فنادق الأشباح.. هكذا تحوّلت المنتجعات الفاخرة على الشواطئ المصرية الرائعة بعد إنهيار السياحة

تم النشر: تم التحديث:
TOURISM IN SOUTH SINAI
Ed Giles via Getty Images

منتجع صدفة البحر The Seashell منتجعٌ ذو أحلام وطموحات عريضة بشققه الفندقية وشاليهاته ومسابحه وباراته التي تتسع لمئات النزلاء، وبقببه وشرفاته ذات الأعمدة التي تطل على البحر الأحمر والسعودية، تشرق الشمس كل صباح على الشواطئ والساحل الجبلي لتصبغها بحمرة ذهبية تنضح بها مياه الخليج لتنسكب على رمال الشطآن البيضاء الشاسعة.

"فندقي سيكون مميزاً" بهذه الكلمات صرح لصفحة موقع كوارتز علي خليل، رجل الأعمال صاحب المشروع الطموح الذي يتابع قائلاً "سيضم مسبحاً ومنتجعاً ضخماً، وسيبدو في منتهى الجمال ذات يوم."

لكن ذلك اليوم لم يحن بعد، فأعمال بناء مجمع صدفة البحر الواقع على الشاطئ الجنوبي لشبه جزيرة سيناء متوقفة منذ سنوات؛ الشاليهات أسمنتية العظام دون كساء، تخبزها في كل يوم حرارة الشمس اللاهبة كأنها قطع فخارية عارية عن الزخرفة.

أما المسبح فحفرة تطل من أطرافها مصابيح إضاءة؛ لا نزلاء ولا سياح، بل كلاب ضالة تعوي، وموظف واحد بدوام كامل ما هو سوى الحارس الذي يقضي جل وقته في الاعتناء بحديقة فاكهة تنمو بها أشجار المانجو والبرتقال والليمون.

لو كانت هذه حالة فردية لقلنا إنها مجرد حظ عاثر لا أكثر، لكن ماذا لو عرفتم أن منتجع صدفة البحر هو أحد الأمثلة على المدن السياحية غير المكتملة والخاوية على عروشها والتي تمتد بالعشرات على طول الساحل الجنوبي الشرقي لسيناء (200 كم)؟ مدن الأشباح الفندقية هذه والأشبه بالأطلال أو الخرابة هي نتاج انهيار قطاع السياحة المصري بعد ثورة 2011 والفوضى السياسية والهجمات الإرهابية التي أعقبتها.

لكن مجرد حقيقة أن هذه المدن الخاوية قد بنيت إنما يدل على جشع وعجلة وإهمال الحكومة المصرية لسكان شبه جزيرة سيناء المحليين البدو ، وفقاً لتقرير نشره موقع كوارتز


موت الحلم البدوي


من تحت خيام وشوادر وقباب مخيمه الشاطئي يخطو مسلّم فرج ماشياً نحو قيعان مدن الأشباح الخاوية مثل مشروع "صدفة البحر" و"جنة الخليج" و "ديسول" حيث تتقاطع الجدران العارية مع الطرقات غير المعبدة.

لكن فرج نصب أراجيحه الشبكية ومظلاتها بعيداً عن الفنادق قبالة الساحل. يقول فرج فيما يومئ بيده إلى مكان ظليل في المباني الأسمنتية "أرى أن هذه الأبنية تشوه جمال المكان والمنظر. لقد أخذوا الأرض التي هي أرضي لكنهم لا يستعملونها."

العديد من البدو مثل فرج كانوا يفضلون أن تتحول سيناء إلى قبلة للسياحة البيئية؛ فقبل بداية حمى بناء الفنادق كان الشاطئ يكتظ بالسياح والمتجولين الذين يدفعون 10$ دولارات في الليلة للمبيت على الشاطئ، وكانت عائلات بدوية تقطن سيناء منذ قرون هي التي تدير تلك المخيمات الشاطئية.

