الإضحاك في أرض الحصار.. مُهرّجان غزاويان يتحديان تقاليد المجتمع من أجل أطفال السرطان

تم النشر: تم التحديث:
GHZH
غزة | huffpostarabi

عندما يوجد في حفلة أطفال شخصان مترافقان معاً بملابس غريبة، وألوان تغطي وجوههما، وابتسامة لا تغادر شفاههما، وبحركات سريعة مضحكة، تنتشر السعادة في المكان.

حركات متتالية ومتعبة لا يكلّ منها هذان المُهرّجان، إنهما يصفان حياتهما بالجميلة؛ لأنها ترتكز على ابتسامات أطفال سُلب منهم حق السعادة في مجتمع مُحاصر وتعبت أجسادهم من شدة المرض.

محمد الجوجو (21 عاماً) المعروف باسم "binky"، صاحب الجسد الرياضي العريض والضخم عندما تنظر إليه يخطر ببالك سؤال على الفور: هل من الممكن أن يكون هذا مُهرّجاً بحركات بهلوانية وعروض سرك مضحكة؟! فإن قلبه الطفولي وعشقه لأطفال السرطان جعله مبدعاً في عروضه، ويرافقه دائماً معتصم الباز (40 عاماً) المعروف باسم "brain" وهو من قصار القامة.

اختصر الباز وصفه لحالته خلال حديثه مع "هافينغتون بوست عربي" قائلاً: "من المعروف أن قصير القامة له شكل مختلف عن الشخص العادي، ولكن هذا لا يعني أنه ليس بشراً، ومن حقه العيش مثل غيره".
وأضاف: "أنا أشعر بسعادة كبيرة في التعامل مع الناس، ولديّ علاقات طيبة مع الكثيرين منهم، وهم يفتقدون وجودي معهم، ويتصلون بي للاطمئنان عليّ، ووجودي بينهم ممتع بالنسبة لهم، وأحظى باهتمام كبير منهم".


بداية الموهبة


بدأت ميول محمد الجوجو لتقمّص شخصية المهرّج في جميع حفلات الأطفال برفقته صديقه معتصم من خلال موقف تعرّض له خلال حضوره حفلاً لأطفال السرطان.

ويذكره قائلاً: "حضرت حفلة للأطفال وكان من بينهم طفل يبكي، توجّهت نحوه وجلست أمامه كي أهدئه وأضحكه، ثم قمت بممارسة حركات مضحكة عدة فوجدته يضحك وكفّ عن البكاء، هذا الشيء أعطاني دافعاً قوياً بأن أكون مهرّجاً من أجل هؤلاء الأطفال".

ghzh

أما عن المهرج معتصم الباز فإن انخراطه في هذا المجال كان بدافع قوي من محمد الذي وجد فيه قدرات تستطيع إقناع الأطفال وإضحاكهم بشكل كبير، ومن خلال تدريبات متتالية أصبح معتصم متقناً للحركات البهلوانية التي تسعد الأطفال.


مستشفى الأطفال هو السبب


بدأ التعاون بين محمد ومعتصم في هذا العمل من خلال زيارة مستشفى الأطفال، ولم يكن الأمر سهلاً في البداية؛ إذ إن دخول أشخاص غريبين بهيئة مختلفة جعل الأمر يحتاج إلى تمهيد للأطفال، هذا ما وضحه محمد لـ"هافينغتون بوست عربي".

وقال: "الأمر كان صعباً في البداية، فليس جميع الأطفال يقبلون المهرج لأول مرة، كما أنه ليس في قطاع غزة مهرجون حتى يكون الأمر عادياً ومقبولاً بالنسبة لهم، فهي فكرة جديدة ونادرة، لكن الفقرات المضحكة بشكل متكرر ومستمر تعطي الطفل الأمان، ومن ثم يندمج معي ويلعب ويضحك".

الأمر ذاته تعرّض له المهرج معتصم، حيث قال: "لأول مرة كنت في المستشفى من أجل الاطمئنان على أطفال السرطان وتقديم الهدايا لهم، شعر الجميع بحالة من الدهشة والاستغراب كوني مختلفاً عنهم بالطول بالإضافة للبس المهرّج الذي أرتديه، لكني حاولت الاقتراب منهم وملاعبتهم حتى تأقلموا بعض الشيء معي وأصبح وجودي أمراً عادياً ومبهجاً".


المجتمع المحاصر والمهرّجون


المجتمع الفلسطيني في غزة المحاصرة لم يكن لديه الوعي الكافي والثقافة التي تجعله يستوعب من هو المهرج وأهمية دوره في المجتمع، خاصة للأطفال المرضى والأطفال المهمشين الذين لا يستطيعون أن يخرجوا للعب في الأماكن الترفيهية.

محمد الجوجو أوضح نظرة الناس إليهم قائلاً: "في البداية كانوا يستهزئون بالمهرج، ويتلفظون بكلام مسيء ولم يتقبلوا وجود المهرج بينهم، لكن بعد الالتحاق بفريق عمل مؤسسة (بسمة أمل) لرعاية مرضى السرطان، كان هناك دافع قوي للاستمرار في العمل خاصة بعد وجودنا في المستشفيات من أجل أطفال مرضى السرطان، الذين كان يعطيهم دافعاً قوياً للعلاج وتخفيف الشعور بألمه، وكان يبعث في قلوبهم الدافع للتمسك بالحياة".


أسئلة محرجة


أما عن أكثر الأسئلة التي واجهها معتصم وكانت محرجة بعض الشيء لكنه استطاع تفادي الحرج بطريقة إيجابية، حسب قوله: "كنت في حفل أطفال فاقترب مني طفل وسألني:عمو إنت ليه صغير! لم يحزنني سؤاله ولكني تحمست كثيراً للإجابة بشكل مقنع، فقلت له الذي خلقني وخلقك واحد وهو الله، إذاً الله هو من خلقني هكذا".

ويضيف: "الحمد لله تقبل الطفل إجابتي ومسك بيدي لنكمل فقرات اللعب".


عشق الأطفال لهم ورسالتهم للعالم


يحظى بينكي وبراين بحب كبير من قبل الأطفال، حيث يشتاقون لهما في جميع الأوقات وينتظرون حضورهما بالمكان للعب معهم، هذا ما دفع مجد الجوجو (11 عاماً) الأخ الأصغر لمحمد، أن ينضم له ولصديق عائلتهم معتصم الباز، تعلّم منهما حب إسعاد الأطفال من خلال مرافقته لهما دائماً في جميع حفلات الأطفال، ويرتدي مثلهم ملابس المهرج ويضع الألوان على وجهه.

محمد ومعتصم يحملان على أكتافهما رسالة وأمام أعينهما هدف يتمنيان أن يتحقق من أجل الوصول الى أطفال العالم كافة وإسعادهم، بهذه الحركات البسيطة التي ترفع من معنوياتهم وتهزم ذلك المرض الخبيث الذي يسكن أجسادهم.