هل كرة القدم الفرنسية في مشكلة مع العرب؟.. استبعاد بنزيمة من "الديوك" أثار التساؤل

تم النشر: تم التحديث:
KARIM BENZEMA
ASSOCIATED PRESS

الأسبوع الماضي، انتقد المهاجم الفرنسي ذو الأصول الجزائرية كريم بنزيمة بلاده، حيث أكد الهداف الذي لم يحقق إنجازات كبرى مع منتخب بلاده في تصريح لصحيفة إسبانية أن هناك "جزءاً عنصرياً في فرنسا" وأن هذا الأمر حقيقة.

تلك التصريحات وما أدى إليها، وما تبعها، حولت بنزيمة من لاعب كرة قدم محترف (يبلغ دخله 200 ألف يورو أسبوعياً) إلى بطل القصة في تلك الدراما السياسية، حيث كشفت تلك التصريحات عن وجود ما يخفيه بنزيمة بداخله حول فرنسا، وربما وجود ما تخفيه فرنسا له، بحسب تقرير لصحيفة "فورين بوليسي" الأميركية.

وقائع هذه القضية تبدو تافهة للغاية، فمنذ عدة أسابيع، أعلن الاتحاد الفرنسي لكرة القدم أن بنزيمة لن يمثل منتخب فرنسا في بطولة يورو 2016، حيث استند نويل لو غراي، رئيس الاتحاد، إلى دعوى قضائية تنظر للاعب حالياً.

تعود الواقعة إلى الخريف الماضي، حينما كشفت وسائل الإعلام الفرنسية عن مشاركة بنزيمة في ابتزاز زميله ماثيو فالبوينا، حيث قامت مجموعة من المبتزين بالتواصل مع اللاعب وطلبوا مبلغ 100 ألف يورو نظير عدم نشر شريط جنسي يظهر فيه مع صديقته، وعندما عارض فالبوينا الأمر، طلب أحد المبتزين وهو صديق لبنزيمة أن يبلغ فالبوينا بأنه لم يكن عليه أن يرفض ذلك العرض.

وطبقاً للمحادثة المسجلة بينه وبين فالبوينا، بالإضافة إلى اعترافه الشخصي، فقد فعل بنزيمة ذلك. بعد ذلك، وجّهت المحكمة الفرنسية لبنزيمة تهمة الابتزاز، قبل أن يقوم الاتحاد الفرنسي باستبعاده من المنتخب، وكذلك ليسقطه فالبوينا من قائمة أصدقائه، حيث قال: "شعرت بخيبة أمل وبأنني تعرضت للتلاعب".

يشعر كثيرون في فرنسا حالياً بذات الشعور تجاه بنزيمة. في لقاء أجري الأسبوع الماضي مع صحيفة "الماركا" الإسبانية، سُئل بنزيمة عن تصريحات نجم الكرة الفرنسية السابق إيريك كانتونا الذي اتهم فيها مدرب المنتخب الفرنسي بالعنصرية بسبب ما حدث مع بنزيمة (على الرغم من أن البعض فسّر تلك التصريحات على أنها جاءت على خلفية عداء طويل بين كانتونا وديشامب)، وعلق بنزيمة على كلمات كانتونا باحترافية كتلك التي ينفذ بها ركلات الجزاء قائلًا: "لا أظن ذلك، ولكن ديشامب رضخ للضغوط التي أحدثها الجانب العنصري من فرنسا"، لتتحول تلك الكلمات البسيطة من تعليقات حول مشكلة كروية إلى جدل صاخب حول عنصرية المجتمع الفرنسي وكذلك السياسة والرياضة.


منتخب فرنسا اعتاد الخلافات


تأتي الواقعة في الوقت الذي لا يعتبر فيه منتخب فرنسا غريباً عن مثل هذه الخلافات، فخلال العقدين الماضيين، كانت تلك الأمور تمثل مقياساً للارتفاع والانخفاض في صورة فرنسا التي تبرز نفسها كأمة متعددة الثقافات.

منذ قرابة 20 عاماً، وتحديداً عند استضافة فرنسا كأس العالم عام 1998، تمكن المنتخب الفرنسي من حصد لقب البطولة على الرغم من استهانة البعض به، في الوقت الذين كان المنتخب مكوناً من مزيج من اللاعبين الفرنسيين بالإضافة إلى ذوي الأصول الإفريقية والعربية، حيث تمكنوا من تحقيق الانتصار على المنتخب البرازيلي، وهو ما جعل الفرنسيين يؤمنون بأن شعار "الوحدة في التعدد" لم يكن مجرد رمز فقط، وأن المجتمع الفرنسي أصبح أقوى بتكويناته المتعددة وليس أضعف، كما ازدادت لوهلة حالة الاعتزاز الوطني بالتنوع المجتمعي - ومن ضمنه الجزء العربي - كقوة حقيقية، وقد استمرت تلك الروح بعدما تلقت دفعة جديدة بعد فوز المنتخب بالبطولة الأوروبية بعد ذلك بعامين.

