مع "تماسيح" البرجوازية.. هكذا أعاد السوفييت كتابة قصص الأطفال

تم النشر: تم التحديث:
GOTAH
theguardian

في العام 1925، رسمت الشقيقتان غالينا واولغا شيشاغوفا ملصقاً مكوناً من لوحتين يدعو لثورة في رسوم الأطفال التوضيحية في الاتحاد السوفيتي الجديد.

وتضمنت اللوحة اليسرى شخصيات تقليدية من القصص الخيالية والفولكور الشعبي الروسي - ملوك وملكات والساحرة بابا ياغا وتمساحي المفضل يرتدي قبعة أنيقة وعباءة. وتحمل اللوحة عنوان "استبعدوا الغموض والخيال من كتب الأطفال!!"

وبحسب تقرير أعده ستيوارت جفريز وكتبه لصحيفة The Gurdian البريطانية، فإن اللوحة اليمنى تصف ما ظنت الشقيقتان أنه يتعين على الفنانين عرضه لتحسين الجيل الأول من مواطني الاتحاد السوفيتي.

وفي ظل رعاية لينين، كانت هناك صور لرواد صغار السن يرتدون مناديل حمراء ويعملون في مزارع جماعية، وذلك بالإضافة إلى رسوم توضيحية لقوات فرسان الجيش الأحمر يمتطون خيولهم في المعركة، ومصانع وطائرات. ويبدو أن التماسيح المجسمة لم تكن ثورية بما يكفي.

وتواصل كتابات اللوحة "امنح كتاباً جديداً للأطفال. العمل والمعركة والتكنولوجيا والطبيعة - الواقع الجديد للطفولة".



gotah

كانت تلك الدعوة لإحداث ثورة في رسومات الأطفال جزءاً من الصراع السياسي الأكبر للاشتراكية. وقد كتب ل. كرموتشي بصحيفة Pravda البلشفية في العام 1918، "في الترسانة الهائلة التي حارب من خلالها البرجوازيون الاشتراكية، احتلت كتب الأطفال دوراً بارزاً. وكانت الطبقة البرجوازية على دراية بقوة كتب الأطفال واستغلتها لتعزيز قوتها... إننا نناضل ونموت، ولكن قبل أن نغرق في دمائنا، لا بد أن نصادر تلك الأسلحة من أيدي العدو".

وتقول اوليفيا أحمد، أمينة مكتبة الطفولة الجديدة: كتب مصورة من روسيا السوفيتية، "كانت الفكرة هي منع الأدب والرسوم الخيالية لأنه كان يُنظر إليها على أنها تمثل البرجوازية ولا تساعد الثورة. تخيل لو أن هاري بوتر أو جوليا دونالدسون وأكسل شيفر كانت كتباً غير مقبولة وتم اعتبارها مناهضةً للثورة".

في قصة تدعى Ice Cream للكاتب صمويل مارشاك والرسام فلاديمير ليبفيديف، يتناول برجوازي رأسمالي الكثير من الآيس كريم ويتجمد حتى الموت.

وفي قصيدة Red Neck للشاعرة نيكوليا اسيف، يرفض رائد صغير مخلص (من مجموعة شباب الاتحاد السوفيتي) أن يخلع منديله حتى حينما يهاجمه ثور هائج، ما يثبت التزامه الثوري في وجه المتاعب المضنية.

كان أدب الأطفال السوفيتي ممتعاً خلال العشرينيات وأوائل الثلاثينيات، رغم أنه كان يدعو للاشتراكية وساعد الأطفال السوفيتيين على القيام بما لم يستطع آبائهم القيام به، وهو القراءة.

ومثلما احتاج الاتحاد السوفيتي إلى استخدام الكهرباء ودخول مجال التصنيع بسرعة هائلة، احتاج أطفال الثورة إلى التعلم السريع ليتمكن وطنهم من البقاء وسط عالم مفعم بالعداءات.

