ثلاثي يرعب فرنسا قبل 96 ساعة من كأس أوروبا.. تحولت من بطولة منتظرة إلى كابوس مخيف

تم النشر: تم التحديث:
FRANCOIS HOLLANDE CONCERN
social media

بينما تقترب كأس أوروبا لعام 2016، تُعاني فرنسا – الدولة المستضيفة - من إضرابات عنيفة، وظروف جوية غير اعتيادية، ومُناخ متزايد من الامتعاض.

يفصلنا أقل من أسبوع عن بداية كأس أوروبا لكرة القدم لعام 2016، حيث من المفتروض أن تتعالى صيحات التشجيع للديوك الفرنسية مرددة: "هيا أيها الزرق"، لكن بدلاً من ذلك، يسود فرنسا مُناخ من الكآبة مع قرب العد التنازلي لأول مباراة في البطولة الأوروبية يوم الجمعة القادم 10 يونيو/حزيران 2016، حسب تقرير لصحيفة "الغارديان" البريطانية.

يرجع هذا المناخ السيئ إلى الظروف الجوية والسياسية القاسية التي تشهدها البلاد، حيث يستمر القلق من الهجمات الإرهابية منذ عدة أشهر، وصاحب ذلك هطول الأمطار الغزيرة على البلاد مؤخراً، حيث اجتاحت الفيضانات منتصف أوروبا، بما فيها القلب منها وهي فرنسا، وفاض نهر السين على ضفافه، ليشل حركة أجزاء من باريس.

أما السبب الرئيسي لاكتئاب المزاج الوطني في وقت يُفترض فيه الاحتفال، فهو التهديد واسع النطاق للقطاع الصناعي عن طريق الإضرابات، وقطع الطرق، والمظاهرات الصاخبة والعنيفة ضد إصلاحات قانون العمل.


سمعة فرنسا مهددة


وفجأة، تحولت البطولة المنتظرة بفارغ الصبر من كونها فرصة لفرنسا لتتفاخر بنفسها إلى حدث يُخاطر بسمعة مبتذلة عن الدولة الفرنسية.

"نحن نطلق النار على أنفسنا"، هكذا قال رائد الأعمال سابين بيترز لـ"الأوبزرفر" الأسبوع الماضي. كما أضاف: "يظن الكثير من الناس: أوه، الفرنسيون، إنهم دائماً مضربون. وها نحن على بعد أيام من الأمم الأوروبية، الحدث المحبوب الذي نستضيفه.. وهناك إضرابات. مجتمع كامل اتُّخذ رهينة من قبل مجموعة قليلة العدد نسبياً تُحركهم مصالح ذاتية. إنه شيء محزن، خاصة في ظل مؤشرات تشير إلى أن الاقتصاد كان على وشك التعافي".

يُذكر أنه في مارس/آذار 2016، شهدت فرنسا صدامات عنيفة بين الشرطة والمتظاهرين، وإضرابات بسبب تعديلات مقترحة لقانون العمل. وأصيب العشرات من كلا الجانبين في هذه الهجمات التي صدمت شراستها الشعب الفرنسي.

يقود الإضرابات اتحاد العمل العام CGT القوي، وهو أكبر وأقدم النقابات الفرنسية، وهدفه الوحيد هو إلغاء القانون الجديد. لهذه الغاية قام الاتحاد بتنظيم اعتصامات الموانئ، ومحطات الطاقة، ومستودعات الوقود، ما أدى لمخاوف من نقص محتمل في الوقود، وانقطاعات في الكهرباء، بالإضافة لإضرابات سائقي القطارات، وموظفي النقل.

ومع اقتراب بطولة أمم أوروبا 2016، اتخذ الحراك في فرنسا زخماً، وأضحت دوافعه أكثر تنوعاً. كما أعلن طيارو شركة "Air France"، الذين يتلقون أجوراً جيدة، عن إضرابات هذا الأسبوع بسبب الأجور العامة وظروف العمل.

من جانبه اتهم رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس، اتحاد العمال العام، بابتزاز الدولة، لكن جان كريستوف كومبادليز، قائد الحزب الاشتراكي الحاكم، قال إنه لم يصدق "للحظة واحدة" أن الاتحاد كان "يحتجز الدولة من أجل فدية" أو أنه يريد تعطيل المواصلات أثناء البطولة. وحذر من أن "صورة فرنسا في خطر".