على الرغم من ذلك، لم تكن هذه الانتصارات أكثر من مجرد تشتيت عن التوترات العميقة خارج ميادين كرة القدم، حيث كان الاقتصاد الفرنسي راكداً في تلك الفترة، كما أن الانقسامات الاجتماعية التي تعهد الرئيس الفرنسي جاك شيراك بحلها عند انتخابه عام 1995 كانت قد ازدادت في فترة رئاسته، وفي نفس العام الذي تحققت فيه البطولة الأوروبية، أجاب ثلث المشاركين في أحد الاستطلاعات بأنهم يرون بأن منتخب بلادهم "يضم عدداً أكثر من اللازم من ذوي الأصول الأجنبية".

وفي العام التالي، وأثناء إحدى المباريات في باريس بين فرنسا والجزائر، التي كانت الأولى من نوعها بعد تاريخ يمتلئ بالصراع نتيجة استعمار فرنسا للجزائر، قام عدد من الشباب ذوي الأصول العربية في المدرجات بالاستهزاء بالنشيد الوطني الفرنسي، قبل أن تُلغى المباراة إجبارياً بعد نزولهم أرض الملعب قبل نهاية المباراة بـ15 دقيقة، بينما كانت النتيجة تشير لتقدم المنتخب الفرنسي بـ4 أهداف مقابل هدف واحد. كان مشهد آلاف الشباب من الأحياء الفقيرة ينزلون إلى الملعب ليس بداعي الاحتجاج، إلا أن ذلك الفعل أغضب الكثير من مواطني فرنسا.

وبحلول عام 2002، تمكن زعيم حزب الجبهة الفرنسية اليميني المتطرف جان ماري لوبان، الذي كان قد أعلن قبل عدة سنوات أن المزيج الثقافي الذي تحدث عنه البعض لا يمثل رؤيته المثالية لفرنسا، من الوصول إلى الجولة النهائية لانتخابات الرئاسة الفرنسية.

تمكن شيراك لاحقاً من الانتصار على لوبان بقوة بعدما حقق 82% من أصوات الناخبين، إلا أن فوز شيراك لم يكن ذا معنى تماماً كفوز فرنسا على الجزائر في المباراة، فتلك الأمة التي كانت تؤمن بأنه بإمكانها تحقيق الوحدة من خلال التنوع أصبحت ترى العكس تماماً.

في عام 2005، قال المفكر البارز آلان فينكلكروت إن منتخب فرنسا أصبح مصدراً للسخرية في أوروبا كلها، وذلك ليس بسبب سجل الفوز والخسارة الخاص به، ولكن بسبب تكوينه. وقال مصرحاً لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية: "بإمكان الجميع أن يرى ذلك، يقول الناس إن المنتخب الوطني الفرنسي مثير للاعجاب لأنه فريق أسود وأبيض وعربي. ولكن الحقيقة هي أن المنتخب اليوم أصبح فريقاً أسود.. أسود.. أسود"، وهو ما أيده لاحقاً رئيس بلدية مونبيليه، الاشتراكي المخضرم جورج فريشيه، الذي قال إنه من غير الطبيعي أن يكون هناك 9 لاعبين سود من أصل 11 لاعباً يبدأون المباراة.

في الوقت نفسه، بدأ الكثير من السياسيين من اليسار واليمين في انتقاد اللاعبين على عدم نطقهم للنشيد الوطني قبل بداية المباريات. على سبيل المثال، لم يكن زين الدين زيدان (نجم المنتخب الذي حصل الألقاب في 1998 و2000) ذو الأصول الجزائرية ينشد النشيد الوطني الفرنسي أثناء المباريات سوى نادراً.

حينها، ذكَر النجم ميشيل بلاتيني (نجم الثمانينات) الجماهير أن الكثير من نجوم جيله لم يكلفوا نفسهم عناء غناء النشيد الوطني أيضاً، إلا أن ذلك لم يمنع ماريان لوبان - ابنة جان ماري لوبان التي قادت حزب الجبهة أيضاً فيما بعد - من الإدلاء بتصريح قالت فيه: "عندما أشاهد المنتخب، أستطيع رؤية فرنسا أو رؤية نفسي".

