الغرب يحن إلى مجتمع القبيلة.. معدلات الاكتئاب أعلى 8 أضعاف من الدول الفقيرة

تم النشر: تم التحديث:
YY
AP

بينما يحتفل جون فورد بالفيلم الغربي الباحثون (The Searchers)، تقوم شخصية جون واين بقضاء سنوات بحثاً عن ابنة أخيه ديبي، التي اختُطفت وهي طفلة من قِبل قبائل هنود الكومانتش. لكن عندما يعثر عليها أخيراً، يجدها تُريد البقاء مع زوجها الهندي بدلاً من العودة إلى ديارها.

بالرغم من الصدمة التي سببها الفيلم، إلا أنه دقيق تاريخياً. الأشخاص البيض الذين اختطفهم الهنود الحمر - الاسم المُفضل للمؤلف سيباستيان جونكر عن سكان أميركا الأصليين - عادة ما اختاروا البقاء مع خاطفيهم، ويستشهد الكتاب بحالة امرأة أسيرة اختبأت ممن يبحثون عنها لإنقاذها.

بل والأكثر ادهاشاً أنه منذ الأيام الأولى للأوروبيين في أميركا، هرب المستوطنين من كلا الجنسين للانضمام للقبائل الهندية. لم تكن تلك الحالات مجرد أعداد قليلة من الناس، بل كانوا مئات ومئات. كانت هذه الممارسة منتشرة للغاية لدرجة أن زعماء المستوطنين في أوائل القرن السابع عشر جرّموا هذا الفعل مع وضع عقوبات قاسية عليه، ولكن على مدى القرون التالية كان الناس لا يزالون يهربون بأعداد ضخمة.

ونادراً ما حدث العكس في أي وقت مضى. فلم يرغب الهنود في الانضمام الى المجتمعات البيضاء.

يقول جونكر إن عامل الجذب للقيام بهذا العمل كان الإحساس بالمجتمع، وأهمية القبيلة، وهو الأمر الواضح في الرئيسات الأخرى، وفي المجتمعات البشرية البدائية. كانت المغريات الظاهرية للحياة الهندية الأميركية واضحة: العادات الجنسية كانت أكثر بساطة، والملابس أكثر راحة، والدين أقل قسوة.

ولكن في الغالب كانت بنية المجتمع الهندي هي التي جذبتهم. فقد كان مجتمعاً أقل هرمية، وكان أساساً مجتمعاً لا طبقياً قائماً على المساواة. ولأنهم كانوا رُحّلاً، لم تكد الممتلكات الشخصية تكون مُهمة، لأنه في النهاية سيقتصر الأمر على ما تستطيع أنت وخيولك حمله.

ما غيّر هذه الطريقة الطبيعية للحياة البشرية كان الزراعة في البداية، ثم أتت الصناعة. تراكم الممتلكات الشخصية أدى إلى قيام الناس بما يعتقدون أنه الأفضل لأنفسهم، وليس من أجل الصالح العام. ويشير جونكر إلى أننا لسنا سعداء مثلهم، فنحن لا نزال نحِّن لأسلوب حياة القبيلة.

على سبيل المثال، انظر إلى قصف لندن أثناء الحرب العالمية الثانية. فقد خشيت الحكومة قبل أن يبدأ القصف من أن تكون هناك أعمال شغب - وربما حتى ثورة - حين يتعارك الناس مع بعضهم بعضاً على المساحات في الملاجئ، أو من أجل الغذاء.

لكن في الواقع، ما حدث كان بالضبط العكس تماماً. فقد اختلط الناس من الفئات المختلفة بطريقة لم تحدث من قبل، وتضافروا معاً في مواجهة عدو مشترك.

وينسب المؤرخون الفضل إلى "روح الغارة" كسبب للفوز الساحق لحزب العمال في انتخابات عام 1945، الشعور القوي بالمجتمع الذي يؤدي إلى تأسيس نظام للتأمين الصحي، ودولة تُحقق الرخاء.

وضرب "جانجر"، الصحفي الأميركي والمُراسِل الحربي السابق، العديد من الأمثلة للتكلفة التي ندفعها نتيجة ما نعيشه من حياة عصرية حديثة. فإذا كنت تعيش في مدينة أو ضاحية مدينة، فمن الممكن أن تمضي يومك كله في مقابلة الغرباء الذين تقابلهم للمرة الأولى. وبينما ترتفع مُعدّلات الثراء والتَحَضُّر، ترتفع معها معدلات الانتحار والاكتئاب.

