رجل روسيا الشجاع في أوكرانيا يتوقع ثورة ضد بوتين.. ويشرح الأسباب

تم النشر: تم التحديث:
BWTYN
social media

قبل عامين اشتهر اسم إيغور ستريلكوف بفضل بطولاته في التوغل الروسي شرق أوكرانيا، فبشاربه الرمادي المشذب وحبّه للاقتداء بالتاريخ وتكراره، قاد ستريلكوف حملة السيطرة على بلدة سلافيانسك في أبريل/نيسان 2014، تلك الحملة التي كانت فاتحة لكل الحرب التي عمّت أنحاء المنطقة.

في كييف كانت صورته صورة مجرم الحرب الدموي المتعطش للدماء، وعميل الكرملين الذي أرسلته موسكو ليعيث الفساد في أوكرانيا، أما في بلده روسيا فكانت صورته صورة بطل عسكري مقدام يقود الثوار المحليين في معركتهم ضد كييف، تراه منطلقاً كالسهم في ممرات معقل قوات الثوار في دونيتسك، على خاصرته مسدس ستيتشكن في محفظة خشبية عتيقة، بينما يحيطه من اليمين واليسار رجال أمنه الشخصيون المدججون بالسلاح، وفق ماجاء في الغارديان.

لكن الآن وبعد عامين اختلفت صورة البطل الصنديد بعد مقابلة أجرتها معه الغارديان البريطانية في مكتبه الصغير الكائن في موسكو ونشرتها في 5 يونيو/حزيران 2016، فقد ظهر في زيّ مدني وقد زاد وزنه قليلاً، كما ظل طيلة المقابلة يربت على قط ضخم عبوس أمامه على المنضدة، أما كلامه فبالفعل لقد صعّد ستريلكوف في الأسابيع الأخيرة من حدة لهجته تجاه الكرملين رغم أنه ما عاد محاطاً بجيش كبير يحمي ظهره.


انهيار النظام الروسي


قال ستريلكوف: "لقد اتخذ بوتين ومن حوله خطواتٍ أرى أنها ستؤدي إلى انهيار النظام في نهاية المطاف، لا نعرف بعد كيف سيكون ذلك ولا متى، لكننا متأكدون من أنه سينهار عاجلاً غير آجل".

سحب الكرملين بطله من شرق أوكرانيا في أغسطس/آب 2014 لأنه بات عبئاً على السلطات الروسية، من بعدها وجد ستريلكوف نفسه في منطقة رمادية لم يألفها، لا مسموحٌ له بالعودة إلى ساحة الحرب، ولا مسموحٌ له الظهور في الإعلام الحكومي. مكث على هذه الحال عامين في حالة كمون وهدوء، بيد أن بطل البارحة الشجاع ورمز القضية الروسية خرج الأسبوع الماضي عن قالبه ذاك ليعلن وبشدة انتقاداته للرئيس فلاديمير بوتين ويتنبأ لروسيا بانهيار وثورة دامية في المستقبل القريب.

s

ويرى ستريلكوف (اسم عائلته الحقيقي هو غيركين، فيما ستريلكوف هو لقب روسي يعني "القناص") أن بوتين تردد في اللحظة الحاسمة عام 2014 خوفاً من قطع العلاقات الروسية مع الغرب إلى الأبد. وقال ستريلكوف الرجل الوطني الراديكالي الذي يرى أن على روسيا احتلال كل أرض تعيش عليها الإثنية الروسية، والذي يرى كذلك أن الأوكرانيين ما هم إلا "روس يتحدثون بلهجة مختلفة"، قال إن الخطأ الفادح الذي ارتكبه بوتين آنذاك كان توقفه عند احتلال القرم وحسب.

وتابع: "لقد وصل إلى نقطة اللاعودة، بيد أنه جمد مكانه على غير المتوقع وغير المنطقي. لم يتراجع، لكنه لم يتقدم كذلك. لا أفكار لديه ويبدو أنه ينتظر مجيء معجزة ما، فهو عالق وسط مستنقع".