بحلول عام 2010، لم تكن ابنة لوبان وحدها التي تشجع المنتخب، فخلال كأس العالم الذي استضافته جنوب إفريقيا، رفض لاعبو المنتخب الفرنسي مواصلة التدريبات اعتراضاً على استبعاد زميلهم نيكولا أنيلكا الذي رد على انتقادات مدربه قائلاً: "تباً لك". استمرت تلك الأزمة 10 أيام، وهو ما كان سبباً كافياً لخروج المنتخب مبكراً من الدور الأول للبطولة، بالإضافة إلى ردود أفعال شعبية غاضبة عند عودتهم لبلادهم.

بنهاية هذه الحلقة، وصل المنتخب الفرنسي إلى أضعف حالاته، ليحولوا أنفسهم إلى أداة في يد بعض الحمقى والمنتفعين من المشكلات والضغوط المتزايدة حول الهوية الوطنية لفرنسا. (انتهت مسيرة أنيلكا في كرة القدم بعد ذلك بسنوات قليلة بعدما قام بأداء تحية عنصرية مشابهة لحركة الكوميديان الفرنسي ديودوني المعادي للسامية).


بنزيمة والنشيد الوطني


كان بنزيمة نفسه أيضاً محوراً للجدل فيما يتعلق بالنشيد الوطني، ففي يناير/كانون الثاني 2015، عُزِف النشيد الوطني الفرنسي في مباراة بين ريال مدريد وبرشلونة تكريماً لضحايا الهجمات الإرهابية على صحيفة "شارلي إيبدو" الفرنسية، وحينها قام بنزيمة بالالتفاف والبصق على الأرض، ما أثار جدلاً واسعاً على الشبكات الاجتماعية الفرنسية، إلا أن بنزيمة كان قد ذكر سابقاً أنه ليس بوسع أحد إجباره أن يغني وحيداً (على الرغم من إبداء بنزيمة لأسباب الواقعة، كان قد ذكر قبل عدة سنوات أن الجزائر هي بلاده، وهو ما يمكن تفسيره على كونها موطنه الأصلي أو أنه يحمل ارتباطاً وجدانياً بها). وبخلاف ما حدث بغض النظر عن كونه إهانة لفرنسا أو أنه تصوّر وهمي لذلك، كان بنزيمة قد واجه دعوى قضائية سابقاً في 2014 تتعلق بدفعه للمال لممارسة الجنس مع فتاة قاصر (أسقطت التهم فيما بعد).

هناك بعض الخلاف حول شخصية بنزيمة، ففي الوقت الذي يتفق فيه الأغلبية على أن سلوكه تجاه فالبوينا استحق ذلك العقاب، يرى بعض المدافعين عنه أنه ضحية بريئة لعنصرية ممنهجة، تماماً كما يصفه البعض بالأنانية عندما يتعلق الأمر بحديثه عن العنصرية، حيث لم يتطرق النجم الفرنسي سابقاً للحديث حول العنصرية في المجتمع الفرنسي.

وفي الوقت الذي تعد فيه شخصية بنزيمة أمراً محسوماً، لا يمكن اعتبار اتهاماته للرياضة الفرنسية بالعنصرية كذلك، حيث إن تلك الاتهامات ببساطة لا تكفي لاستنتاج أن بنزيمة - تماماً مثل لوبان - يخفي انحرافاته وراء هذه التهم المشينة بحق الشعب الفرنسي، والذي من بينه 5 ملايين مسلم تعود أصول أغلبهم إلى شمال إفريقيا والشرق الأوسط، والذين يعيشون في هذا البلد الذي يتصارع بشكل صريح حول الطريقة التي يجب أن يندمج بها الإسلام في المجتمع.

منذ شهرين، في استطلاع لصحيفة "لوفيغارو"، كشف عن وجود حالة من عدم الارتياح لوجود الإسلام في فرنسا، وهي الحالة التي كانت موجودة لدى اتجاهات اليمين واليمين المتطرف فقط، إلا أنها امتدت لتشمل جانبي الطيف السياسي بالكامل.

