مليون تحفة مخبأة بميناء جنيف.. فهل تحولت أروع الأعمال الفنية لملاذات لغسيل الأموال؟

تم النشر: تم التحديث:
TURKEY
SOCIAL MEDIA

في الميناء الحر القريب من جنيف، المليء بالمستودعات الرمادية التي تحيط بها قضبان السكك الحديدية والطرق والأسيجة الشائكة، وفي المكان الذي يبدو كمقبرة للجمال، يتراصف ما يزيد على مليون من أروع القطع الفنية التي صنعها الإنسان، خلف جدران خزائن الميناء الضيقة.

كنوز من مجد روما القديم، ولوحات تليق بالمتاحف، رسمها عملاقة الفن، وحوالي ما يقرب من 1000 قطعة فنية لبيكاسو، وفقاً لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.


ليس حباً في الفن


مع الارتفاع المطرد لأسعار القطع الفنية، يتضح الهوس المعاصر باقتناء القطع الفنية والتعامل معها باعتبارها مخزناً للثروة.

ويظهر انتشار المخازن المماثلة لميناء جنيف التي تخفي الكثير من الروائع، أن اهتمام مالكيها ينصب على أثمان هذه التحف أكثر من اهتمامهم برؤيتها على الجدران.

ومع الظروف الجوية المُنظَمَة والسجلات السرية والتوفير الضريبي، أضحت الموانئ الحرة هي اختيار المشترين الذين يودون إضافة الأعمال الفنية لمحافظهم الاستثمارية.

كما قال إيفان بيرد الذي يقدم المشورة للعملاء فيما يتعلق بالفن والموارد المالية في U.S Trust "تعد الأعمال الفنية لبعض هواة جمعها أصولاً رأسمالية في محافظهم"، مضيفاً "أصبحت الأعمال الفنية أكثر ارتباطاً بالأموال، والموانئ الحرة هي إحدى الركائز الأساسية في ذلك".

في الوقت ذاته، يثير هذا الاتجاه الكثير من المخاوف المتعلقة باستخدام مساحات التخزين في بعض الأنشطة غير القانونية، كما يثير أيضاً القلق في عالم الفن حول تأثير هذا التخزين الإجمالي على الفن نفسه.

وقال "إلي برود" أحد هواة جمع الأعمال الفنية المعاصرين، والذي افتتح متحفه الخاص في لوس أنجلوس عام 2025 "إن التعامل مع الفن كسلعة وإخفاءه في الخزائن فقط هو شيء لا أخلاقي".

نشأت الموانئ الحرة في القرن الـ19 لتخزين البضائع بشكل مؤقت، مثل الحبوب والشاي والسلع الصناعية، لكن العقود الماضية شهدت تحول العديد منها، بما فيها ميناء جنيف الحر، إلى خزائن للأشخاص فاحشي الثراء، حيث توفر الموانئ الحرة، الموجودة في دول ومدن ذات ضرائب معقولة، الكثير من المدخرات والأمان، ما يجعلها خياراً لا يقاوم بالنسبة لجامعي القطع الفنية والتجار.


الضرائب


ففي حين تُفرض ضريبة بحوالي 4.4 ملايين دولار على المشتري للوحةٍ يبلغ ثمنها 50 مليون دولار، يمكن للمشتري شحنها لأحد الموانئ الحرة، لتختفي الفاتورة، على الأقل إلى أن يقرر إعادتها لنيويورك مرة أخرى.

هناك 4 موانئ حرة على الأقل في سويسرا متخصصة في تخزين القطع الفنية وغيرها من السلع الفاخرة مثل النبيذ والمجوهرات، كما توجد بعض الموانئ الحرة المنشأة حديثاً على مستوى العالم مثل سنغافورة
(2010)، وموناكو (2012) ولوكسمبورج (2014) ونيوارك دل (2015).


غسيل الأموال


في 2012 فقد بدأ المسؤولون السويسريون في فحص مساحات التخزين الخاصة، خوفاً من استخدامها كملجأ للتهريب وغسيل الأموال خاصة مع تزايدها السريع وانتشارها، ونُشرت نتائج هذا الفحص قبل عامين. كشفت نتائج الفحص عن زيادة ضخمة في قيمة السلع الرابضة في بعض المخازن منذ 2007، نتيجة لزيادة السلع عالية القيمة مثل الأعمال الفنية، وعلى الرغم من عدم قياس الزيادة المحددة في الأعمال الفنية المُخزَنة أثناء هذا الفحص، إلا أنه من المقدر وجود ما يزيد على 1.2 مليون قطعة فنية في ميناء جنيف الحر وحده، بعضها لم يترك مكانه منذ عقود.


