عقولهم ثروة في الدول الغربية.. لاجئون عرب ينقذون فنلندا من نقصٍ فادح بالمهارات التكنولوجية

تم النشر: تم التحديث:
ARAB REFUGEES
the guardian

تعاني فنلندا من مشكلتين في الوقت الراهن، فعلى الرغم من المشهد الذي يوحي بازدهار البلاد للوهلة الأولى، فثمة نقص متزايد في عدد مطوري البرامج بالبلاد.

أما المشكلة الثانية فتكمن في أن أكثر من 32 ألفاً من طالبي اللجوء وصلوا للدولة الإسكندنافية خلال عام 2015- وكثير من هؤلاء لا يزال في عمر الشباب، ولديه شهادة عليا، كما أنه يستطيع استخدام الحاسب الآلي- وهؤلاء يُتوقع أن ينتظروا أعواماً قبل أن يحصلوا على وظيفة، وفقاً لتقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

يقول نيكلاس لاهتي، الرئيس التنفيذي لشركة "نورد للبرمجيات" المتخصصة في خدمات الشبكات، والتي تتخذ من العاصمة هلسنكي مقراً لها: "لقد فكّرنا في أنه من المؤكد أن ثمة طريقة لبدء مواجهة تلك المشكلات على الأقل".

وأضاف قائلاً "يمكننا تعليم اللاجئين الترميز ولغات البرمجة، لكي يصيروا مهندسي برمجيات".

ويشهد الشهر الحالي بدء أول ثلاثة خريجين من برنامج "إنتيجريفاي" Integrify، للمنح التي حصلوا عليها بالتعاون مع كبرى شركات التكنولوجيا الفنلندية. وقد بدأ لاهتي وصديقه دانيل رحمن، وهو رئيس شركة توظيف تسمى "تالينت كونيكت"، في تدشين برنامج "إنتيجريفاي"، الذي يساعد على تخريج مطوري برامج من طالبي اللجوء، في أبريل /نيسان 2016.


السويد تحتاجهم بشدة


ويعمل كلاهما على تدشين برنامج آخر موسّع، والذي يهدف إلى تدريب 200 لاجئ لكي يصيروا مطوري برامج، أملاً في توفير وظائف لهم بكل أوروبا، بدءاً من السويد التي يصفها لاهتي بأنها "من المستحيل أن تجد مطوري برامج هناك، حتى أن الأمر أكثر صعوبة من فنلندا"، حسبما قال.

ويضيف لاهتي قائلاً إن نقطة البداية كانت بعد استيعاب أن "الاندماج يستغرق وقتاً طويلاً. وأنت لديك كثير من الشباب المؤهل والمتحمس الذي لا يفعل شيئاً. وأشار إلى أن عملية التسجيل تستغرق وقتاً طويلاً للغاية، كما أنه ينبغي عليهم تعلم الفنلندية قبل الحصول على الوظيفة. وفي المقابل، كل ما تحتاجه في البرمجة هو إتقان اللغة الإنجليزية وحسب".

يقول رحمن إنه حتى إن كانت أوراق اعتمادهم جاهزة، فكثير من طالبي اللجوء قد ينتظر لفترة تصل إلى 5 سنوات لكي يحصل على وظيفة. ويضيف أنهم عندما يحصلون على الوظيفة "قد يجد كثير من المتعلمين أنفسهم يعملون بوظائف أقل من مهاراتهم ومستوى تعليمهم".


غياب روح الضيافة ينفرهم؟


وقد تسبب نظام الحياة، والمناخ الإسكندنافي الذي تغيب فيه روح الضيافة، في حالة من الإحباط لدى بعض الوافدين الجدد من طالبي اللجوء في فنلندا، حيث يقول مسؤولون إنهم يتوقعون أن يلغي 5 آلاف وافد من طالبي اللجوء استماراتهم؛ ليعودوا إلى بلادهم.

كما يوضح المسؤولون أن 4 آلاف لاجئ، حوالي 80% منهم كانوا عراقيين، طلبوا المساعدة في فبراير/شباط 2016 من أجل مغادرة البلاد.

وقد زار رحمن ولاهتي، مراكز استقبال اللاجئين، وذلك بعد أن كان مشروعهم على وشك إضفاء اللمسات الأخيرة عليه، حيث عرضوا تفاصيل المشروع عليهم، ثم اختاروا 20 مرشحاً من أصل 700 لاجئ عبّروا عن استعدادهم للمشاركة بتلك المبادرة.

ومع معاناة قطاع تكنولوجيا المعلومات بفنلندا من نقص العمالة، حيث تتوفر حوالي 5000 وظيفة شاغرة بالمجال، لم يجد كلاهما صعوبة في الحصول على رعاية 12 من شركات البرمجيات وخدمات الشبكات في فنلندا، والتي قد توفر وظائف في المستقبل للمشتركين في البرنامج. فاستأجروا شقة كبيرة وسط العاصمة هلسنكي لكي تستوعب الطلبة الناجحين، كما عينوا مهندساً ذا خبرة لكي يعلمهم.

