العرب أم الكرد؟.. من سيحكم مناطق "داعش" بعد هزيمة التنظيم؟ ورطة تواجه واشنطن

تم النشر: تم التحديث:
SYRIA
DELIL SOULEIMAN via Getty Images

تتواصل نجاحات العمليات القتالية ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، لكن السؤال المحير هو: مَنْ سيتولى الإدارة والحكم في المناطق التي تحررها قوات التحالف الأميركي من براثن التنظيم؟

بدت القوات التي تخوض قتالاً شرساً ضد "داعش" على عتبة نصر محقق جديد الأربعاء، الأول من يونيو/حزيران 2016، عندما بدأت بالدخول إلى مدينة منبج التي استخدمها التنظيم معبراً رئيسياً للأسلحة، لكن النصر المحتمل في منبج للقوات المدعومة أميركياً قد يفتح الباب أمام معركة أخرى ونزاع على السلطة يؤلب الكرد على العرب، وفق تقرير نشرته صحيفة دايلي بيست الأميركية، الخميس 2 يونيو/حزيران 2016.

لقد عكست معركة الأربعاء مشكلة متنامية أمام الولايات المتحدة ودعواتها لتدريب المقاتلين المحليين، رغم إحراز هؤلاء انتصارات متتالية وانتزاعهم أراضي من قبضة "داعش"، ألا وهي: مَنْ بالضبط سيحكم هذه البلدات المحررة؟ هل هم الكرد الذين قادوا حملة القتال على داعش؟ أم "العرب الرمزيون" - كما تسميهم وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) داخل أروقتها - الذين دربتهم الولايات المتحدة كي يرافقوا جنودها وقواتها؟


لا نعرف الإجابة


الأربعاء قال مسؤولان في البنتاغون للصحيفة الأميركية إنهما لا يعرفان الإجابة عن هذا السؤال المحير، بيد أنهما رجّحا اعتقادهما بأن العرب هم من سيتولون الإدارة. مع ذلك اعترف المسؤولان بأنه من الصعوبة بمكان أن تُوكل إلى هؤلاء المقاتلين العرب المدربين حديثاً - وعددهم نحو 5000 - مهمة إدارة 3 أو 4 مناطق محررة من داعش، وأن يُطلب منهم في الوقت ذاته التحرك والزحف نحو عاصمة داعش (الرقة).

ومن جهة أخرى يخشى البعض من أن تولّي الكرد إدارة منبج قد يعرض المدينة لفاجعةِ تطهيرٍ عرقيٍ قد تخلقُ نقمةً، مثل تلك التي أدت إلى ظهور داعش أصلاً. إن تولي الكرد إدارة منبج سيشكل لهم إقليماً إدارياً ممتداً جغرافياً شمال سوريا، غير أن ذلك سيثير غضب تركيا الحليفة للولايات المتحدة، التي ترفض وجود منطقة إدارة كردية ملاصقة لحدودها.


ماذا بعد "داعش"؟


بالفعل إن سؤال: "ماذا بعد داعش؟" يخيّم ويلقي بظلاله يوماً بعد يوم على الجهود والمساعي الأميركية والحليفة، فمسؤولا البنتاغون يريان أن الإجابة عن سؤال: "مَنْ يدير منبج؟" قد تتنبأ لنا باستراتيجية الإدارة في الرقة (عاصمة داعش).

يُذكر أن قوات التحالف الأميركي والقوات الأميركية باتت تفصلها عن المدينة 30 كيلومتراً فقط منذ الأسبوع الماضي، وخلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي التي تزامنت مع "عيد الشهداء" الأميركي جُرح موظف في الجندية الأميركية، حينما كان يؤدي واجبه في تقديم الدعم للمقاتلين المحليين.

يقول دافيد غارتنشتاين-روس، أحد كبار زملاء مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن، في حديثه لـ"دايلي بيست": "إن داعش يخسر وعلى الولايات المتحدة أن تضمن أن ما سيتمخض بعده لن يكون فوضى عارمة قد تسمح لذلك التنظيم أو لمن هم على شاكلته باستغلال الوضع والتسلل من جديد".

في مقدور المسؤولين الأميركيين تأجيل الإجابة عن سؤال: "ماذا بعد داعش"، بالقول إن جلّ تركيزهم كان القضاء على إرهاب التنظيم وحسب، لكن سلسلة هزائم المسلحين تجعل من تلك أسئلة لا مفر منها. لقد صعّدت الحملة الجوية الأميركية من هجماتها على عمليات داعش اللوجستية، وأجبرت التنظيم على التراجع من مناطق كانت خاضعة لسيطرته، وهذه الخسائر صعبت على داعش نقل الأسلحة والغذاء والمقاتلين عبر أجزاء "دولة الخلافة"، كما أضعفت من قدرة التنظيم على توسعة رقعته على خارطة الشرق الأوسط وإفريقيا.


