اللاجئون ينافسون الشباب الألماني على السكن والمقاولون سعداء.. تعرف على السبب

تم النشر: تم التحديث:
YOUNG REFUGEES IN GERMANY
Carsten Koall via Getty Images

من المؤكد أن هوية بستاني رضوان، صاحب الاسم العربي، تختلف عن هوية تيم جيرينغر، صاحب الاسم الذي يبدو أوروبياً، لكنهما يمتلكان شيئاً مشتركاً.

فقد فرّ رضوان صاحب الـ22 عاماً من التفجيرات التي تتعرض لها حلب، ثم واجه المخاطر الكامنة برحلته عبر بحر إيجة، باحثاً عن ملاذه في ألمانيا. في المقابل يبلغ جيرينغر من العمر25 عاماً، وهو طالب ألماني يدرس الهندسة ووصل من ولاية "شليسفيغ هولشتاين" الريفية.

أما ذلك الشيء المشترك الذي يجمع بين الشاب الألماني والآخر السوري، فيكمن في منافستهما من أجل الحصول على شقة في "هامبورغ"، إحدى أغلى المدن الألمانية من حيث الأسعار ومستوى المعيشة بحسب تقرير لصحيفة "فورن بوليسي".


40 متراً


وقد تقابلا للمرة الأولى عندما كانا يلقيان نظرة على شقة متوسطة الحجم تبلغ مساحتها 40 متراً مربعاً في "أيفرستراس" التي تقع بضاحية نائية في الشمال.

واعتُبر رضوان مبتدئاً رغم أن تلك الشقة كانت السابعة خلال بحثه عن سكن، وذلك بعد أن علم أن تلك الشقة كانت تحمل الرقم 50 في قائمة الشاب الألماني.

يقول جيرينغر "ثمة كثير من الناس دائماً، فقد قضيت 4 أشهر أبحث عن شقة، فكان علي أن أوفر وقتاً للدراسة والقراءة والبحث عن شقة".

وقد ازداد الأمر صعوبة مع قدوم أكثر من مليون من طالبي اللجوء إلى ألمانيا خلال عام 2016. ويعد رضوان من بين صفوف أوائل الوافدين الجدد بألمانيا الذين يخوضون غمار البحث عن شقة بالسوق المفتوحة خارج نطاق الوحدات التي تدعهما الحكومة الألمانية.

وعلى الرغم من حقيقة أن بعض المهاجرين سوف يغادرون، وأن آخرين سوف يُرفض طلبهم للجوء، مثل أصحاب جنسيات شمال أفريقيا، فلا يزال ثمة نسبة 60% يحاولون في الوقت الحالي أن يحصلوا على تصريح بالبقاء في ألمانيا.

وبعد أن يستقر هؤلاء في ألمانيا، سوف يحاول كثير منهم البحث عن منازل في المدن الكبرى؛ لأنها تؤوي جاليات كبيرة من المهاجرين، فضلاً عن الحصول على فرص عمل أفضل من تلك التي توفرها المدن الصغيرة، خاصة في ألمانيا الشرقية التي كانت شيوعية في الماضي.


التنافس على المدن الكبرى


بيد أن تلك المدن الكبرى، وعلى وجه الخصوص هامبورغ وكولونيا وفرانكفورت وميونيخ وبرلين، تجذب أيضاً الشباب الألماني الصغير الذي يرغب في الهروب من الولايات التي يعيش بها بحثاً عن نمط حياة أكثر تمدناً.

وحتى مع تناقص التعداد السكاني لأصحاب الأعمار الكبيرة في البلد الذي يبلغ تعداده السكاني حوالي 80 مليون مواطن، فقد شهدت المدن الخمسة الكبرى نمواً بنسبة 10% منذ عام 2000، أي ما يعادل زيادة سنوية تصل إلى 60 ألف شخص يحاولون استئجار الشقق بتلك المدن.

من جانبه قال وكيل وزارة الإسكان الألمانية، جونتر أدلر "لا أسميها أزمة، لكن احتياجات الإسكان تتزايد في المدن الكبرى ومدن الجامعات على وجه التحديد؛ لأن نمط الحياة أصبح أكثر جذباً".

ويواجه معظم اللاجئين الذين يحاولون الدخول إلى سوق الإسكان عوائق رئيسية، أهمها عدم قدرتهم على التحدث بالألمانية، فهم لا يعرفون شيئاً عن القواعد المعقدة التي تحكم سوق الإيجار، خاصة الإسكان الاجتماعي منخفض التكلفة.


لا أحياء للمهاجرين


وقد امتنعت السلطات المحلية عن بناء تجمعات سكنية خاصة للمهاجرين تجنباً لتكوين شكل من أشكال الغيتو، وتشجيعهم على الاندماج مع المجتمع الألماني.

لذا فإن اللاجئين الذين يحاولون الوصول إلى السكن الاجتماعي يتنافسون مع السكان المحليين مثلما يفعلون في السوق التجارية المفتوحة لاستئجار المنازل.

ويستطيع الوافدون الجدد من اللاجئين مجابهة ذلك الأمر مثلما فعل رضوان، فهم بدلاً من ذلك يعتمدون على المسؤولين المحليين والجمعيات الخيرية مثل جمعية دعم الخدمة السكنية Wohnbrücke Koordinierungsstelle التي تتخذ من ولاية هامبورغ مقراً لها، والتي ساعدت أكثر من 100 لاجئ على إيجاد منازل للسكن.