في تسعينيات القرن الماضي بنى فرج مخيماً شاطئياً سابقاً أسماه "الحلم البدوي" ليتوج به طموح حياته في استغلال معرفته بالسياحة البيئية لكي يؤسس جنة المتجولين الرُّحّل تلك.

شيئاً فشيئاً بدأ نجاح البدو يجتذب المستثمرين لبناء فنادق، لكنهم نادراً ما استعانوا بالبدو في عملهم، بل باشروا بأعمال البناء على أراضٍ كانت القبائل تعدها ملكاً لها بغية التنافس مع فنادق أخرى.

فمثلاً بين عامي 1992 و2007 أعطيت كل أراضي شرم الشيخ –التي هي في أساسها قرية بدوية تحولت لاحقاً إلى بلدة ومنتجع صاخب متمدد – لمستثمرين مصريين وأجانب، فيما أزيح البدو جانباً وأبعدوا إلى الصحراء.

نشبت نزاعات بين المستثمرين الجدد وبين السكان المحليين لم تكن تنتهي على خير في كثير من الأحيان، واضطر كثير من المستثمرين إلى استئجار حراس أمن أو توظيف بعض أفراد القبائل المحلية لتأمين المنشآت. لكن مع ذلك لم تعوض النقود التي حصل عليه البدو شيئاً من التهميش الذي تعرضوا له وشعروا به.

أما "حلم البدوي" فقال فرج أن الحكومة دمرته بجرافاتها ما إن بدأ العمل لإنشائه، وذلك بحجة أنه لم يحصل على الترخيص المطلوب لإنشاء مبنى. "لقد دمروا الحلم كله" يقول فرج في حسرة.


ما بعد الثورة


عندما بدأت الثورة المصرية أول عام 2011 هرب السياح المذعورون من شرم الشيخ، ومن يومها لم تستعِد المدينة تلك الأعداد من السياح مرة أخرى، ففي 2012 انخفضت معدلات السياحة في مصر بمقدار الثلث، ومع بداية هذا العام قدرت خسائر مصر بـ170 مليون دولار شهرياً فيما انخفضت أعداد السياح بمقدار 85%.

وتضررت السياحة في سيناء إلى حد كبير بسبب الهجمات الإرهابية شمال شبه الجزيرة، ففي أكتوبر/تشرين الأول 2015 وبعد سقوط طائرة روسية مقلعة من شرم الشيخ بفعل فرع من تنظيم داعش بدأت الدول الأجنبية بإيقاف رحلاتها إلى المنتجع وبتحذير سياحها من زيارة سيناء.

تحذيراتٌ ذكرت الكل بصيف أعوام 2004 و2006 حين قتل أكثر من 125 شخصاً في تفجيرات في منتجعات جنوب سيناء المكتظة، والتي حينها تناول المحللون والمراقبون الأخبار للوقوف على أسباب العنف.

فدمج سيناء بمصر لطالما كان إشكالاً، حيث كانت المنطقة خاضعة لاحتلال إسرائيل بين عامي 1967 و1979، كما أن البدو المحليين كثيراً ما يجدون أنفسهم مستثنيين من الفرص الاقتصادية الموجودة في مصر بل وحتى في سيناء نفسها. أما شمال سيناء فمهملٌ إلى حد كبير بعيداً عن كل منافع السياحة والمساعدات التي يتمتع بها الجنوب، وتهميشه هذا هو أحد أسباب اندلاع العنف.


ضد الإرهاب


رغم التراجع في السياحة إلا أن جنوب سيناء لم يسقط في فخ التطرف بقدر الشمال؛ ويقول مهند صبري الخبير في شؤون سيناء إن البدو في جبال وشواطئ البحر الأحمر يعملون لتأمين المنطقة ضد الهجمات الإرهابية، لكنه كذلك يقول "لم يسبق إشراك البدو مشاركة فاعلة من قبل في اقتصاد جنوب سيناء السياحي ولم ينظر إليهم قط على أنهم الأجدر بجني ثمار هذه المنافع."

