مليون ونصف تونسي لم يتذوّقوا طعم اللحم.. ورمضان يعمّق معاناتهم

تم النشر: تم التحديث:
TWNS
أزمة اللحوم في تونس | huffpostarabi

يقف العم نور الدين، في محل جزارته، بسوق باب الفلة الشعبي بالعاصمة تونس، ليهش الذباب من وراء الواجهة الزجاجية لثلاجته المخصصة لعرض اللحوم وبيعها.
هذا الجزار الذي تجاوز عقده الخامس، وامتهن الجزارة منذ طفولته لم يخفِ استياءه من ضعف الإقبال على شراء اللحوم الحمراء.

ويقول إن الزبون أصبح الآن يكتفي بالنظر للحوم المعروضة، والسؤال عن سعرها، ليغادر بعدها السوق إلى وجهة أخرى دون أن يشتري.

ويضيف قائلاً "أيام قليلة تفصلنا عن شهر رمضان، لكن الحركة في سوق اللحوم تقريباً منعدمة مقارنةً بنفس الفترة من السنوات السابقة، ولا تسمع من الزبون سوى كلمات الشكوى والتذمر من ارتفاع الأسعار والجيوب الخاوية".

نورالدين الذي عاصر أجيالاً في أشهر الأسواق الشعبية بالعاصمة، والتي تعد قبلة محدودي الدخل، أوضح أن السنوات الخمس الأخيرة عرفت تراجعاً ملحوظاً في استهلاك اللحوم الحمراء، إذ يعرض التونسي عن شرائها بسبب ارتفاع أسعارها، والتي وصلت لأكثر من 12 دولاراً للكيلوغرام الواحد منها.

ويختم بلهجة ساخرة قائلاً "التونسي واللحوم خطان متوازيان لا يلتقيان، وإذا التقيا فلا حول ولا قوة إلا بالله".


البيض ملاذ الفقراء للبروتينات


تراجع المقدرة الشرائية لدى المواطن التونسي خلال الـ5 سنوات الماضية إلى نحو 40%، أكدتها إحصائيات صادرة عن المعهد الوطني للإحصاء، وسط تحذيرات متواصلة لخبراء الاقتصاد من تآكل الطبقة الوسطى في تونس التي كانت تمثل سابقاً نحو 80% من نسبة السكان لتصبح حالياً في حدود 60%.

وقال سليم بن عبد الله، رئيس المنظمة التونسية للدفاع عن المستهلك التابعة للحكومة، لـ"هافينغتون بوست عربي" إن تواصل ارتفاع أسعار المواد الأساسية كالزيت والسكر والبيض والطماطم المعلبة، ساهم في تعميق معاناة التونسي، وجعله يحجم عن شراء ما يعتبره كماليات، كاللحوم الحمراء، ليعوّضها بالدجاج والبيض.

twns

وأضاف "كمنظمة، لاحظنا ارتفاعاً ملحوظاً في استهلاك التونسيين للبيض خلال السنوات الـ5 الماضية، إذ أضحى رب العائلة مجبراً على شرائه بسبب رخص ثمنه، مقارنة ببقية اللحوم والأسماك، حتى يضمن توازناً غذائياً سليماً لعائلته وأولاده وسفرة تحتوي ولو قليلاً من البروتينات".

بن عبد الله أشار أيضاً لغياب سلوك اللهفة على المنتجات الغذائية قبل أيام من دخول شهر رمضان، والذي طالما ارتبط بالمواطن التونسي، وأرجع ذلك لانهيار المقدرة الشرائية للعائلات التونسية التي أنهكتها مصاريف الدراسة وفواتير الماء والكهرباء.

وأضاف: "هناك نحو مليون ونصف مليون تونسي لم يتذوقوا طعم اللحم منذ أكثر من عام بسبب قلة الإمكانيات، وتواصل ارتفاع هذا المنتج الذي صار في متناول الطبقات الميسورة، وحتى إن تم شراؤه فسيكون مقتصراً على المناسبات".

كما حذر بن عبد الله من المضاربة في الأسواق التي يقوم بها المتحكمون في مسالك التوزيع الذين يحتكرون السلع، إذ وصلت نسبة المضاربة في الأسواق السوداء إلى 60%، وهو ما ينعكس حتماً على ارتفاع أسعار الخضر والغلال وغيرها من المواد، حسب قوله.


مراقبة اقتصادية مكثفة


وحول استعدادات المنظمة لشهر رمضان، قال بن عبد الله أن نحو 600 مراقب اقتصادي بكامل تراب الجمهورية سيقع تجنيدهم لمراقبة الأسعار والتصدي للاحتكار والغش.

وأضاف "انطلاقاً من أول يوم من شهر رمضان، سنقوم كمنظمة بمراقبة مكثفة للأسواق التونسية والمساحات التجارية الكبرى، كما سنخصص حملات لتحسيس (توعية) المستهلك وترشيده، وندعوه للمقاطعة في حال كانت هناك تجاوزات في أسعار بعض المواد الاستهلاكية".


سياسيون بورجوازيون وشعبٌ فقير


بدوره حذر الدكتور حبيب تريعة، المختص في علم النفس الاجتماعي، من انهيار القدرة الشرائية للمواطن التونسي، وأثرها على سلوكه النفسي والاجتماعي، في ظل ارتفاع نسبة الفقر وتلاشي الطبقة الوسطى، مقابل ظهور الطبقة البورجوازية الجديدة بعد الثورة، التي تتعايش من التهريب والمضاربة في السوق السوداء وتجارة السلاح، على حد تعبيره.

كما ألقى تريعة باللوم على الطبقة السياسية التي تحكم اليوم، والتي وصفها بالبورجوازية، محملاً إياها مسؤولية التدهور الاقتصادي والاجتماعي والأمني الذي وصلت له البلاد في ظل غياب رؤية واستراتيجية إنقاذ واضحة.

وتابع "التونسي لا تعنيه الشعارات ولا الوعود السياسية الزائفة التي يطلقها السياسيون فقط في حملاتهم الانتخابية، بل يريد أن يلمس ذلك في جيبه وعلى مائدته".

يذكر أن رئيس الدولة الباجي قائد السبسي قد زار في نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، أحد الأسواق الشعبية بجهة الحلفاوين في إطار اجتماع شعبي لحزبه وتعرّف على مشاغل التونسيين، ووصل به الحد للبكاء بسبب ما سمعه حينها من امرأة جاءت تشكو له ضنك العيش وبأنها لم تتذوّق وعائلتها اللحم منذ نحو3 أشهر، فهل يعلم أن هناك تونسيين لم يتذوّقوا طعمه طيلة حياتهم؟.