وهي حرم لـ 21 طريقاً على مستوى الجمهورية.


ما الذي يعنيه القرار؟


لا أحد يفهم مغزى القرار، ولا كيفية تنفيذه، ولا حيثيات اتخاذه، وهو ما دفع النائب بمجلس النواب محمد أنور السادات، رئيس حزب الإصلاح والتنمية، لمطالبة الحكومة بتقديم إيضاحات وتفسيرات حول القرار الجمهوري.

النائب قال في بيان صحافي، "استغرب من اعتبار هذه المساحات الواسعة أراض ذات طبيعة عسكرية في الوقت الذي تقام فيه هذه الطرق من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية، وإنشاء مشروعات وصناعات وخدمات حولها والخروج من الوادي الضيق وخلق الملايين من فرص العمل".

وتساءل النائب "من أين ستكون هذه الأراضي ذات طابع عسكري وفي نفس الوقت تتم تنميتها واستغلالها اقتصاديًا؟"، وقال السادات إن شبكة الطرق القومية الجديدة تمول من الموازنة العامة، و"من ثم فالأولى أن تؤول عائدات استغلال هذه الطرق إلى الخزانة العامة، لتقليل العجز في الموازنة والسيطرة على نمو الدين العام."

حاولنا الاتصال بالنائب، لمعرفة هل وصل إليه أي توضيح بخصوص القرار، إلا أن النائب كرر ما قاله في بيانه دون الرد على السؤال الأساسي، ما يعني أنه لم يحصل على أي توضيح بالفعل.

بينما حاول هشام إبراهيم، أستاذ التمويل والاستثمار بجامعة القاهرة، توضيح الأمر، فقال في اتصال هاتفي مع "هافينغتون بوست عربي" إن القرار يعني أن أي شركة ستسعى لإقامة مشروعات خدمية على جانبي الطرق التي انتهت من تطويرها أو إقامتها القوات المسلحة، سيتم من خلال التنسيق بين مجلس الوزراء والقوات المسلحة.

وأشار إلى أنه في العادة يكون للجهة التي تنشأ أو تطور الطرق الحق في استغلال حرم الطريق لأنه المصدر الأول لها لاستعادة ما أنفقته على الطريق، مضيفاً بأنه من الواضح أن أغلب الطرق التي شملها القرار تم إنشاؤها على أراضي كانت تابعة في الأصل للقوات المسلحة، وبالتالي فمن حقها أن تستفيد من حرم تلك الطرق.


حجم اقتصاديات الجيش


تقول دراسة "جنرالات مصر ورأس المال العابر للحدود" والتي نشرت في مجلة “ميدل إيست ريبورت” في 2012، إن هناك تقديرات غير رسمية لأنشطة الجيش تقول إنه يسيطر على ما بين 5% إلى 40%، من الاقتصاد المصري. وتنقل الدراسة عن صحيفة "نيويورك تايمز" تصريحات لوزير التجارة السابق، رشيد محمد رشيد، إلى أنها "أقل من 10%.

وخلصت الدراسة إلى أنه من الصعب تحديد مدى سيطرة الصناعات العسكرية على اقتصاد البلاد، لأنها تعتبر من أسرار الدولة وقد يسجن الصحفيون في حالة تقديم تقارير عنها وأيضاً هذه الصناعة واسعة ومتشعبة، "ولا يمكن الوثوق بشكل كامل في أي تقدير لها."

بينما قال المرشح لرئاسة الجمهورية عبدالفتاح السيسي، في ذلك الوقت، في مقابلة مع وكالة رويترز في مايو/ أيار 2014، أن ”هناك كلاماً عن أن الجيش يملك 40% من الاقتصاد، هذا ليس صحيحاً. النسبة لاتتجاوز 2%“.

غير أن المؤكد أن هذا الدور قد تعاظم بعد سيطرة القوات المسلحة على مقاليد الحكم بإزاحة محمد مرسي عن الحكم في 2013، ففي فبراير 2014 قال اللواء أركان حرب طاهر عبد الله طه، رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، أن الهيئة الهندسية نفذت خلال الفترة ما بين أغسطس 2012 وحتى فبراير 2014، 473 مشروعاً استراتيجيّاً وخدميّاً للمساهمة في دعم مقومات التنمية الشاملة للدولة في مختلف المجالات.

وفي دراسة للباحث أحمد مرسي نشرها مركز كارنيجي للشرق الأوسط، في 2014 جاء فيها إن تكليف الجيش بتنفيذ مشاريع البنية التحتية في مصر ليس بالأمر الجديد. غير أن تجدّد دوره في الشؤون الداخلية، خاصة منذ الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي، يثير تساؤلات عديدة و أساسية حول دور المؤسسة العسكرية في الإقتصاد المصري، وأیضا ثمّة تساؤلات حول عدة عقود كبرى جديدة مع دولة الإمارات العربية المتحدة. إذ تعزّز هذه الاتفاقيات، التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، الاتجاه المثير للجدل نحو تكليف الجيش المصري القيام بدور أكبر في الشؤون الاقتصادية المدنية في مصر.

