لم يتبقَّ سوى 13 معتقلاً.. حملة لجمع التبرّعات لتسديد غرامات معتقلي "يوم الأرض"

تم النشر: تم التحديث:
YWMALARD
يوم الأرض | social media

قبل يومين من بداية شهر رمضان، طُرح سؤالٌ على الشبكات الاجتماعية؛ هل يمكن اعتبار المقبوض عليهم من الغارمين أو ممن يستحقون الزكاة المفروضة في هذا الشهر، أو يستحقون الصدقة التي تتزايد في هذا الشهر؟

لم يكن مجرد سؤال، بل هو اقتراحٌ جديد ربما يخفّف أوجاع المئات من المحبوسين كرهائن حتى يتمكن ذووهم من دفع الكفالات التي حدّدتها المحكمة أو النيابة العامة مقابل إخلاء سبيلهم.

لكن على أي حال ليست هذه المبادرة الأولى، فبعد الحكم الذي أصدرته محكمة جنح مستأنف الدقي - إحدى المحاكم المصرية - الشهر الماضي بتغريم 47 متظاهراً، خرجوا يوم 25 أبريل/ نيسان الماضي احتجاجاً على اتفاقية ترسيم الحدود المصرية السعودية والتي بموجبها تنازلت مصر عن جزيرتي تيران وصنافير لصالح المملكة، قضت المحكمة وهي درجة ثانية في التقاضي بتغريم المتهمين بـ 100 ألف جنيه (حوالي 10 آلاف دولار) لكل متهم ورفضت تقسيط الغرامة.

ورغم أن الحكم يعد تخفيفاً لحكم الدرجة الأولى التي كانت قد حكمت بسجن كل متهم 5 سنوات وغرامة أيضاً 100 ألف جنيه، ورغم إلغاء حكم الحبس إلا أن الأزمة ظلت قائمة، فمن أين سيأتي هؤلاء الشباب بهذا المبلغ الكبير، أو للدقة من أين سيأتي أقارب هؤلاء الشباب بهذه الأموال، وغالبيتهم العظمى ينتمون لطبقات اجتماعية متوسطة وفقيرة، فإجمالي الأموال المطلوبة يبلغ 4 مليون و700 ألف جنيه.

فكان الحل من وجهة نظر بعض المهمومين بالمعتقلين هو تدشين حملة لجمع أموال يمكن من خلالها دفع الغرامات التي تمنع الإفراج عن الشباب، وبدأت الحملة بالفعل، وجمعت أموالٌ من متبرعين، وتمكنت من إخلاء سبيل عدد من المقبوض عليهم، لكن تبقى عدد آخر.

ومع اقتراب رمضان، كتبت ناشطة على حسابها الشخصي على فيسبوك "اللي بيدفع زكاة رمضان، اللي بيطلع فلوس لعمل خير، اللي عايز يقدم مساعدات، ممكن السنة دي يجرب حاجة مختلفة، في أكتر من 32 معتقل عايزين يخرجوا لأهلهم ويقضوا رمضان معاهم، مطلوب لكل واحد منهم غرامة 100 ألف ساعدونا نلم المبلغ ده. أي تبرع تقدر تساهم بيه مهما شفته صغير فأكيد هيساعد.. اللي عايز يعمل كدة يدي الفلوس لشخص يثق فيه.”


من صاحب المبادرة؟


مصدران مختلفان رفضا الإفصاح لـ "هافينغتون بوست عربي" عن أصحاب هذه المبادرة، وأكدوا على أن إخفاء القائمين عليها هو سر نجاحها حتى الآن، وأن المحامين في القضية هم من يستلمون التبرعات لدفعها في المحكمة كخطوة للإفراج عن المتهمين.

المصدران أكدا على معلومة واحدة، وهي أن الأحزاب السياسية - التي تضع نفسها في خانة المعارضة - جميعها رفضت تبني المبادرة، وإضفاء شرعية سياسية عليها، وقال أحدهم "هذه الأحزاب خرجت في تصريحات للإعلام تقول بأنها تدعم مبادرة جمع تبرعات لدفعها ككفالة لإنهاء حبس معتقلي يوم الأرض، لكن هذا لم يترجم على أرض الواقع".

ويضيف المصدر الأول "رفضوا فتح حساب في البنك لجمع التبرعات عليه، ورفضوا تبني دعوة جادة لجمع الأموال، ورفضوا أيضا فتح مقرات أحزابهم لاستقبال التبرعات".

وذكر المصدر الثاني الأسباب التي تدفع إلى سرية القائمين على المبادرة، فيقول إنهم يخشون التضييق الأمني إذا عرفوا، ويتابع "هم لا يخشون السجن لكنهم يسعون لأن يظلوا خارج السجون حتى يتمكنوا من مساعدة من يحتاجون إليهم".

وأضاف إن من يتبرعون دائماً يرفضون الإعلان عن هويتهم، أو الإفصاح عن المبلغ الذي يتبرعون به، إما لأنهم لا يريدون إحراج المتبرع له، أو لأنهم يعتبرون أن هذه الأموال هي مسألة خاصة بينهم وبين الله، ولا يريدون لأحد أن يعرف قيمتها.