عمليات إعدام


وستريلكوف الذي درس التاريخ ويرى قدوته في الضباط البيض الذين حاربوا البلشفيين في الحرب الروسية الأهلية موضوعٌ على قوائم العقوبات الدولية بسبب دوره في حرب أوكرانيا، والأسبوع الماضي، قدم عضو البرلمان البولندي مالغورزاتا غوزيفسكا تقريراً لمحكمة العدل الدولية في لاهاي حول جرائم الحرب التي يدعي أن ستريلكوف ارتكبها، راجياً البدء في مساءلته.

ولا ينفي ستريلكوف أنه أعدم أناساً عقوبة على السرقة والنهب، لكنه يبرر أحكام الإعدام هذه بأنها جميعها قانونية طبقاً لقانون سوفييتي متعلق بسير العدالة في وقت الحروب؛ إذ قال: "لم يكن هناك سواي لعقد المحاكم، ناهيك عن تنفيذ أحكام الإعدام بحق المحكومين. كنا 3 قضاة أنا ومدعٍ عام عسكري ومحامٍ، وأصدرنا أحكاماً بالبراءة كذلك".

وتابع: "في الظروف العسكرية التي تغيب فيها صرامة الانضباط ويغيب سيف العدالة يصبح الوضع عصياً على السيطرة، لكن الأمر لم يكن كذلك عندما كنت قائماً في القيادة، فقد كان كل جندي على علم بأنه إن اقترف جرماً ما فسيلقى عقابه الرادع دون هوادة أو رحمة كأنه عدو، لا بل ستكون العقوبة أشد من العدو، وهذا ما ساعدنا كثيراً في فرض الانضباط".

ليس واضحاً إلى أي حدٍّ كانت تحركات وأفعال ستريلكوف في أوكرانيا منسقةً مع الكرملين، ففي أثناء حرب ضم القرم كانت العمليات العسكرية الروسية التي شارك فيها ستريلكوف منسقة بدقة، بيد أن البعض يزعم أن دور ستريلكوف تحول إلى ارتجالٍ مع انتقال ساحة القتال إلى شرق أوكرانيا، حيث ظل ستريلكوف على اتصال مع رؤساء ومسؤولين في موسكو، غير أنه لم يكن يتلقى تعليماته وتوجيهاته منهم مباشرة.

فبعدما خدم في الحرب جندياً متطوعاً في حربي ترانسنيستريا والبوسنة أوائل التسعينيات وبعدما خدم بصفة ضابط في الأمن الروسي الفيدرالي في حربي الشيشان، يزعم ستريلكوف أنه تقاعد عن الخدمة "بعد نزاع شخصي" نشب عام 2012 رفض أن يدلي بمزيد من الإيضاحات عنه.

"لقد كنت رجلاً مستقلاً إلى حد كبير"، هكذا تحدث الرجل عن نفسه وعن دوره شرقَ أوكرانيا، حيث قال إنه استغل كل معارفه واتصالاته ليطالب بغزو روسي كامل، لكنه لاحقاً أدرك أن هذا بعيد المنال.

نفت روسيا كل تورّطها في أوكرانيا مع أن بوتين كان قد أقرّ في ديسمبر/كانون الأول 2016 بوجود "أناس ينفذون مهام محددة" في المنطقة. ورفض ستريلكوف نفسه التعليق على مدى التورط الرسمي الروسي، مكتفياً بالقول: "لكم حرية الاستنتاج بأنفسكم".

الأدلة سافرة على الدعم الروسي المادي والعسكري للثوار وللجنود الروس النظاميين الذي دخلوا الحرب في لحظاتها الحاسمة؛ وكذلك ادعت بعض مصادر الثوار أن سحب ستريلكوف المتقلب في أفعاله كان أحد الشروط المسبقة التي اشترطها الكرملين قبيل إرسال الجنود خلسة لإلحاق الهزيمة الساحقة بالأوكرانيين في معركة إيلوفايسك.