وطبقاً لما أعلنته منظمة الصحة العالمية، فإن الأشخاص الذين يعيشون في دول متقدمة، يعانون من معدل اكتئاب أعلى بثمانية أضعاف مما يعانيه أولئك الذين يعيشون في الدول الأكثر فقراً. ولكن، مع التَحَوُّل إلى الحياة القَبَليّة، يختلف كل ذلك تماماً إلى الأفضل.

إذا نظرنا إلى أولئك الذين تم إلقاء القبض عليهم في النزاع الدموي في البوسنة، فإنهم غالباً ما يقولون إنهم كانوا أكثر سعادة أثناء الحرب. والسبب وراء ذلك يرجع إلى شعورهم بالارتباط والتواصل مع بعضهم بعضاً، وأنهم أصبحوا جزءاً من كيان آخر أكبر منهم كأفراد.

قضى "جانجر" بعض الوقت في الخدمة مع القوات الأميركية في أفغانستان، وقال إنه لم يشعر بالوحدة هُناك قَط، فقد كان الجنود ينامون سوياً في مكان مبيتهم، حيث يصل عددهم إلى 12 فرداً، فلا تستطيع حينها أن تمد يديك دون مُلامسة أحدهم. وهُناك نشأت الأواصر بين الرجال من كُل الأعراق والألوان والطبقات والمذاهب دون فارق بينهم، إذ كان عليهم الاهتمام ببعضهم بعضاً.

في القبيلة، تعتمد نجاة الفرد الواحد على نجاة القبيلة بأسرها. وندرة روح الأخوة تلك، هي التي تجعل عودة أولئك المحاربين القدامى للاندماج مرة أخرى في المُجتمعات المُعاصِرة المُشَتَّتة، صعباً عليهم.

بعد أحداث 11 سبتمبر، ارتفعت الروح المجتمعية في الولايات المتحدة الأميركية بشدة. كما انخفضت مُعدلات الانتحار أيضاً بشكل ملحوظ. وعلى مدار عامين كان من المُلاحَظ الاختفاء التام للاعتداءات وحوادث إطلاق النار في الأماكن العامة مثل المدارس والجامعات.

ومما يثير الانتباه وقوع حوادث إطلاق النار فقط في الضواحي ومناطق الطبقة المتوسطة. بينما لم يحدث ولو اعتداء واحد في منطقة فقيرة داخل المدينة، حيث تقوم العصابات والجماعات بنشر روح الانتماء.

وعادة ما تبدأ روح الانتماء تلك، في معظم الأحيان مع الجماعات ذات الأعداد الكبيرة منذ الولادة. ففي الدول الأقل تقدماً، غالباً ما ينام الأطفال مع - أو بالقرب - من آبائهم، أو حتى مجموعة مُقَرَّبة من عشيرتهم وأهلهم.

ولا ينتشر مبدأ نوم الأطفال بمفردهم إلا في الدول الأوروبية الشمالية (والولايات المتحدة الأميركية). فهناك فقط يمر الأطفال بمرحلة معروفة من النمو والتطور، حيث يتم إنشاء رابِط بينهم وبين الحيوانات المحشوة، أو تلك التي يطلق عليها بطانيات "الرفاهية المُريحة".

في كتاب "جانجر" الصغير المثير للجدل والمُقنِع في نفس الوقت، يقوم بالاقتباس من نظرية "التحديد الذاتي"، بشأن الأشياء اللازمة للبقاء والاستمرار بطمأنينة، فالناس يحتاجون إلى الشعور بالكفاءة والقدرة على القيام بما يفعلونه بجدارة. ويحتاجون أيضاً إلى الشعور بأنهم موثوق بهم على مدار حياتهم.

وفوق هذا كله، فإنهم يحتاجون إلى الشعور بالتواصل مع الآخرين. وربما تكون تلك هي نقطة البداية التي علينا أخذها في الاعتبار عندما نبدأ في التفكير بالطريقة التي نعيش بها حياتنا العصرية الحديثة المُزْعِجَة والمُشَوَّشة.

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Daily Mail البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.