تقول ألينا ثيم، إحدى العاملين في الجمعية، إنهم يساعدون الأشخاص الذين لديهم فرص أفضل للبقاء في ألمانيا، وهم الذين بدأوا في حضور دورات اللغة الألمانية مما يجعلهم "يمتلكون الأساسيات المطلوبة للاندماج مع المجتمع".

وأضافت أنه فضلاً عن الجمعيات الخيرية والمتطوعين، ينبغي على السلطات أن تكرس جهودها لمساعدة اللاجئين.

وأوضحت قائلة "إن احتواء اللاجئين لا يتعلق بالثقافة فقط، بل أيضاً بالتحديات الهيكلية. ثمّة حاجة لإنشاء وظائف جديدة مثل منسقين لمناطق اللاجئين، وربما من الأنسب أن يعمل بها أشخاص من اللاجئين أنفسهم".


زيادة أعمال البناء


ومع زيادة الطلب على الإسكان الذي شارك اللاجئون في حدوثه، يحاول المقاولون زيادة عمليات البناء. فقد ارتفع عدد المنازل من 159 ألف منزل في 2009 ليصل إلى 270 ألف في العام الماضي. لكن الحكومة ترغب في زيادة ذلك الرقم ليصل إلى 350 ألف منزل سنوياً.

ويمكن تطبيق ذلك الأمر نظرياً، فقد وصل عدد المنازل التي بُنيت عام 1995 إلى 603 آلاف منزل، نتيجة حالة الازدهار التي صاحبت توحيد الألمانيتين. لكن هذا الصناعة تفقد الأيدي العاملة الماهرة بسرعة كبيرة بسبب التقاعد ونقص العاملين الألمان الجدد في هذا المجال. تقول جميعة صناعة البناء والتشييد DBI، إن اللاجئين قد يساعدون على ملء تلك الفجوة، ولكن بعدما يتعلموا الألمانية ويتدربوا بشكل كاف.

وقد ضاعفت الحكومة تمويل الولايات الـ16 في ألمانيا، من أجل زيادة استثمارات الإسكان لتصل إلى مليار يورو، بالإضافة إلى خطة أخرى لرفع ذلك الرقم إلى 1،5 مليار يورو في عام 2017.

ففي ولاية هامبورغ، زاد برنامج بناء المنازل من عدد الشقق الذي كان 6000 شقة سنوياً، ليصل إلى 10 آلاف شقة سنوياً، بزيادة كبيرة غير اعتيادية وصلت إلى بناء 4800 منزل للاجئين دفعة واحدة.

وقالت دوروثي ستيبلفيلدت، مسؤولة الإسكان بالمدينة "نتوقع أن يزيد التنافس على الإسكان الاجتماعي، لذا فإننا نمتلك هذا البرنامج الخاص لكي نتخلص من حالة التوتر المتوقعة".


لا تسكنوا في أحيائنا


ولا يعد التنافس على المنازل القضية الوحيدة في هذه الصورة الكبرى، حيث يعارض السكان تلك المشروعات الجديدة، خاصة مشروعات الإسكان الاجتماعي بمناطق الأثرياء.
تقول ستيبلفيلدت "بشكل عام، يبدي الناس النية الحسنة، لكنهم يقولون لا تقم بهذه الأعمال في محيط منطقتي".

وتسعى المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في الوقت الحالي إلى تخفيف الضغط على المدن الألمانية الكبرى. حيث يقضي القانون الألماني بأن يُوزع طالبو اللجوء على ولايات البلد، مما يجعلهم يفقدون ميزات الرخاء في حال تركوا أماكنهم. وتطالب الحكومة بأن تمتد هذه القاعدة لتشمل الأشخاص الذين حصلوا بالفعل على حق اللجوء، بأن يُحدد نطاق تحركاتهم داخل ألمانيا لمدة تصل إلى 3 أعوام. وقد أدانت جماعات حقوق الإنسان هذا القرار، واصفين إياه بـ"الديكتاتوري"، لكن الوزراء يقولون إنه سوف يساعد على تسهيل ضغوط اندماجهم في المجتمع أيضاً، وليس فقط مشاكل الإسكان.

وأشارت الحكومة إلى سابقة حدثت عام 1990، عندما استقبلت ألمانيا أمواجاً من المهاجرين القادمين من الاتحاد السوفييتي المنحل. وتشير الدراسات إلى نجاح الأمر، من خلال بقاء معظم تلك المجموعات في الأماكن التي فُرضت لها، بما في ذلك المواقع الأقل تفضيلاً بألمانيا الشرقية.

ولا يتضح ما إذا كانت تلك الخطة سوف تثبت نجاعتها في عصر الإنترنت والهواتف الذكية أم لا. حيث يمتلك المهاجرون في الوقت الراهن فهماً أكثر للاختيارات المتاحة أمامهم.

ويعد رضوان من بينهم، حيث يقول "أريد أن أبقى في هامبورغ. أريد أن أدرس الصيدلة هنا". ولكن ينبغي عليه أن يجد مكاناً ليعيش به في البداية، وذات الأمر ينطبق على جيرينغر أيضاً، لكن لم ينجح أي منهما في الحصول على الشقة الموجودة في أيفرستراس، فقد نجح شخص آخر في اقتناص الفرصة.

- هذا الموضوع مترجم عن مجلة Foreign Policy الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.