غيبوبة فنية


عاشت العديد من الروائع بعيداً عن أعين العامة، إما مدفونة في أقبية المتاحف، أو مدسوسة في المنازل الخاصة للأثرياء، لكن الموانئ الحرة تتعرض للمزيد من الانتقادات والمخاوف، هل لها أثر سيئ على الفن؟ وهل يتسبب تخزين الملايين من هذه الأعمال القيمة على جوهر الفن الأصلي ودوره؟

بالفعل يرى الكثيرون ذلك في عالم الفن، فيرى جان لوك مارتينز مدير متحف اللوفر، أن "الأعمال الفنية صُنعت لتعرض"، كما وصف الموانئ الحرة بأنها أعظم المتاحف التي لا يمكن لأحد رؤيتها.

كما يرى البعض أيضاً ارتفاع المخاطر بالنسبة للأعمال المعاصرة، التي تُنتزع قبل حتى أن تجف ألوانها، وقبل دخولها الوعي الجمعي للبشر، وتصف جوان هايلر مديرة متحف برود التخزين بأن هذا يضع الأعمال الفنية "في غيبوبة".

بينما يرى البعض الآخر أن هناك الكثير من الفن في العالم ليراه الجميع، وأن الكثير من الأعمال الفنية صنعت في الأصل كملكية خاصة. كما قال ديفيد ناش صاحب أحد المعارض الفنية في نيويورك "اللوحات ليست سلعاً شعبية".

في الوقت ذاته يشعر بعض جامعي الأعمال الفنية والتي تعتمد أعمالهم على خزائن الميناء الحر ببعض الخجل والارتباك فيما يخص هذا التوجه، إذ قال هيلي ناهمد، أحد تجار لندن -والذي يقال إن عائلته تحتفظ بحوالي 4500 قطعة فنية في ميناء جنيف الحر- لصحيفة (The Art Newspaper) في 2011 "إنه لأمر مخزٍ، مثل ملحن ألف مقطوعة
موسيقية لم يسمعها أحد".


الخلافات تفضحهم


إذن أي الأعمال الفنية تختفي وراء هذه الجدران؟ من العسير معرفة أماكن وجود الأعمال الفنية في لحظة معينة، إذ إنها تختبئ في هذه الخزائن بهدوء.

لكن الخلافات القانونية المختلفة، والتحقيقات والمعارض الدورية يمكنها أن تكشف لك لمحات عن بعض الأعمال المحددة التي فُقدَت من المشهد.

منذ عامين، تمكنت الشرطة الإيطالية من اكتشاف توابيت إترورية نادرة وسط 45 صندوقاً من الآثار المنهوبة التي لا يزال بعضها ملفوفاً في صحف إيطالية تعود للسبعينات.

كما تحتوي مجموعة الملياردير الروسي ديميتري م. ريبولوفليف ، التي تبلغ قيمتها 2 مليار دولار، على أعمال لروثكو وفان جوخ ورينوار و"ثعابين الماء 2" لكليمت، و"القديس سابستيان" لإل غريكو، و"زواج بيريت" لبيكاسو، بالإضافة للوحة ليوناردو دافنشي "المسيح كسلفاتور ماندي".

ونقل السيد ريبولوفليف مجموعته من جنيف لقبرص، إثر مقاضاته لمستشاره الفني السابق وأحد القائمين على تشغيل ميناء جنيف الحر، بحسب سجلات المحكمة في العام الماضي.
كما تقع ملكية حوالي 19 عملاً فنياً لبيير بونارد -أحد رواد مرحلة ما بعد الانطباعية- في حوزة عائلة ويلدنشتاين إحدى أكبر العائلات التي تتعامل مع الفن في القرن العشرين، بحسب المحامي السابق لأرملة دانييل ويلدنشتاين رب العائلة.

يوجد أيضاً بورتريه جاكلين، الزوجة الثانية لبيكاسو والتي رسمها بنفسه، لتقوم كاثرين هاتين ابنة زوجته بشحنها إلى ميناء جنيف الحر في 2012، بجانب 78 عملاً آخر له، كما ورد في السجلات القانونية.

وترى بيبتا دابونت، مؤلفة كتاب دار حول جاكلين بيكاسو "كانت جاكلين لتنهار أثناء حياتها لو علمت أن لوحاتها في الميناء الحر بجنيف".