وكان رد الفعل من فابريك أنجي - السكرتير الوطني لاتحاد العمال العام - أنه من الأفضل للحكومة أن تصدق ذلك.

وأضاف إنجي لـ"الأوبزرفر": "طلبنا من الحكومة أن تسحب هذا القانون لثلاثة أشهر، قبل اقتراب كأس أمم أوروبا بكثير، لذا فإن الأمر واضح نحن لا نبتزهم بالبطولة. لو كانوا وافقوا على التفاوض، لم نكن لنصبح في هذا الموقف، لكن يورو 2016 لن توقفنا عن استكمال حركتنا".


هولاند سيخسر الانتخابات


وكان اتحاد العمال العام قد نادى بيوم وطني للتحرك في 14 يونيو/حزيران 2016، وذلك بعد 4 أيام من افتتاح البطولة، وهو اليوم التالي لفتح النقاش في مجلس الشيوخ الفرنسي، الذي ستحاول فيه الأغلبية من اليمين الوسطي إجراء تعديلات على القانون – مثل اقتراح بإنهاء حد الـ35 ساعة عمل أسبوعياً – الذي أسقطته الحكومة لاسترضاء النقابات.

وتأتي هذه الاضطرابات المحلية قبل بداية الانتخابات الرئاسية التي تبدو فيها فرص فوز فرانسوا هولاند منعدمة، وفي ظل أرقام تشير إلى احتمالية خروج فرنسا من الأزمة الاقتصادية.

وكانت "الإيكونوميست" قالت في مايو/أيار 2016 إن الاقتصاد الفرنسي يُظهر علامات النمو، بالإضافة لوجود "مؤشرات لعودة الثقة".

ربما لا تسير الأمور بسرعة كافية بالنسبة لهولاند والاشتراكيين، لكن مشاكل الثقة بفرنسا أضحت أعمق من معارضة قانون واحد، أو حتى معارضة الحزب الحاكم، أو الرجل الذي في "الإليزيه". فرنسا تمُر بأزمة سياسية وجودية طويلة الأمد، تُلخصها عبارة موروسيه، التي يُستمَع لها عادة وهي: "فرنسا غير سعيدة".

اعترف أنجي بأن عدم الرضا في فرنسا يذهب لأعمق من قانون العمل، وقال: "هذا القانون يعود بنا مرة أخرى 200 عام إلى الوراء، لكن المعركة بلورت الكثير من عدم الرضا في فرنسا، وكشفت عن السقم الموجود. والسبب وراء كثرة المحتجين في الشوارع هو شعور الناس بأن الحكومة خانتهم".

وتابع: "تم انتخاب فرانسوا هولاند على أساس برنامج جناح اليسار، وقال وقتها إنه لا يحب عالم المال، ثم أتى للحكم ودعم رؤساء العمل. المواطن العادي يلاحظ ذلك، ولا يتعاطف مع هذه الحكومة".

مايكل ماندرون (38 عاماً)، مستشار تكنولوجي، يقول: "نحن لسنا سعداء الآن بالفعل، فعلى الرغم من أن الفرنسيين يميلون فعلاً للشكوى، لكن الأحزاب السياسية تطلب منا أن نبذل جهوداً، وهذه الجهود لا تترجم إلى فوائد نلمسها في الحياة اليومية. نشعر بأننا في أزمة دائمة على مدار الـ30 عاماً الأخيرة".

يقول ماندرون، الذي يقدم المشورة للأعمال الصغيرة والشركات الناشئة، إن النقابات والحكومة بعيدون عن الواقع. "الأعمال الصغيرة محاصرة في المنتصف، وممارسات وقوانين العمل الحالية تعمل لإبقاء الشباب خارج سوق العمل، بينما تُولي أولوية لحقوق هؤلاء الذين يملكون عملاً بالفعل".

ويضيف: "كل ما نريده هو مزيد من المرونة، وأن نُترك وشأننا لنعمل ونحاول أن ننجح. بعض رجال النقابات يفضلون القتال للحفاظ على حقوقهم، حتى لو فقدوا كل شيء في النهاية لأن العالم قد تغير. إنهم يفضلون القتال من أجل الحفاظ على ما يملكون دون تغيير، ومن أجل أن يذوق أصحاب العمل كيف يمكن أن تُغلق شركاتهم بكاملها بدلاً من فقدان بعض الوظائف. إنهم يذمون قادة الشركات، لكننا لا نجني جميعاً مرتبات ضخمة ونستغل الموظفين، بعضنا يدفع لنفسه أقل ممن يعملون لديه".


