عادل إمام.. من "كومبارس" ننتظره إلى حضور "ثقيل الدم"

تم النشر: تم التحديث:
ADEL EMAM
Anadolu Agency via Getty Images

يحلّ الفنان عادل إمام ضيفاً على الجمهور في رمضان بفريقه المعتاد من الممثلين وصنّاع الدراما في مسلسل "مأمون وشركاه، وفي هذا التقرير يسجّل الكاتب والسيناريست حكم البابا رأيه حول مسيرة الزعيم الذي يراه بدأ "كومبارساً صغيراً" ينتظر الجمهور ظهوره وصولاً إلى نجم على المعاش له حضورٌ ثقيل الدم في الأعمال الأخيرة.. وبين هذا وذاك يتوقف عند علاقات الرجل بجمهوره وزملائه وبالكتاب والمخرجين وعلاقته بالسياسة. إلى أي مدى تتفقون أو تختلفون مع ذلك؟

بدأ عادل إمام كومبارساً صغيراً ينتظر المشاهد ظهوره أكثر من انتظاره لظهور النجم، وانتهى نجماً يُسخّر كل إمكانياته وخبرته كي لا يضيع في حضور كوميديان كومبارس يُطل معه في المشهد، والدم الخفيف والحضور المحبب الذي تميّز به في المشاهد القليلة التي كان يؤديها كمهرج مساند في أعماله الأولى تحوّل إلى حضور ثقيل الدم في أعماله الأخيرة، يكرر فيها مجموعة الكليشيهات الحركية التي اعتمد عليها خلال تاريخه الطويل، وأضحك بها جمهوره لسنوات، لكنها تحوّلت بفعل الزمن والشيخوخة وتغيّر مزاج المشاهدة واختلاف الأجيال إلى حركات بالكاد تثير شفةً مقلوبة.

وبإصرار المتقاعد الذي لا يريد أن يعترف أنه كبر وأن الزمن تغيّر، استمر عادل إمام ولما قبل سنوات فقط في أداء دور الشاب والحبيب والعاشق الولهان، وسواء في أدوار الرجل العانس الأعزب أو الأرمل صاحب الأبناء ( بخيت وعديلة بأجزائه، وعريس من جهة أمنية، والسفارة في العمارة، والتجربة الدنيماركية، ومرجان أحمد مرجان، وبوبوس) كان يعاند الاعتراف بعمره، ويُفضل أن يلعب أدواراً متصابية أقل واحد منها يصغره بربع قرن، ربما لأن الكوميديا هي فن الشباب وعدوة سن الشيخوخة، وهي عقدة حكمت كل ممثلي الكوميديا عالمياً وعربياً تقريباً.

خلال مسيرته الطويلة منذ أوائل ستينيات القرن الماضي انتقل عادل إمام بين أكثر من نوع كوميدي، فبدأ مُهرّجاً ثانوياً يظهر في مشاهد قليلة لمنح الفيلم طابعاً مرحاً، ثم انتقل إلى دور الشريك في البطولة في الأفلام الكوميدية التي كانت تعتمد على بطولات جماعية، تقاسمها مع نجوم أزمان مختلفة من حسن يوسف إلى سمير صبري إلى سعيد صالح وسمير غانم وغيرهم، لينتقل بعدها إلى دور البطولة المطلقة مع نجمات السينما المصرية، وربما تكون يسرا أشهر وأكثر ممثلة شاركته بطولة الكم الأكبر من أفلامه.

استخدم عادل إمام السياسة واستخدمته، لتحقيق مكاسب متبادلة بينه وبين السلطة المصرية، فاستفادت من نجوميته في تمرير رؤيتها تجاه الإرهاب والجماعات الإسلامية (الإرهابي_ طيور الظلام)، واستخدم شهرته للحصول على الهامش اللازم لنقد تصرفات ومسؤولين وأخطاء (إحنا بتوع الأتوبيس، الإرهاب والكباب، اللعب مع الكبار، الواد محروس بتاع الوزير، وبعض أجزاء مع بخيت وعديلة).

سطوة النجومية وقفت دائماً حاجزاً بينه وبين التعامل مع مخرجين مهمين في السينما المصرية، فباستثناء تجربته في (الحريف) مع محمد خان، و(الأفوكاتو) رأفت الميهي، اختار كل مخرجي أفلامه من مخرجي الكوميديا التقنيين الذين يعملون لخدمة صورته ونجوميته وتكريسها شعبياً، فقد كان إيراد الفيلم في الصالات وإقبال الناس على حضوره، وما يزيده ذلك على أجره في الفيلم التالي هو كل ما يطمح إليه، ولم يكن معنياً في يوم من الأيام بالمخرجين أصحاب المشاريع السينمائية وجوائز المهرجانات واعتراف النقاد ومقالات التقريظ والمدح.

بالنسبة لكتّاب السيناريو كان الأمر مختلفاً، فمنذ أن أصبح بإمكانه الاختيار ولديه حرية الرفض والقبول، تعاون عادل إمام مع أغلب كتاب السيناريو الذين استطاعوا خدمة نجوميته، وأبرزهم لينين الرملي ويوسف معاطي لكن أشهر تعاون له كان مع وحيد حامد وهي تجربة لم تثمر أكثر من ثلاثة أفلام (اللعب مع الكبار، والإرهاب والكباب، وطيور الظلام)، لأن عادل إمام كان يفضل دائماً المؤلف الشغّيل عنده مثل المخرج، وليس الند.

في التلفزيون كان عادل إمام دائماً أقل شعبية من السينما، بسبب نوعية النصوص التي اختارها، وبسبب امتداد زمن حلقات المسلسل وطولها الأمر الذي يجعل جرعة الكوميديا أخف من الفيلم ذي المدة المحددة، ولم يكن المسلسل هو النوع الفني المفضل لديه، إلاّ في أعوامه الأخيرة بعد أن خف الطلب عليه في شباك التذاكر، وتحوّل إلى ممثل يؤدي دوراً في عمل تلفزيوني جماعي يمكن أن يؤديه سواه، والسبب الوحيد الذي يجعل المنتج يفضله على سواه هو الاستفادة من ضحكة لا تزال عالقة في زاوية ما من زوايا ذاكرة المشاهدين عندما يمرّ اسم عادل إمام.

من بين أعماله الفنية ربما يكون المسرح الذي قدّمه عادل إمام كبطولة جماعية أولاً في (مدرسة المشاغبين 1973) ثم في عروضه الأخرى (شاهد ماشفش حاجة 1976، الواد سيد الشغال 1984، الزعيم 1993، بودي غارد 1999) التي أدى فيها أدوار البطولة المطلقة إلى جانب ممثلين مساعدين، واستمرت عروضها لسنوات، هي أكثر الأعمال التي بقيت وستبقى لوقت طويل في ذاكرة المشاهدين وفي تاريخ المسرح الكوميدي ليس في مصر فقط بل وعلى مستوى العالم العربي، مثلها مثل صاحبها الذي استمر لثلاثة عقود مرةً برضى المشاهدين وقبولهم ووسط تصفيقهم وعلو صوت ضحكاتهم، ومرةً بالعافية والتخجيل واحتراماً لتاريخه، متربعاً على عرش الكوميديا العربية، ومفصلاً أساسياً وربما واحداً من أهم نجومها عبر تاريخها..