وعلى الرغم من الجهود السويسرية الحثيثة لتتبع المخازن والملكية، إلا أن الموانئ الحرة ما زالت مأوىً معتماً، مليئاً بالأغراض ذات الملكية الملتبسة، على الرغم من شفافيتها مقارنة بنظرائها في سنغافورة مثلاً.

على سبيل المثال توجد أعمال مخزنة في ميناء جنيف الحر لـ آندي وارهول، وجيف كونز، وخوان ميرو، بقيمة 28 مليون دولار، وحُفظت هذه الأعمال بواسطة شركة Equalia إحدى الشركات المسجلة من قبل موساك فونيسكا (شركة المحاماة المتورطة في قضية وثائق بنما والجدل الدائر حول كيفية إخفاء الأغنياء لثرواتهم).

في 2009 نيابة عن إريز داليوت سمسار الماس، وبمجرد وصول هذه الأعمال الفنية للخزائن، تم استخدامها كضمان لديون داليوت لأحد البنوك البلجيكية، وفقاً لسجلات المحكمة. الآن يحاول ليون تمبلسمان، رئيس إحدى شركات صناعة ألماس في نيويورك، الاستيلاء على هذه الأعمال الفنية كجزء من نزاع مع دايلوت والبنك.


لا شفافية


وقال تمبلسمان، إن سرية سجلات الميناء، جعلت من الحصول على هذه الأعمال مسألةً أكثر تعقيداً، وأضاف بنك KBC أنه احتفظ بهذه القطع الفنية في الميناء الحر "من باب الاحتياط" وأنه لا يمكن الإدلاء بالمزيد من التعليقات في شأن يخص أحد عملائه.

كما أشار ديفيد هيلر، رئيس ميناء جنيف الحر، إلى الجهود التي يبذلها السويسريون لمعالجة انعدام الشفافية الذي أوضحته نتائج الفحص، وأضاف أنه بحلول سبتمبر ستطلب عقود التخزين من العملاء السماح بفحص التحف الأثرية التي يرغبون في تخزينها هناك.

وربما يخزن التجار وجامعو القطع الفنية أملاكهم في الموانئ الحرة لأسباب أكثر بساطة من التهرب من الضرائب، إذ ترى جورجينا هيبورن سكوت، أحد مستشاري هواة جمع
القطع الفنية، أن بعضهم لا يملك مساحة كافية في منزله، بينما توفر الموانئ الحرة مساحات للتخزين تحت ظروف جوية منظمة ومراقبة بالفيديو وجدارن مقاومة للحريق أيضاً.

وأضافت "ستكون الأعمال كما هي حين تخرج للنور، فهي لم تُعلق فوق مدفأة مليئة بالدخان".

تملك بعض المخازن أيضاً غرف مشاهدة حيث يمكن لجامعي القطع الفنية مشاهدة مقتنياتهم أو عرضها لمشترين محتملين. وشهد هذا العام أيضاً رفض المصوتين خطة لتوسع متحف الفن الرئيسي في جنيف، وهو ما كتب عنه كريستوف جيرمان المحامي السويسري، عموداً صحفياً داعياً لإجبار الموانئ الحرة على فتح أبوابها والسماح للعامة بمشاهدة مجموعاتهم الخاصة، وهو ما يعد عادلاً مقابل الميزات الضريبية التي يحصلون عليها.

في الوقت ذاته أصبح احتمال تخزين الأعمال الفنية للفنانين المعاصرين في إحدى الخزائن ذات الظروف المنظمة أمراً واقعاً يجب على الفنانين الأحياء التعامل معه.

وقالت جوليا واشتل، إحدى الفنانات المعاصرات التي تعلم أن بعض هواة لوحاتها يخزنونها "في وضعٍ مثالي، بالطبع أحب أن تعرض أعمالي بدلاً من تخزينها".

وأضافت واشتل أن الموانئ الحرة، في أسوأ حالاتها، تمثل نظاماً مالياً يفصل بين المستثمرين والقطع الفنية التي يقتنونها، لكنها تدرك أيضاً أن مخازن الموانئ تسمح لهواة اقتناء الأعمال الفنية بإدارة مقتنياتهم ومساحة جدرانهم المحدودة.

كما استطردت "شراء القطع الفنية هو ما يُبقي الفنانين أحياء".

في النهاية يرى التجار أن غالبية القطع الفنية ستظهر في النهاية، أو كما قال إزرا تشاويكي، أحد تجار نيويورك، "حتى لو ظلت هناك طيلة حياة مقتنيها، فلن تظل هناك للأبد، ستخرج للنور في النهاية".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، يرجى الضغط هنا.