نقابات احتكارية


"أشعر في بعض الأحيان بأن فرنسا لا ترى كيف يتغير العالم من حولها. لدينا سياسيون محترفون لا يعيشون في العالم الحقيقي، ولم يعيشوا قط، يذهبون لنفس المدارس، ويدرسون نفس البرامج التي ظلوا يدرسونها طوال الـ100 عام الأخيرة ليصبحوا قادة وإداريين".

أما بيترز الذي تسعى شركته "جلوس آند بوس" لمساعدة النساء اللاتي أخذن إجازة للعائلة أو لأسباب أخرى، للعودة مرة أخرى لساحة العمل، فقال إن فرنسا تعاني من أزمة ثقة. "إننا ماهرون في الانتقاص من أنفسنا، إننا ندرك ذلك. هناك أزمة حقيقية في أن 8% فقط من العمال ينتمون للنقابات، لكن النقابات لديها سياسيات احتكارية، والسياسيون لا يمكن المساس بهم.

وأضاف: "تسود فكرة الأبوية عن رئيس الشركة، وكذلك رئيس الجمهورية، فهو الأب الذي يرعى الكل. هناك 3 ملايين مشروع صغير ومتوسط في فرنسا، يدار معظمها من قبل رجال. يجب علينا أن نُغير هذه العقلية".


سياسيون فاقدون للمصداقية


وقال أليكسيس بولين، مدير شبكة الإعلام الأوروبية "يورأكتيف" (EurActiv): "لطالما حمل الحوار المجتمعي في فرنسا طابعاً عدوانياً، لذلك نرى استعراضات القوة عبر مظاهرات في الشوارع. لكن أكبر مشكلة في فرنسا هي أن المسؤولين في السلطة لديهم نقص حقيقي في مصداقيتهم. نحن لا نحترمهم بعد الآن".

يوماً بعد يوم، تتوالى السيول التي جعلت التعاسة تُخيم على فرنسا. وفي جنوب باريس، تم إجلاء آلاف من الناس من نيمورس، ومونتاجرس بعدما اجتاحت مياه الفيضان المدينتين، متسببة في 3 وفيات. فيما تركت عشرات القرى دون كهرباء ومياه جارية.

أما في المترو، فتتوالى إشعارات تعطل الخدمات، وتتناوب في إلقاء اللوم على الجو السيئ، هذا بالإضافة إلى تهديد الحركات الاجتماعية بقطع حركة القطارات. ويتساءل مشجعو كرة القدم كيف سيصلون للمباريات التي ستجري في مدن بعيدة عن العاصمة مثل بوردو، ونيس، ومارسيليا.


هل تخسر أوليمبياد 2024؟


هناك ما يقرب من 8 ملايين شخص يُنتظر حضورهم لمباريات كأس أوروبا 2016، ليجلبوا إلى البلاد ما يُقدر بـ1.24 مليار يورو (970 مليون جنيه إسترليني). ستكون عيون العالم مسلطة على باريس، التي تتقدم من أجل استضافة أوليمبياد 2024، وعلى مدن أخرى فرنسية.

في 2005، عندما قدمت فرنسا عرضها للاستضافة –وخسرته لحساب لندن– نظمت النقابات إضرابات ومظاهرات في اليوم المقرر لزيارة أعضاء اللجنة الأوليمبية، وفي ذلك اليوم كتبت الغارديان: "النقابات غاضبة بخصوص خطط الحكومة التي ستؤثر على عدد من القضايا، بما فيها الـ35 ساعة عمل أسبوعية، والوظائف، والمرتبات".

يذكر أن فرنسا كانت تُدار وقتها من قبل حكومة يمينية وسطية. واليوم تُدار من قبل حكومة يسارية وسطية. لقد مر أحد عشر عاماً على ذلك ، لذا يمكن أن يُغفر للفرنسيين العاديين هذا الإحساس الكئيب.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، يرجى الضغط هنا.