بطل أم إرهابي


فمنذ جاء قرار سحبه من أوكرانيا في أغسطس/آب 2014 واسم ستريلكوف موضوع على "قوائم الموقوفين" في الكرملين، وهي قوائم غير رسمية ممنوع على المدرجين فيها الظهور إعلامياً على الهواء في تلفزيون الدولة الرسمي، وتضم اللائحة عادة معظم المعارضة الليبرالية.

"أنا شخص غير مريح بالنسبة لهم ولا يدرون ما يفعلون بي: هل يرون فيّ بطلاً أم إرهابياً؟ لا يمكنهم اعتقالي وحبسي لأن في ذلك رضوخاً للغرب في تصنيفي إرهابياً، لكن تكريمي كذلك ليس مناسباً بالنسبة لهم، ولهذا أنا موضوع في هذه الخانة الغريبة".

وكذلك اشتكى أحد زملائه من أن لا أحد يرغب بالتحدث مع القائد السابق في مقر عمليات دونيتسك، بل حتى أن الصحفيين المهتمين بأمره اتصلوا به لاحقاً ليخبروه بأنه قيل لهم إنه من الأفضل عدم التحدث معه.

يقول ستريلكوف: "لا تريد السلطات سياسيين مستقلين أو أناساً أحرار الفكر بغضّ النظر عن المعسكر الذي ينتمون إليه، بل حتى أنهم لا يريدون مؤيدين لهم من ذوي الفكر المتحرر". ويفوح بيانه الرسمي الصادر الأسبوع الماضي بمزيج من الوعود الليبرالية بحرية التعبير والانتخابات الحرة مع كثير من اللهجة الإمبريالية المنادية إلى توسيع رقعة الأراضي الروسية وحماية الروس في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق.

ويقول إيغور بروسفيرنين الذي يدير صفحة مدوّنة وطنية الذي وقع مع عددٍ من الوطنيين الآخرين على بيان ستريلكوف: "قد نبدو أشخاصاً مهمشين، لكن البلشفيين لم يحتاجوا أكثر من 1% من الشعب كي يغيّروا وجه الأمور عام 1917، فالأمور قد تتغير بسرعة هائلة جداً".

بالفعل يبدو ستريلكوف ومجموعته من المدوّنين الوطنيين وبعض الوجوه السياسية الهامشية مغيبين مهمشين، لكن الروح الوطنية قوةٌ سياسية جبارة في روسيا، ويتساءل كثيرون: هل تنطفئ بسهولة ألسنة اللهب التي اشتعلت عام 2014 شرق أوكرانيا بمحاولات الكرملين الآن لإيجد حل دبلوماسي يمنحها النفوذ في الساحة الأوكرانية؟

أليكسي نافالني، سياسي معارض ومنظم حملة ضد الفساد، قال: "الكرملين مذعور من الوطنيين لأنهم يستخدمون نفس اللهجة الإمبريالية التي يتحدث بها بوتين لكنهم يجيدونها أفضل منه، ولهذا تجد وطنيينَ يقبعون في السجن حتى من بين مؤيدي بوتين. لقد قصدوه ليقبلوا قدميه فرفسهم وركلهم بعيداً".

آخرون يقولون إن شخصاً كستريلكوف عاش أوج مجده وشهرته بضعة أشهر عام 2014 محكومٌ من الآن وصاعداً بالبقاء على الهامش، إذ يطوف البلاد ليلمّ مجموعات الوطنيين الصغيرة ويتحدث إليهم، غير أنه ليس من الوارد أن يكسب أي دعم أو تعاطف خارجي. ويقول ستريلكوف إنه لا يخطط لخوض انتخابات، بيد أن زمانه قد يرجع من جديد.

ويختم ستريكلوف: "لا نخطط لإطلاق ثورة تطيح بفلاديمير بوتين، فالآن وبعدما خضت غمار 5 حروب صرت أعرف تماماً ماذا يعني انهيار السلطة والبنى التحتية الاجتماعية في المدن الكبرى. لا أحد يريد ذلك بمن فيهم أنا، لكن من سوء الحظ أنه قد لا نجد مهرباً من ذلك".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على النص الأصلي يرجى الضغط هنا.