دهب منتجعٌ هادئ للغطس يؤمه السياح والمتجولون من ذوي الميزانية الضيقة، وهناك نلحظ صغر الهوة بين المنتجعات وبين مخيمات الشاطئ، فكلٌ من البدو ورجال الأعمال المصريين أو الأجانب يديرون فنادق بسيطة للمتجولين الرحل في مناطق متعددة من البلدة. لكن معظهم يائس هذه الأيام، فالعام الماضي راوحت معدلات إشغال الغرف مكانها بمقدار 30%، وبعد سيل جارف من الأزمات باتت البلدة محاطة من كل جهاتها بفنادق خاوية غير مكتملة البناء، معظمها أكثر طموحاً من فندق صدفة البحر وفي حالة رثة أكثر منه.

يقول تيتو الذي هو مدير لأحد الفنادق المحلية جاء من مصر قبل 15 عاماً ليؤسس حياته في دهب "هناك مرحلتان لنا أن نتحدث عنهما: ما قبل وما بعد عام 2011. قبل ذلك العام كانت السياحة عامرة كلها كدح وعمل ونشاط على مدار 18 ساعة في اليوم؛ كانت التجارة رائجة بل وممتازة.

أما بعد الثورة الثانية فصارت أشبه بصوت نفير حاد يحذر العالم "لا تذهبوا إلى مصر ولا لسيناء!" فالمكان خوى فجأة وما عاد أحدٌ يأتي."

يقضي تيتو معظم ساعات عمله الطوال في الفندق ومطعمه الساحلي ينتظر الزبائن، وعند الاستراحة يتمشى على الشارع الرئيسي المنحني الذي يأخذك بعيداً عن الفندق مسافة 10 دقائق ترى فيها مباني تتدرج في رثاثة حالها وتدهورها حتى تقودك إلى ملهى ليلي محروق كان في ما مضى مكاناً احتفالياً صاخباً لكل الحفلات.

ولو تابعت المسير لوجدت مباني أخرى مهجورة و نصف مكتملة ذات أبعاد وأحجام ضخمة، من مجمعات في وسطها صناديق على قوائم صخرية هي في الحقيقة شقق فندقية باتت الآن أشبه بمباني مخلوقات فضائية منها إلى أرضية.

ترى كذلك سيارة مركونة في ظل مبنى وقد جلس وراءها شابان يدخنان، فيما يعدو كلب ضال وراء تيتو الذي يتابع المسير وسط الخراب.

لقد غادر الكثير من العمال منتجعات جنوب سيناء، لكن تيتو يقول أنه سيصمد حتى عودة السياحة إلى دهب، إذ يقول أنه قد مرّ بأوقات عصيبة من ذي قبل وأن المنطقة كانت دوماً تسترجع عافيتها، وخليل في مشروع صدفة البحر يقول الشيء ذاته.

وعلى مقربة منهما فرج هو الآخر يأمل أن تنحسر موجة العنف وأن يعود السياح للإقبال على المنطقة من جديد، لكن بالنسبة له فإن مستقبل السياحة هنا لا يكمن في المنتجعات الفاخرة، بل في أحضان الجبال والشواطئ، وإلى جانب مخيمه الشاطئي يعمل فرج أيضاً على تطوير مشروع له في أعلى الجبال حيث سيتسنى للسياح الاقتراب من الطبيعة والاغتراف من بيئة سيناء لمعرفة المزيد عنها.

ويختم فرج قائلاً "نريد تطوير سيناء لكن بطريقة ذكية، إن هذا الخليج واحدٌ من أجمل المناطق، ولا بد من تسويته وتنظيفه وتلميعه كي يبدو جميلاً، وليس مثل المنشآت التي أرادوا تأسيسها."

- هذا المقال مترجم عن موقع Quartz . للاطلاع على المقال الأصلي اضغط هنا.