حكيم المحبين.. هكذا تكلم ابن عطاء الله السكندري

تم النشر: تم التحديث:
IBN ATAA AL SAKANDARI
Web

جمع ابن عطاء الله السكندري بين الفقه حيث كان فقيهاً مالكياً والتصوف حيث كان أحد أركان الطريقة الشاذلية الصوفية ولقب بترجمان الواصلين ومرشد السالكين، وكانت دروسه في الأسكندرية تجمع بين العلوم الشرعية التي تخاطب العقول والمواعظ الذوقية التي تخاطب القلوب.

يحكي ابن عطاء قصته مع شيخه في كتابه "لطائف المنن في مناقب الشيخ أبي العباس المرسي وشيخه الشاذلي أبو الحسن" فيقول : وكنت أنا لأمره- يعني أبا العباس المرسي- من المنكرين، وعليه من المعترضين، لا لشيء سمعته منه ولا لشيء صحّ نقله حتى جرت بيني مقاولة وبين أصحابه، وذلك قبل صحبتي إياه، وقلت لذلك الرجل: "ليس إلا العلم الظاهر"؛ وهؤلاء القوم يدّعون أموراً عظيمة وظاهر الشرع يأباها...، وكان سبب اجتماعي به أن قلت في نفسي بعد أن جرت المخاصمة بيني وبين ذلك الرجل: "دعني أذهب أنظر إلى هذا الرجل فصاحب الحق له أمارات لا يخفى شأنه، فأتيت إلى مجلسه، فوجدته يتكلم في الأنفاس التي أمر الشارع بها، فقال الأول إسلام، والثاني إيمان، والثالث إحسان. وإن شئت قلت الأول شريعة، والثاني حقيقة، والثالث تحقق...، قال: "وعلمت أن الرجل إنما يغترف من فيض بحر إلهي، ومدد رباني، فأذهب الله ما كان عندي...، وصار رحمه الله تعالى من خواص أصحابه، ولازمه اثني عشر عاما حتى أشرقت أنواره عليه وفُتِح له على يديه ثم استقر في الأزهر يدرّس الفقه والتصوف.



sufi

ولد ابن عطاء في منتصف القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) وعاش في الأسكندرية واشتق لقبه منها، وصحب الشيخ أبا العباس المرسي (الذي انتقل من الأندلس للأسكندرية وكان من أقطاب الطرق الصوفية الشاذلية ولا يزال قبره معروفاً في الأسكندرية) وصار من تلامذته النجباء.

حكمه وكتبه:

للسلوك إلى الخالق آداب وحكم يلزمها طالب الوصول للأنوار الإلهية واللطائف القلبية فلا بد أن يمتلئ القلب بالإيمان ويحسن الظن بالخالق ويتجنب الكبائر ويتوب عن الصغائر ويفعل الخير والمعروف دون فرح ولا غرور ويرضى ويسلم بقضاء الله وطاعته وأوامره ، تتناول الحكم العطائية بلغة عربية بسيطة وفصيحة هذه الأحوال والمقامات وطرق السلوك، والحكم هي مجموعة من المقولات الصوفية التي دونها ابن عطاء وشرحها عددٌ من العلماء في عصره وفي عصرنا واشتهرت حتى صارت من أهم ما كتب في التصوف الإسلامي.
يقول ابن عطاء في حكمه:


"ربما فتح لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول وربما قضى عليك بالذنب فكان سبباً في الوصول"



“مَتى أَوْحَشَكَ مِنْ خَلْقِهِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ يُريدُ أَنْ يَفْتَحَ لَكَ بابَ الأُنْسِ بهِ”



“لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه، لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره. فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة.. إلى ذكر مع وجود يقظة، ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور، ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع غيبة عما سوى المذكور.. وما ذلك على الله بعزيز”



“إنَّما يُؤلِمُكَ المَنْعُ لِعَدَمِ فَهْمِكَ عَنِ اللهِ فيهِ.”



“أنْتَ حُرٌ مِمّا أنْتَ عَنْهُ آيِسٌ. وَعَبْدٌ لِما أنْتَ لَهُ طامِعٌ.” “ما أحْبَبْتَ شَيئاً إلا كُنْتَ لَهُ عَبْداً، وَهُوَ لا يُحِبُّ أنْ تَكونَ لِغَيْرِهِ عَبْداً.”



“ليُخَفِّفْ أَلمَ البَلاءِ عَلَيْكَ عِلْمُكَ بِأَنَّهُ سُبْحانَهُ هُوَ المُبْلي لَكَ. فَالَّذي واجَهَتْكَ مِنْهُ الأقْدارُ هُوَ الَّذي عَوَّدَكَ حُسْنَ الاخْتِيارِ.”



“إنَّما أجْرى الأذى عَلى أيْديهِمْ كَيْ لا تَكونَ ساكنِاً إلَيْهِمْ. أرادَ أنْ يُزْعِجَكَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتى لا يَشْغَلَكَ عَنْهُ شَيْءٌ.”



“لا تُفْرِحْكَ الطَّاعَةُ؛ لأنَّها بَرَزَتْ مِنْكَ، وَافْرَحْ بِهَا لأنَّها بَرَزَتْ مِنَ الله إليكَ... ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)”



“السَّتْرُ عَلَى قِسْمينِ: سَتْرٍ عن المعْصِيَةِ، وسَتْرٌ فيها؛ فالعامَّةُ يَطلُبُونَ مِنَ الله تعالى السَّتْرَ فيها خشيةَ سُقُوطِ مرتبتهِم عِندَ الخلقِ، والخاصةُ يطلبون السترَ عنها خشيةَ سُقُوطِهِم مِن نَظَرِ المَلِكِ الحَقَّ.”



“مَتَى فَتَحَ لَكَ بابَ الفَهْمِ في الَمْنعِ، عَادَ الَمْنعُ عَينَ العَطَاء.”



“أصْلُ كُلَّ مَعْصِيَةٍ وَشَهْوَةٍ وَغَفْلَةٍ: الرَّضَا عَنِ النَّفْس. وأصْلُ كُلَّ طَاعِةٍ وَيَقَظَةٍ وَعِفَّةٍ: عَدَمُ الرَّضَا مِنْكَ عَنْها. ولأنْ تَصْحَبَ جَاهِلاً لا يَرْضَى عَن نفسِه خيرٌ لكَ مِن أنْ تَصْحَبَ عَالِماً يرضى عَنْ نَفْسِه.. فأيُّ عِلْمٍ لعَالِمٍ يَرْضَى عَنْ نفسِه؟! وَأيُّ جَهْلٍ لجَاهِلٍ لا يَرْضَى عَنْ نَفْسِه؟!”



“لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء - موجباً ليأسك؛ فهو ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك لا فما تختار لنفسك وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد.”




sufi

ورغم أن ابن عطاء ولد وعاش في الأسكندرية لكنه توفي في القاهرة في المدرسة المنصورية في أوائل القرن الثامن الهجري ودفن بمقبرةٍ بالمقطم لا تزال موجودة حتى اليوم.