في مصر.. بنات المعتقلين من قاعات المحاكم لحفلات الزفاف، والأب والزوج "جيران" في السجن

تم النشر: تم التحديث:
PRISON EGYPT
ASSOCIATED PRESS

طرحة وفستان أبيض وأجواء من البهجة تملأ المكان وبسمات تُرسم على وجوه الحاضرين الذين يتبادلون التهاني، فرحة تنتظرها كل فتاة، ويحلم بها كل أب ليرى ابنته المدلّلة وقد كبرت وأصبحت عروساً.

لكن هناك من حالت الظروف بينهم وبين تحقيق هذا الحلم وتلك الأمنية، أسوار فرّقت بين الأب وابنته أو بين الزوج وزوجته.

الاعتقال في السجون المصرية بعد 30 يونيو/حزيران 2013 لم يمنع الحرية عن أصحابها فقط ولكنه منعهم أيضاً من الفرحة بأبنائهم.


أبي لا يعرف اسم زوجي


تروى سمية عبد الحكيم المقيمة بمحافظة الشرقية، تفاصيل فرحها ومأساتها في الوقت ذاته قائلة: تقدّم لي شاب وكان ينتظر منا الرد على طلبه، لكنّي أخبرت والدتي برغبتي في عدم إتمام أي شيء بدون معرفة أبي.

ولأنه في سجن العقرب والزيارات ليست متاحة دائماً، فقد ذهبت أمي وأختي لزيارة أبي وإخباره بالأمر، فقال لها زوّجوه، ولضيق وقت الزيارة لم تتمكن أمي من إبلاغه باسم العريس، فأردت أن أبلغه بنفسي فذهبت بعدها لزيارته لأجد أنه تم وقف الزيارات، ولم أتمكن حتى من استشارة أبي والحديث معه في أمر زواجي.

وأضافت: حاولت أكثر من مرة أن أزوره لكن دون جدوى فما زالت الزيارات ممنوعة، فما كان من أمي إلا أن تقنعني بأن أبي وافق ولم يعترض، وأننا قد ارتضيناه زوجاً، فما المانع؟

لم يتح لي سوى أن أستخير الله، وعندما وجدت قبولاً في نفسي وافقت، كان شعوري مشوّشاً، كنت في موقف جديد علَيّ، أحتاج فيه لوجود أبي بجانبي لأتخذ معه القرار، لكنّي لم أجده بسبب اعتقاله، أحتاج إليه يشاركني فرحتي، أتممت خطبتي لكنّ ألم غيابه كبير.

كانت التجهيزات للخطبة ميسّرة بشكل غير عادي، وكانت أمي وإخواتي وأصحابي قد أعدّوا فيديو لعرضه وقت الخطبة يعبرون فيه لي عن شعورهم وفرحتهم، لم أتمالك نفسي وقت أن تمت خطبتي وأبي ليس معي ولا أخي فهو مطارد ولا عمي فهو معتقل أيضاً وكذلك ابن عمي، افتقدتهم كثيراً في هذه اللحظة.


اشترت أثاثها يوم اعتقال والدها


أما مريم محمود (25 عاماً) من مدينة السويس، فقد اعتقل والدها قبل زفافها بخمسة عشر يوماً، وهو اليوم الذي كان مقرراً فيه شراء أثاث بيتها.

تقول: اعتقل أبي الثالثة فجراً، وسافرت في تمام السادسة صباحاً لشراء أثاث منزل الزوجية، وكان ذلك بناءً على رغبة أبي فقد أوصاني بأن يسير الأمر كما كان مرتباً له دون تأجيل، وفي فترة تجهيز الشقة كنا نذهب لزيارة أبي في سجن عتاقة بالسويس ونعود منه إلى الشقة لإكمال تأثيث المنزل حتى انتهينا تماماً من ذلك.

وفي وقفة عيد الأضحى كان عندنا زيارة لأبي في نفس يوم عقد القران في المسجد بعد العشاء، ظللنا عند السجن في انتظار الزيارة حتى جاء وقت المغرب ثم تم منعنا ولم نتمكن من زيارته.

كان فرحي يوم الخميس، وكانت جلسة محاكمة أبي السبت الذي يليه، فكان أول خروج لي بعد الزواج هو أن أذهب لأرى أبي في محاكمته.


العرس داخل السجن


وعن قصة زواجها الغريبة تقول صفا محمد (22 عاماً): بعد تسعة أشهر من خطبتي اعتقل خطيبي، أما أبي فقد اعتقل بعده بعد أيام، وكان الاثنان محبوسين في نفس السجن، مما ساعد خطيبي في إقناع أبي بعد عدّة محايلات ومشاورات لإتمام عقد القران داخل محبسهما.

وافق أبي وقمنا بعدها بإنهاء الإجراءات اللازمة والتي استغرقت منّا ثلاثة أشهر حتى تمكّنا من أخذ الموافقة من مصلحة السجون والنيابة وإدارة السجن، واتفقنا مع المأذون واصطحبناه معنا أنا وأمي وعمي وإخوة العريس وكذلك المحامي.

وفى غرفة بالطابق الإدارى الخاص بالسجن جلسنا حول منضدة يحوطنا العساكر والضباط، ثم جاء أبي وزوجي وأتممنا العقد.