نبرة الكرد أقوى


في الأشهر الأخيرة فقد "داعش" سيطرته على "الشدادي"، وهي مدينة هامة لوجستية شرق الرقة، كما يبدو الآن أن مدينة الفلوجة العراقية - التي هي آخر معاقل داعش قرب بغداد - توشك أن تسقط هي الأخرى من قبضة التنظيم.

قبل عامين وعندما كان التنظيم في أوجه، كان يدخل آلاف المقاتلين عبر منبج كل شهر لينتشروا عبر أنحاء سوريا والعراق، لكن التقديرات العسكرية الأميركية تشير إلى أن عددهم كان 500 مقاتل شهرياً، وأن داعش كان ينشر مقاتليه الأجانب في مناطق مثل ليبيا ومصر، بل حتى أن التنظيم طلب من مجنديه الأجانب البقاء في أوروبا وشن هجمات من هناك.

الكرد كانوا هم من اختار وحدد نبرة القتال مع داعش، فهم من قالوا طيلة أشهر إنهم راغبون في تحرير مناطق مثل منبج قبل الزحف على الرقة، عاصمة خلافة داعش.

الأربعاء دخل أكثر من 2000 مقاتل مدينة منبج التي لطالما كانت معبراً رئيسياً بين تركيا وسوريا، وقد أفاد تقرير بأن المقاتلين حرروا 20 قرية، وأن أقل من 16 كيلومتراً تفصلهم عن مركز المدينة.

وقد تلقت تلك القوات مساعدة ودعماً أميركياً، ما يعني أن التحالف مستعد للمخاطرة بتوتر العلاقات العربية الكردية والتركية مقابل تحرير منبج؛ ومنذ 27 مايو/أيار 2016 شن التحالف الأميركي 36 طلعة جوية حول منبج، منها 18 طلعة شنت البارحة، حسب إحصاءات البنتاغون، أما مرصد حقوق الإنسان السوري فقدر أن هذه الطلعات الأخيرة قتلت 15 مدنياً.

المقاتلون الذين يزحفون صوب منبج هم من قوات سوريا الديمقراطية، التي تتألف أغلبية قواتها من الأكراد وتحظى بدعم أميركي زودها بـ5000 مقاتل عربي مدرب، وإجمالاً يقدر البنتاغون أعدادهم بـ25 ألف مقاتل تقريباً.

ولدى سؤاله عمّن سيسيطر على منبج في حال سقط داعش، تردد مسؤول بالبنتاغون في الإجابة، واكتفى بالقول: "حالياً فإن قوات سوريا الديمقراطية هي التي تتقدم زحفاً نحو المدينة".

تقوم الخطة لتحرير منبج على قيادة المقاتلين العرب للهجوم يدعمهم الكرد في ذلك، ومن ثم يحتفظ هؤلاء بالمدينة؛ لكن مسؤولي البنتاغون اعترفوا بأنه من غير الواضح كيف ستكون تبعات الموقف بعد ذلك. ماذا لو احتاج المقاتلون العرب لمساعدة الكرد؟ هل يمد الكرد يد العون؟ ولو تم ذلك فهل سيطالب الكرد بالمزيد من التنازلات لزيادة سيطرتهم على المدينة؟

إن سقوط منبج المحتمل بمساعدة الكرد، وسقوط مناطق حول الرقة يشير إلى أن الولايات المتحدة مستعدة لتغامر بخلق نزاعات جديدة محتملة في سبيل التخلص من داعش في الشمال.


منطقة حدودية كردية


ففي تقييم له في شهر فبراير/شباط الماضي، قال آرون ستاين، أحد كبار زملاء مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط في الأبحاث الأميركية التركية: "إن جميع الدلائل تشير فعلياً إلى إنشاء منطقة حدودية كردية مجاورة لتركيا في شمال سوريا، وإن الولايات المتحدة سيكون لها يد في صنعها".

إن استعادة منطقة منبج، وبالأخص منطقة بلدة "الباب" التي هي مقر جهاز الاستخبارات الأجنبية في داعش، ستمثل ضربة قاصمة لعمليات داعش في شمال سوريا، ولهذا السبب أبدى داعش على الدوام عزيمة وضراوة في الاستماتة في الدفاع عن معاقله هناك. وفي الأيام الأخيرة بات تقدمه على أرض المعركة نتيجة لذلك النوع من الصراع الطائفي بين العرب والكرد الذي تحاول القيادة المركزية الأميركية جاهدة تفاديه.

فمثلاً مدينة مارع الواقعة في ريف حلب محاصرة تماماً من قبل داعش والميليشيات الكردية المدعومة أميركياً، رغم أن قوات كتائب المعتصم السورية المعارضة، تُعتبر أيضاً جزءاً من أذرع الجيش الأميركي كما أكد البنتاغون لـ"ديلي بيست".

وحسب ما أفاد به مصطفى سيجري، رئيس المكتب السياسي في كتائب المعتصم، فقد أرسل داعش 1000 مقاتل لمحاولة احتلال مارع، وهو العدد نفسه الذي أرسل به ليقاتل 20 ألف جندي من المشاة على الجانب العراقي في مدينة الفلوجة.