وكان الحل يتمثل في الكتب رخيصة الثمن والموضحة برسوم تصويرية. وتوضح أحمد أنه كانت تتم طباعة الكتب المصورة السوفيتية بطريقة الليثوغراف (الطباعة الحجرية) على أوراق رخيصة يتم طيها وتثبيتها معاً في مجموعات تتألف من 10-15 صفحة.

وكانت كتب الأطفال حينذاك جزءاً من النضال السياسي السوفيتي. لكن الثورة لم تكن في النصوص مثلما كانت في الصور. وما كتبه والتر بنجامين عن موسكو خلال زيارته لها في العام 1927 - "كل فكرة وكل يوم وكل حياة تتواجد هنا كما لو كانت على مائدة المعمل" - يتطابق مع التغيرات المثيرة في صور كتب الأطفال خلال السنوات الأولى من التجربة السوفيتية.

فقد تم عمل الرسوم التوضيحية لكتاب Red Neck على سبيل المثال على يد ناتان التمان، المصمم المسرحي والنحات التكعيبي المستقبلي. وقد تم وضع رسومات التمان الدقيقة على أشكال مجردة ذات تصميمات مألوفة في الوقت الحالي، لكنها كانت خلال العشرينيات مبهرة ومحيرة للعين الروسية.



gotah

أما الفنان الروسي العظيم ال ليستزكي فقد مضى أبعد؛ ففي كتاب About Two Squares، وهي قصة رائعة تتألف من ستة أجزاء، أدلى بتعليقاته حول إحدى التجارب الروسية الرائدة من خلال الاستعانة بالميدان الأسود لماليفتش. في القصة، ينضم الميدان الأسود للميدان الأحمر الذي يمثل الشيوعية ويشرعان في رحلة جدلية في الفضاء. ويصطدم كلا الطرفين بالأرض مما يسبب دماراً في ثلاثة أبعاد - وهو نوع من الوصف التجريدي للثورة البلشفية - دماراً يسبب ظهور أرض جديدة تخضع للشيوعية.

كان شكل الكِتاب ذاته مسرحاً للتجربة الثورية. ففي الرسوم التوضيحية التي ابتكرها ايزك ابيريل لكتاب "الكتاب السينمائي حول كيفية إنقاذ الرائد هانس للجنة الإضراب"، ينبه البطل المضربين بشأن اقتراب وصول الشرطة. لكن أهمية التجربة لا تكمن في الرسالة بل في الشكل، فقد تمت طباعة الصور على شريط أفلام وشُجع الأطفال على قصه وإسقاط الصور الموجودة عليه (بشكل ما).

وبالمثل، يوضح كتاب "خطة الأعوام الخمس" للكاتب اليكسي لابتيف حالة الزراعة وإنتاج الفحم والحديد في العام 1927؛ والرائع في الأمر أنه يمكن طي كل صفحة للكشف عن التوسع المخطط له في كل قطاع بحلول العام 1932. وحينما يتم فتح الكتاب بالكامل، يصل طوله إلى مترين. ولو أنني كنت في العاشرة من عمري في العام 1927، لكنت تمنيت أن أعلق ذلك الكتاب على جدران غرفتي.

وكانت الأعمال المفضلة لدي تتمثل في رسوم أليسا بوريت التوضيحية لكتاب "كيف انتصرت الثورة" الذي يتضمن مشاهد من أكتوبر/تشرين الأول 1917، لأنها تستخدم منظوراً راقياً مستعاراً من رواد السينما السوفيتية مثل دزيغا فيرتوف وازينشتاين لمنح عملها رؤية ملحمية.

وكانت تلك الأعمال في صراع عقائدي مع كتب الأطفال السابقة. وتوضح لي اوليفيا أحمد بعض الرسوم في عصر ما قبل الثورة للفنان آلكسندر بينوا في سلسلة "الأبجدية المصورة" الصادرة في العام 1904.