تقول صفا "كانت من أصعب اللحظات، وبعد انتهاء العقد، جلست مع زوجي لمدة ثلاث دقائق فقط، ثم أخذوا أبي وزوجي لإرجاعهما إلى زنزانتهما، لم أكن قد استوعبت الموقف بعد، هل أفرح وأكتم دموعي أم أبكي لغيابهما؟!

بعدها بيومين كانت زيارتي لزوجي، ذهبت إلى السجن لأجد الشباب المعتقل وقد أعّدوا لي مفاجأة، غنوا لنا، ورسموا لوحات تبارك الزواج، وقد كان السبب الأساسي لعقدي القران في هذه الظروف، هو أن أتمكّن من زيارة زوجي، حيث إن الزيارة تقتصر فقط على أقارب الدرجة الأولى.


لا أحتاج إلا لأبي


"تقدم شاب لخطبتي لم نكن نعرفه من قبل، وكان لا بد من استشارة أبي في الأمر، لكنّ الزيارات كانت مغلقة عن سجن العقرب "هكذا قالت آية الأنصاري ابنة القاهرة (23 عاماً) وهي تروى تفاصيل خطبتها.

وتكمل قائلة: انتظرنا طويلاً حتى تمكنّا من الزيارة وأخبرت أبي، كانت الفكرة صعبة في البداية فكل أب يتمنى أن تتزوج ابنته في حضوره ليسعدها ويشاركها فرحتها.

ومع ذلك تحدّث أبي معي لإقناعي بالموافقة، وقال لي إنها سنّة الحياة، وعندما قلت له سأنتظر حتى تخرج إلينا كان يردّ علىّ قائلاً: "لا.. عيشي حياتك وافرحي".

حاول أبي أن يقدّم لي بعض نصائحه في الدقائق المعدودة للزيارة تعويضاً عن غيابه، كنت أحتاج إليه بشدة وأفتقد لحديثي معه وأخذ رأيه في هذه المرحلة من حياتي، كنت أتمنى أن يلتقي العريس بنفسه، وأن يخبرني هو أنّ هناك من يريد أن يخطبني لكنّ ذلك كله لم يحدث بل حدث العكس.

لم يكن بيد أبي سوى أن يوصي أمي في كل زيارة قائلاً لها: "فرّحوا آية واعملوا لها اللي هي عايزاه كأني موجود"، لكنه لا يعرف أنني أحتاجه هو ولا أحتاج سواه.

تمت خطبتي في البيت وكانت تجهيزاتها بسيطة، كنت أصبّر نفسي بأن أبي سيكون معي في عقد قراني، كان كل زيارة يقابلني بابتسامة مبهجة ويقول لي: "إزيك يا عروسة".
بعد هذا بأحد عشر شهراً فاتحنا أبي في موضوع عقد القران، كان عندي أمل أنه سيكون حاضراً فيه ويكون هو وكيلي، كنت أنتظر هذا اليوم لأرى الفرحة في عينيه، ويراني هو بعدما كبرت وأصبحت عروسة، وعندما حدّدنا موعد العقد لم نتمكّن من إبلاغ أبي لأن الزيارات منعت من جديد، والآن وقد تحدد موعد زفافي ولا تزال الزيارات ممنوعة عن السجن، لا أعرف كيف سأخبره وكيف ستمرّ هذه الأيام عليّ في غيابه.


زوجها مسافر وشقيقها مطارد


ومن جانبها تروي سلمى محمد (28 عاماً) من البحيرة، تفاصيل زواجها قائلة: كنت قد عقدت قراني قبل اعتقال أبي، وكنت رافضة لإتمام الزواج في غيابه بعد اعتقاله، وكلما ذهبت لزيارته كان يوصيني أن أتم زواجي بمجرد انتهاء تجهيزات الشقة.

كنت رافضة لهذه الفكرة، واستمر التجديد لفترات اعتقال أبي وطالت المدة حتى بدأ عدد من المعتقلين مع أبي يحاولون إقناعي بإتمام الزواج، ومع ضغط أقاربي وزوجي وافقت.

عندما ذهبت لأبي أول أيام العيد لإبلاغه بموعد الزفاف، كانت لحظة صعبة لعلّها أصعب من لحظة الاعتقال ذاتها.

بكيت كثيراً وأنا أخبره بذلك، لم أستطع حتى أن أحظى بعناق منه، فقد كانت الزيارة من خلف السلك، تم الزفاف في الموعد المحدد، لم يكن فرحاً بمعنى الكلمة كانت فقط زفة بالسيارات ثم ذهبنا إلى بيتنا.

وبعدها أصبحت حاملاً، ولأن الوضع في البلد صعب، فإما أن تعتقل أو تكون مطارداً فقد سافر زوجي لأنه مطارد من الأمن، حتى عندما أنجبت طفلي الأول، حاول أهلي إدخال الفرحة عليّ، ولأني ابنتهم الكبرى وأول فرحتهم، فقد رأيت حزناً كبيراً وراء محاولاتهم، كنت أشعر دوماً أن هناك شيئاً كبيراً ينقصني، لم أتخيل في حياتي أن أتزوّج وأبي ليس معي وأنجب طفلي الأول ووالده ليس معنا.