وقال سيجري: "لقد قطع داعش الطريق بين إعزاز ومارع قبل 6 أيام"، في إشارة منه إلى مدينة حدودية هامة بين سوريا وتركيا يحاول داعش جاهداً استعادتها، "من بعدها حوصرت مارع تماماً من قبل داعش، ونحن مشتبكون في عمليات لكسر الحصار. كنا نحرز تقدماً في اليوم الثاني، لكننا فوجئنا بالتحالف يضرب إحدى مجموعاتنا ويوقع بين مقاتلينا 10 قتلى و12 جريحاً".

وقد أطلع سيجري "ديلي بيست" على صور فوتوغرافية تُظهر الدمار الذي تسبب به القصف الأميركي على حد قوله، لكن تلك الصور لم يتم التحقق منها بشكل مستقل.

يقول سيجري: "منذ ذلك الحين ونحن نطالب الأميركيين بإنزال المساعدت لنا جوياً".


خريجو البنتاغون


هناك 50 مقاتلاً من كتائب المعتصم هم من خريجي برنامج البنتاغون Train and Equip (درّب وجهّز) لتجنيد المقاتلين العرب السنة والتركمان من الجيش الحر السوري ضد إرهابيي داعش، وقد جرى تدريب هؤلاء بالقاعدة العسكرية الأميركية في تركيا.

لكن الحظ المتعثر والفشل رافق برنامح "درب وجهز" منذ بدايته، حيث اختُطفت أول دفعة خريجين على يد جبهة النصرة التي هي فرع القاعدة في سوريا، أما دفعة الخريجين الثانية فباعوا ذخائرهم الأميركية للجهة نفسها حسبما كشفته "ديلي بيست".

مع ذلك يصرّ سيجري على أن كتائب المعتصم مستثناة من تلك النزعة للخيانة، فيقول: "لم يحدث أن سلّمنا أو بعنا أسلحتنا لأية مجموعة أخرى ولا حتى للجيش السوري الحر، ولطالما أبدت الحكومة الأميركية سروراً وحماسة للتعاون والعمل معنا".

وعلى مدى أشهر تلقت كتائب المعتصم "شحنات وحمولات منتظمة" من الولايات المتحدة الأميركية قوامها ذخائر صواريخ هاون وعتاد بنادق M16 وM2، فضلاً عن مركبات وثياب وأحزمة، وأضاف: "لكننا ما عدنا نتسلم أية ذخائر منذ آخر شحنة؛ لقد سلمنا الولايات المتحدة الإحداثيات التي يمكن لهم عندها إنزال الذخائر والمساعدات لنا جواً بكل أمان".

إذاً لماذا توقفت الشحنات؟ الإجابة التي قدمت لكتائب المعتصم عن هذا السؤال لم تبدُ معقولة قط، إذ يقول سيجري: "أخبرنا الأميركان بأنهم يخشون وقوع هذه الذخائر بيد حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي إن هم ألقوا بالذخائر لنا"، وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي هو الذي يسيطر على قوات سوريا الديمقراطية. ويتابع سيجري: "قالوا إنهم لا يريدون حدوث ذلك، وهذا غير معقول بالنسبة لنا؛ لأننا نعي تماماً أن أميركا تدعم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي".

وأضاف سيجري أن القوات الديمقراطية السورية سمحت لـ200 عائلة معظمهم من النساء والأطفال والمسنين بالعبور عبر أراضيها إلى خارج مارع، لكن ذلك تم مقايضةً مقابل السيطرة على بلدة شيخ عيسى الصغيرة في محافظة حلب. ويقول سيجري: "إنهم يحاربوننا حرباً نفسية".

وقد تحدث إلى "ديلي بيست" المتحدث باسم القيادة الأميركية المركزية والقائد في البحرية، كايل رينز، يوم الثلاثاء وقال إن المساعدات الأميركية حتى الآن مازالت تشحن إلى القوات المقاتلة ضد داعش من دون توقف.

وأضاف: "لقد دأبنا على إمداد مجموعات التحالف السوري التي انتقيناها وكل المجموعات الأخرى على الدوام. لست في موقع يخولني أن أناقض كلام سيجري، لكني أؤكد أننا مستمرون في إمدادهم بالذخائر والمساعدات". وعلل رينز التأخر بأنه قد يكون راجعاً لظروف ساحة المعركة التي تجعل توصيل الشحنات أو إنزالها جواً أمراً مستحيلاً.

ولكن كيف تستطيع الولايات المتحدة التوفيق والجمع بين اثنين من وكلائها على الأرض تخامر كلٌ منهما الريبة تجاه الأخرى، بل وتعاديها أيضاً فيما يقوم داعش بضرب إحداهما في الوقت ذاته؟ هذا هو السؤال الذي رفض رينز الإجابة عنه.

يذكر أنه مساء الأربعاء الأول من يونيو تبين لـ"ديلي بيست"، بعد استفسارات في القيادة المركزية الأميركية، أن كتائب المعتصم تلقت تأكيداً من البنتاغون بإرسال ذخائر ومساعدات لها عما قريب.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Daily Beast الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.