في عام 2010، وافق 39% من الناخبين الاشتراكيين على أن الإسلام لعب دوراً هاماً للغاية في فرنسا، وهو ما تغير هذه الأيام، كما كان هناك 3 من بين كل 10 فرنسيين يفضلون بناء المزيد من المساجد منذ 3 عقود، إلا أن هذه النسبة انخفضت حالياً لتصل إلى واحد من كل 10، بالإضافة إلى غيرها من الإحصاءات التي توضح الاتجاه نفسه.
لم تكن الرياضة بمعزل أيضاً عن الموجة المتزايدة من العنصرية ومعاداة المهاجرين، فقد استهدف الجمهور الفرنسي في عدد من المرات بعض اللاعبين ذوي البشرة السمراء من خلال إيماءات وصيحات عنصرية، وربما أفضل من يشهد على ذلك هو باتريك فييرا، لاعب خط الوسط الكبير في منتخب فرنسا 1998.

وُلِد فييرا في السنغال وتربى في فرنسا، ولم يكن فييرا أكثر لاعب يتعرض للتهكم العنصري فحسب، بل امتد الأمر عندما أصبح مدرباً لفريق مانشستر سيتي الإنكليزي للشباب، حيث ألغى إحدى المباريات في كرواتيا عندما حدث الأمر ذاته لأحد لاعبيه.

مع ذلك، على الرغم من بشاعة هذه الحالات العنصرية، إلا أنها لم تلفت انتباه الكثيرين مثل قضية بنزيمة، وهذا يرجع جزئياً إلى حالة الهوس الحالية بشأن الإسلام في فرنسا. ليس من المستغرب أيضاً تعرض من دافعوا عن بنزيمة أمام الانتقادات الكبرى التي يواجهها - مع رفضهم لسلوكه - لانتقادات لأشخاصهم أيضاً.

جمال دبوز، الممثل الكوميدي الفرنسي ذو الأصول المغربية، هو أوضح مثال على هذا الأمر، حيث جاء تعليق دبوز على الغضب المتصاعد قائلاً إن شباب الأحياء الفقيرة - القادمين من شمال إفريقيا - يريدون رؤية بنزيمة في المنتخب، حيث قال: "بما أنه لا يوجد أي خطوات لتحسين الحياة في تلك الأحياء، فمن الخطأ ألا نجد شخصاً واحداً يمثلهم في المنتخب".

واصل دبوز حديثه قائلاً إن بنزيمة ببساطة يدفع الثمن للانقسامات الحالية في المجتمع الفرنسي (تأثر دبوز بالضجة حول تصريحاته لاحقاً واعتذر عنها، وحث معجبيه على تشجيع المنتخب الفرنسي).

في المقابل، تحدث زين الدين زيدان - مدرب بنزيمة في ريال مدريد حالياً أيضاً - بكلمات حريصة ومنتقاة حول الأمر قائلاً: "أي مشجع لكرة القدم سيكون محبطاً لغياب بنزيمة".

وتلقى بنزيمة دعماً من السياسي الاشتراكي المنشق وزير التعليم الأسبق بينوا هامون، الذي قال إن بنزيمة أثار "حقيقة واقعة"، وأضاف: "نحن أمة تعيش حالة من الإنكار أمام التعصب المتصاعد. في فرنسا اليوم يمكننا القول بسهولة إننا لا نحبه لأنه عربي الأصل"، فرنسا تلك، هي ذاتها الدولة التي أشار رئيسها نيكولا ساركوزي إلى الشباب من الأصول العربية بأنهم "حثالة" وهي الدولة التي مزح وزير داخليتها، بريس هورتيفو، ذات مرة قائلاً: "لا مشكلة في عربي واحد. المشكلة هي عندما يزداد العدد عن ذلك".

حالياً، ربما بإمكاننا أن نستنتج أن الأمور على ما يرام مع المنتخب الفرنسي مع وجود "عربي واحد"، كما قال هورتيفو (العربي الوحيد حالياً هو عادل رامي المدافع ذو الأصول المغربية ولاعب نادي إشبيلية الإسباني).

بالحديث عن فرص المنتخب في الفوز باللقب، فهي حقاً جيدة، وربما هي أفضل بلا نجم هجومهم، فتواجد بنزيمة ربما كان سيمثل تشتيتاً، كما أن الفريق يضم حالياً مهاجمين من العيار الثقيل هما أنطوان غريزمان وأوليفيه جيرو.

ولكن حتى إذا تمكن المنتخب من الفوز بلقب البطولة، سيكون على فرنسا أيضاً أن تجيب عن ذلك السؤال الذي كان عنواناً لأحد مقالات صحيفة لوموند مؤخراً والذي قال "أي فرنسا هي التي يمثلها هذا المنتخب؟"

هذا الموضوع مترجم عن مجلة Foreign Policy الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.