وبعد مرور ثمانية أسابيع بالدورة التدريبية، حصل ثلاثة من أصل خمسة متدربين- وهم من إيران والعراق والصومال وسوريا- على منح تدريبية، كما ينتظر الاثنان الآخران نتيجة المقابلات التي أجروها.

ويعد عياس طه (22 عاماً) أحد هؤلاء الخريجين الخمسة، حيث هرب طه من بلده العراق بعد أن تعرض منزله لتفجير ثلاث مرات.

ومع بداية عام 2015، استطاع الحصول على وظيفة في شركة جديدة لتوصيل الطعام عبر الإنترنت بالأردن، حيث كان يعمل بقسم خدمة العملاء والدعم الفني. لكنه أدرك فيما بعد أنه لن يستطيع العودة إلى بغداد مجدداً بعد أن قُتل أبوه في هجوم إرهابي.

يقول طه "قررت أن أذهب إلى أوروبا، وأن أعتمد على نفسي في ذلك". وركب طه قارباً من مصر حتى جزيرة صقلية الإيطالية.

ويضيف قائلاً "ثلاثمائة شخص، وثمانية أيام في البحر". ثم ذهب في طريقه ليعبر فرنسا، وسويسرا، وألمانيا، والدنمارك، ليصل أخيراً إلى فنلندا في أغسطس/آب 2015.


36 تحت الصفر


وأوضح طه قائلاً "كنت أعرف أن فنلندا بلد جيد، ولديهم إنسانية. كما أنه مكان رائع للتعليم. ولكن الجانب السلبي الوحيد كان الجو؛ فعندما كنت في بغداد كانت درجة الحرارة في الصيف تصل إلى 50 درجة، أما في فنلندا فقد تصل درجة الحرارة في الشتاء إلى 36 درجة تحت الصفر. وكان ذلك بمثابة صدمة بالنسبة إلي".

وقضى طه 6 أشهر في أحد مراكز استقبال اللاجئين، وشهرين في مركز آخر قبل أن يقابل رحمن ولاهتي.

يقول طه "بدلاً من عدم القيام بأي شيء، أتعلم في الوقت الحالي لغة البرمجة لمدة 8 ساعات في اليوم. لم أكن أعرف شيئاً، ولم يكن لدي أي خبرة سابقة عن الترميز. لكنها فرصة مدهشة".

وقد أجرى طه مقابلتين مع شركتين، وهو الآن في انتظار الرد، حيث أوضح قائلاً "إن الدورة التدريبية تعد فرصة عظيمة لاختصار الوقت، ربما اختصرت عامين أو ثلاثة أعوام من أجل الحصول على حياة معقولة. فالأمر يستغرق عاماً للحصول على تصريح إقامة، وربما عامين لتعلم الفنلندية والحصول على وظيفة".

وأضاف أنه على الرغم من ذلك "فإن الأمر له معنى كبير لدينا نحن الذين تركنا منازلنا، وبلادنا، وأشغالنا، وشهاداتنا، وحياتنا خلفنا. نحن الذين لا نملك شيئاً، فإنه يعني أننا يمكننا حقاً أن نبدأ في تنفيذ شيء جديد، وهو شيء ذو قيمة".

أما نزار رحمي (26 عاماً)، أحد خريجي البرنامج، فقد وصل إلى فنلندا منذ ثلاثة أشهر بعدما فرّ من دمشق مع زوجته ليديا، عندما دُمر منزل والديها إثر انفجار، وذلك في شهر ديسمبر/كانون الأول 2015.

ويعد رحمي مهندساً معمارياً، حيث كان متخصصاً أيضاً في مجال الرسوم المتحركة وتطوير الألعاب الإلكترونية في سوريا، وقد وصل إلى فنلندا عبر روسيا، وكان يأمل في بداية الأمر "أن يستكمل دراسته في تكنولوجيا المعلومات. لذا فإن تلك الفرصة كانت مدهشة"، حسبما يقول.

ويعمل رحمي في الوقت الحالي مطوراً مبتدئاً في شركة "نورد" للبرمجيات، والتي ستساعده للحصول على وظيفة بدوام كامل وأجر كامل أيضاً، حيث يصف الأمر "حياتي قد تغيرت. فمنذ ثلاثة أشهر لم أكن جزءاً من المجتمع، وكنت في مركز استقبال اللاجئين لا أستطيع القيام بأي شيء، وكنت محبطاً. أما الآن، فأنا أتعلم وأعمل.. وأندمج. إنني أعود إلى صدر العالم".

يقول رحمن إن المشروع "يساعد في إتمام عملية الاندماج، والمبادرة تعد فرصة يفوز فيها كل الأطراف. فبالنسبة للمجتمع، تحتاج تلك الوظائف إلى من يشغلها، وأنه كلما تمت عملية اندماج اللاجئين في المجتمع أسرع وكلما صاروا يسهمون اكثر في المجتمع، فإن ذلك يكون أفضل للجميع.

أما بالنسبة للاجئين، فإنهم يستطيعون في الحقيقة أن يبدأوا في بناء حياة جديدة لهم، فقد عبروا إلى أوروبا من أجل أن يفعلوا ذلك لأنفسهم".

-هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطا. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.