ومؤخراً بات من الطبيعي أن يسمع اسم الهيئة الهندسية للقوات المسلحة في كل المشروعات الكبيرة التي تقوم بها الدولة، بداية من مشروع تنمية قناة السويس، ومروراً بالشبكة القومية للطرق، ومشروع المليون فدان، بالإضافة إلى مشروع تنمية سيناء، ومشروع المثلث الذهبي، وتطوير الموانئ البحرية، ووصولاً إلى المشروعات الخدمية التي تعمل بها القوات المسلحة منذ فترة لكنها نشطت فيها خلال الفترة الماضية، لدرجة أنها دخلت مجالات لم تعمل فيها من قبل، كمجال التجميل، الذي نشرت إحدى الصفحات على فيسبوك إعلاناً عن عرض لإزالة الشعر الزائل بالجسم، في إحدى الدور التابعة للقوات الجوية، لكن الصفحة نفسها أغلقت بعد الإعلان.


كيف استفادت القوات المسلحة؟


اللواء محمود نصر مساعد وزير الدفاع للشئون المالية وعضو المجلس العسكري قال في ندوة عقدها المجلس بعنوان "رؤية للإصلاح الاقتصادي"، في 2012 "سنقاتل على مشروعاتنا وهذه معركة لن نتركها. العرق الذي ظلينا ٣٠ سنة لن نتركه لأحد آخر يدمره، ولن نسمح للغير أياً كان بالاقتراب من مشروعات القوات المسلحة".

وفي ديسمبر 2015 صدر الرئيس عبد الفتاح السيسى القرار رقم 446 لسنة 2015، بتعديل بعض أحكام قرار رئيس الجمهورية رقم 531 لسنة 1981، بشأن قواعد التصرف فى الأراضى والعقارات التى تخليها القوات المسلحة وتخصيص عائدها لإنشاء مدن ومناطق عسكرية بديلة.

ونص التعديل على أن "يتولى الجهاز (جهاز مشروعات أراضى القوات المسلحة) تجهيز وإعداد مدن ومناطق عسكرية بديلة للمناطق التي يتم إخلاؤها والقيام بجميع الخدمات والأنشطة التي من شأنها تحقيق أهدافه وتنمية موارده، وله في سبيل ذلك تأسيس الشركات بكافة صورها سواء بمفرده أو بالمشاركة مع رأس المال الوطني أو الأجنبي". وتلك كانت خطوة هامة لدخول الجهاز في المشروعات الاستثمارية الربحية.

يقول هشام إبراهيم، أستاذ التمويل والاستثمار بجامعة القاهرة، إنه لو تحدثنا نظرياً نقول إن القوات المسلحة من المفترض أن تعود إلي مهام عملها الأساسية في حماية الحدود والدفاع عن البلاد وفقط، لكن عملياً نقول بأن غياب القوات المسلحة عن المشروعات التي تقوم بها حاليا هو أمر "كارثي"، لافتاً إلى أن القوات المسلحة تدخل حاليا في مشروعات كثيرة، وهذه المهام ليست من مهام القوات المسلحة، ولا يجوز أن تقوم بها لكن الوضع مختلف، فالجهات التي من المفترض أن تقوم بتلك المهام لم تقم بدورها بالفعل، مما اضطر القوات المسلحة للتدخل والقيام بتلك المهام.


وما تأثير ذلك على اقتصاد الدولة؟


يذهب عمرو عادلي، المحاضر بالجامعة الأمريكية بالقاهرة والحاصل على الدكتوراه في الاقتصاد السياسي من الجامعة الأوروبية بفلورنسا، إن دخول الجيش في تلك المشروعات هو دخول مؤقت.

ويضيف في مقال له، أن هناك الكثير من المبالغات فيما يتعلق بدور القوات المسلحة الاقتصادي في المرحلة الأخيرة، مشيراً إلى أنه على الرغم من أن دور الجيش الاقتصادي قد أصبح أكثر مركزية في الخطط الاقتصادية للدولة، خاصة تلك الهادفة لزيادة التشغيل ورفع معدلات النمو، إلا أن هذا التوسع لا يمثل تغييراً كيفياً أو كلياً في علاقة الجيش بالاقتصاد.

كما أن هذا الدور الواسع سيكون في غالب الحال مؤقتاً بالظرف الحالي، وأولويات الخروج من الركود.

بينما يقول هشام إبراهيم، أن تدخل القوات المسلحة في تلك المشروعات له تأثير إيجابي وآخر سلبي، على الاقتصاد المصري، فغيابها من وجهة نظره يؤدي إلى "مصيبة"، لأنها تقوم بمشروعات بنية تحتية هي الأساس لأي استثمار متوقع في البلاد، أما التأثير السلبي، فأي اقتصاد "محترم وحر" قائم على أساس المنافسة، ولا يوجد به شركات قطاع أعمال أو قطاع عام، وأن الجميع على أرضية واحدة، أما الآن فالقوات المسلحة ليست على أرضية واحدة مع باقي شركات القطاع الخاص وبالتالي لا يمكن أن تكون هناك منافسة بينهم. بالإضافة إلى أن الجيش لديه من الإمكانيات والتسهيلات التي تجعله يتفوق على باقي الشركات.