ويؤكد المصدر على أن الحملة نجحت فعلياً في الإفراج عن عدد من الشباب، بعدما نجحت في جمع قيمة الكفالة، وباقٍ حالياً 13 متهماً فقط، و يأمل المصدر أن يخرج كل الشباب من السجن قبل بداية شهر رمضان، بعد سداد الغرامات التي عليهم.


ماذا يحدث إذا امتنع المتهمون عن دفع الغرامة؟


إذا رفض المتهم في دفع الغرامة، يحبس بهذه الأموال.

يقول أحمد عثمان المحامي بمؤسسة حرية الفكر والتعبير إنه يتم التعامل مع المتهم بقاعدة قانونية تسمى "الإكراه البدني"، وهي حبس المتهم بقيمة الأموال المحكوم عليه بها، بحد أقصى 3 شهور، بما يعادل 5 جنيهات في اليوم الواحد، أي 450 جنيهاً في الثلاثة شهور، وباقي المبلغ تقوم النيابة العامة بإجراء قانوني متبع اسمه "المطالبة"، أي مطالبة المتهم بدفع الأموال المحكوم عليه من ممتلكاته الخاصة، ويتم الحجز على ما يملك.
يقول عثمان، "في الغالب تتم هذه الإجراءات على الورق فقط، وفي تلك الفترة يقوم المحامون بنقض الحكم وعادة ما يتم إلغاء الغرامة".


أين تذهب هذه الأموال؟


تقول الصحافية القضائية هدى أبو بكر إن داخل كل محكمة قسماً يسمى "تحصيل الغرامات والمطالبة"، وإن الغرامات تدفع في هذا القسم.

ويدفع المتهم الغرامة المحكوم عليه بها إلى خزينة المحكمة، والتي ترسلها بدورها إلى وزارة العدل، ومنها إلى وزارة المالية، والتي تتم إضافتها لخزينة الدولة تحت باب مصروفات سيادية، وتؤكد هدى على أن وزارة العدل لا تحصل على أي نسبة من تلك الغرامات، وإنما تسدد كلها إلى الدولة.


وهل غرامة متهمي جمعة الأرض هي الأولى؟


ويقدر إجمالي الغرامات التي حكم بها منذ 3 يوليو 2013 بحوالي 37 مليوناً و357 ألف جنيه، بالإضافة إلى 2.5 مليون جنيه كفالات بحسب تقرير "ويكي ثورة" المعني برصد وتوثيق أعداد القتلى والمقبوض عليهم منذ ثورة يناير.

وهناك فارق بين الكفالة والغرامة، فالكفالة تدفع لإخلاء سبيل المتهم خلال سير التحقيق وتسترد في حالة البراءة، بينما تعد الغرامة عقوبة في حد ذاتها.

وأشار التقرير الذي أعدته وحدة رصد انتهاكات سير المحاكمة العادلة بالمرصد المصري للحقوق والحريات عن القضايا التي تنظرها المحاكم المصرية بحق المعتقلين والمعارضين السياسيين في مصر، إن إجمالي الغرامات في العام الأول من حكم السيسي وصلت إلى 131 مليوناً و556 ألفاً و850 جنيها مصرياً.

ولم يصدر حتى الآن تقرير أو إحصائية عن الغرامات التي حكم فيها في 2016، لكن عدداً من الحقوقيين يؤكدون على أن هناك اتجاهاً واضحاً بأن يحكم بغرامات على المتهمين حتى إلى جانب الأحكام بحبسهم، ولا أحد يفهم فعلاً إن كان الهدف هو تنشيط خزينة الدولة أم تأديب المتهمين وأسرهم، أم الهدفان معاً.


وهل تستفيد خزينة الدولة؟


رغم ما تبدو عليه تلك الغرامات من أنها كبيرة، ومبالغ فيها، إلا أنها بالنسبة للموازنة العامة للدولة لا تمثل أي نسبة، هذا هو الرأي الذي تميل إليه الصحافية الاقتصادية بيسان كساب، التي تضيف بأنه بشكل اقتصادي لا تمثل تلك الأموال أي قيمة كمورد من موارد الدولة.

وفي تأكيدها على هذا الرأي اعتمدت بيسان كساب على ملامح الموازنة العامة الجديدة للدولة، والمعروضة حالياً على البرلمان، فتقول وزارة المالية قدرت الناتج المحلي الإجمالي بموازنة العام المالي المقبل 2016/2017 بنحو 3.246 تريليون جنيه مقابل 2.772 تريليون جنيه متوقع بموازنة العام المالي الحالي 2015 / 2016، وعليه فلا تمثل المبالغ التي تتحصل عليها الدولة أي نسبة بالقياس لهذا التوقع بالموازنة.

وتضيف بيسان إن جملة المصروفات بمشروع الموازنة الجديدة بلغ 936.1 مليار جنيه بزيادة بلغت 71.5 مليار جنيه عن العام المالي الجاري، وعليه أيضاً يتم التأكيد على أن قيمة الغرامات من القضايا لا تمثل نسبة كبيرة.

وتلتفت بيسان إلى أن الملاحظ هنا هو ارتفاع قيمة تلك الغرامات بالمقارنة بالأعوام السابقة، وهذا له مدلولٌ سياسي أكثر منه اقتصادي.