وتظهر إحدى الرسومات خطاباً إلى جانب مجموعة من العرائس باهظة الثمن. وتستطيع أن تدرك الميزة وتسمع وقع أقدام المربية على السجادة. ويتم توضيح خطاب آخر من خلال بعض المتأنقين الذين يضعون شعراً مستعاراً وينظرون إلى النجوم من خلال التليسكوب من شرفتهم في سانت بطرسبرغ. وتصف صورهم الفاتنة عالماً يسعى المذهب البلشفي إلى التغلب عليه.

وبمقارنة رسومات بينوا بأبجدية فلاديمير ليبيديف في العام 1925، حيث يطبع كل حرف باللون الأسود ويُزين بأشكال حيوانات تملؤها الحيوية، نجدها أبجدية خاصة بعصر جديد لأطفال الثورة.

أحد أبطال المعرض هي الفنانة فيرا ارموليفا، إحدى رائدات الفن غير الموضوعي، التفوقي والبناء. في العام 1918 أسست ارموليفا أول دار نشر سوفيتية لكتب الأطفال تعرف باسم سيجونديا (اليوم بالروسية).



gotah

واستخدمت هي وزملائها الفنانون المواد الأساسية والمنظور السطحي والنسب المشوهة، وخلقت بذلك علاقة بين الفن الطليعي السابق للثورة والمواصفات القديمة للفولكلور الروسي والمطالب الثورية لذلك العصر.

وتعد رسومات ارموليفا من بين أفضل ما يتضمنه المعرض، مثل ملصقها لقصيدة COCKEREL وغلاف مجموعة قصائد O, PIONEER للشاعر والت وايتمان.

لكن قصتها مأساوية؛ ففي العام 1934، تم القبض عليها للقيام بأنشطة مناهضة للاتحاد السوفيتي وأرسلت إلى معتقل في كازاخستان، حيث قُتلت في العام 1937. وقد كرمتها نساء روسيات مؤخراً، بما في ذلك أعضاء فرقة PUSSY RIOT التي أنشأت منظمة فيرا ارموليفا للفن النسوي المعاصر لدعم الفنانين من النساء.

وتذكر اوليفيا أحمد أن العصر الذي احتفى به هذا المعرض قد انتهى في العام 1934 حينما تبنى مؤتمر الكتاب السوفييت العام الواقعية الاشتراكية باعتبارها الأسلوب الجمالي الوحيد المقبول. اللاموضوعية؟ البنائية؟ التفوقية؟ السريالية؟ البدائية؟ اعتبرت جميعها غير ملائمة للدولة السوفيتية، رغم أهميتها في انتعاش رسوم الأطفال التوضيحية.

كانت رقابة وسيطرة الدولة على عملية النشر قد تزايدت حينها. وعلى سبيل المثال، أصبح كتاب "الطفل الوحيد" للكاتبة ال ليسيتزكي واحداً من أول الكتب التي تم تدميرها بعد استعادة رقابة الدولة خلال الثلاثينيات.

وأدى تزايد الرقابة إلى اعتقال العديد من الفنانين الرواد الذي أحدثوا ثورة في عالم رسومات الأطفال خلال السنوات الخمسة عشر السابقة.

وذهب المهاجران الروسيان ناتالي بارين وفيدور روجانوفسكي، على سبيل المثال، إلى فرنسا حيث أصدرا سلسلة PEPE CASTOR لكتب الأطفال المصورة. وظل آخرون مثل مارشاك وليبيديف داخل البلاد وجعلوا أعمالهم تتناسب مع النظام الستاليني الجديد.

قد تكون الإثارة التي حدثت خلال السنوات الأولى من التجربة السوفيتية في مجال كتب الأطفال المصورة قد انتهت، لكن كان لها تأثيراً هاماً فيما بعد.

فقد ألهمت الكتب السوفيتية التي تم نقلها إلى بريطانيا ابتكار سلسلة PUFFIN PICTURE في العام 1940. والآن، يوجد هذا المعرض، وهو الأول من نوعه في بريطانيا، كي يذكرنا بتلك اللحظة المثالية النادرة حينما كانت كتب الأطفال موضوعاً لتجربة رائدة وصراع سياسي ثوري.

هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.