دريد لحام.. رجل الطغاة الذي عادله حافظ الأسد بفرقة عسكرية

تم النشر: تم التحديث:
DURAID LAHHAM
TAREK ABDEL HAMID via Getty Images

يحلّ الفنان دريد لحام ضيفاً على الجمهور في رمضان في مسلسل “أحلى عالم”. وفي هذا التقرير يسجّل الكاتب والسيناريست حكم البابا رأيه حول مسيرة “غوار الطوشة” الذي يقول ما لا يفعل، ويفعل عكس ما يقول.. يتوقف البابا عند علاقات لحام بجمهوره وزملائه وبالكتاب والمخرجين وعلاقته الوطيدة بالسلطة. إلى أي مدى تتفقون أو تختلفون مع ذلك؟

قضى دريد لحام عمره يقول ما لا يفعل، ويفعل عكس ما يقول، يردد في أعماله كلام مؤلفيها عن الحرية والكرامة والوحدة وتحرير فلسطين، ويُمثّل دور المواطن المقهور على خشبة المسرح وفي استوديوهات التلفزيون وأمام كاميرات السينما، لكنه في الحياة غالباً ماوقف في صف كل السلطات التي قمعت شعوبها وسلبتهم حريتهم وأذلت كرامتهم وقسمتهم وتاجرت بفلسطين.

الوطن بالنسبة له هو النظام الحاكم، وحتى من كان يعاديه من الأنظمة في سرّه، كان يجامله في علنه، فقد كان يعتبر أنه ابن مهنة تابعة هي التمثيل، تحتاج للمؤلف والمخرج والمنتج والمسوّق ومحطة العرض أو دار السينما أو خشبة المسرح، وأن السلطة في العالم العربي تستطيع أن تنهي أكبر نجم، وحسب هذه القاعدة أمضى حياته في ظلها، يسخر ليلاً على خشبة المسرح من استخدام أجهزة المخابرات للكهرباء في تعذيبها للمواطن: "وصلت الكهربا لقفاي قبل ماتوصل لبلدنا"، وفي اليوم التالي يقود على شاشة التلفزيون "قطار الفرح" احتفاءً بقائد الانقلاب الذي أوصل الكهرباء إلى قفا المواطن قبل أن يوصلها إلى بيته.

عاش دريد لحام طوال عمره صراعاً بين تناقضين: ذكائه الذي يقول له أن الجماهير التي يضحكها والأكف التي تصفق له هي رصيده، لكنه كان في النهاية كان ينحاز لخوفه ويفضّل التقاط الصور وتلقي الأوسمة ومصافحة كل الطغاة الذين كانوا هدفاً لسخريته في كل أعماله، ونجى دائماً من بطشهم في تعميم الحالة التي يتحدث عنها، بحيث يعتبرها كل ديكتاتور أن المقصود بها جاره.

بداية دريد لحام الحقيقية كانت في شخصية "غوار الطوشة" الهزلية، وشكّل مع نهاد قلعي الذي أدى معه شخصية "حسني البورظان" ثنائياً كوميدياً عربياً يحاكي الثنائي "لوريل وهاردي"، وقدّما أعمالاً كتبها نهاد قلعي أضحكت العالم العربي، وساهمت في نشر اللهجة السورية في مختلف بلدانه، وتميزّا في مسلسلات التلفزيون (مقالب غوار، وحمام الهنا، وصح النوم) عن أفلام السينما التي قدماها بمستوى أقل، والتي غالباً ما احتاجا فيها إلى نجم أو نجمة من سوريا أو لبنان أو مصر لأن المنتج كان يعتبر أن نجوميتهما هي نجومية مشاهد تلفزيون تصل إليه في بيته مجاناً، وليس مشاهد سينما يشتري تذكرة ويذهب إليك ليراك.

قبل تعرفه على محمد الماغوط دخل دريد لحام عالم السخرية السياسية في "مسرح الشوك" الذي أوجده وكتب نصوصه عمر حجو بعد نكسة الخامس من حزيران، وكاد يتعرض وفريقه المسرحي للعقاب من السلطة التي كانت خارجة من هزيمة عسكرية، لكن حافظ الأسد وزير دفاعها آنذاك حماه، وبدأ معه شراكة طويله امتدت لكل السنوات التي حكم فيها الأسد سوريا، فكان ممثله في الفن، ثم أورثه مع كل سوريا إلى ابنه.

مسرحه لم يكن مسرح تنفيس كما أطلق عليها اليسار الطفولي حينها، فقد كان هذا النوع من المسرح السياسي الساخر معروفاً قبل دريد لحام ومحمد الماغوط، ولكن السلطة استفادت منه واستثمرته، وكانت اضافة جملة أو جملتين لأية مسرحية كافية لتمريرها، وهو أمر مشروع عادةً مايلجأ إليه الكتاب والفنانون في ظل الأنظمة الاستبداية، وبشراكته مع محمد الماغوط في مسرحيات (ضيعة تشرين، وغربة، وكاسك ياوطن، وشقائق النعمان) وفيلمي (الحدود، والتقرير) استفاد من السخرية السياسية، ليعوّض عن تلقائية الكوميديا البسيطة التي كان يقدمها في أعمال الأبيض والأسود مع نهاد قلعي، والتي فقد لياقته اللازمة لتقديمها بسبب تقدمه في العمر وتغيّر الزمن.

منذ أول أعماله وحتى آخرها كان دريد لحام يتعرض لهجوم شديد في كل عمل يقدمه، نقدياً أو جماهيرياً أو الاثنين معاً، ولكنه دائماً كان صاحب قرار في خياراته، وغالباً ماكان يراهن على أن الزمن سيؤكد وجهة نظره وصوابية خياره، وهو ماحدث غالباً معه في أعماله الفنية، لكن عناده هذا كان قاتلاً عندما استخدمه في المواقف الوطنية أو السياسية، فالنجم الذي كان يسخر من الجيوش العربية لعدم تحريرها فلسطين، خرج ليقول في بداية الثورة على نظام الحكم في بلده أن جيش بلده لم يُؤسس لتحرير فلسطين، والنجم الذي كان يتحدث في أعماله عن الوحدة العربية صار يناجي ايران التي تخوض حرباً لتفتيت العرب، والنجم الذي كان يشيد بالحرية اعتبرها فوضى وخراب أول ما تحولت من كلمة على خشبة المسرح إلى فعل في الحياة.

منذ اللحظة التي قال عنه فيها حافظ الأسد ان دريد لحام يعادل فرقة عسكرية، وهو يقوم بعمل لم تقم به أهم فرقة عسكرية موجودة لدى النظام، ليس في أعماله، بل في مواقفه واصطفافه إلى جانب النظام الذي اختصر فيه الوطن، وفي اللحظة التي كان هذا النظام يحتاجه فيها.