أردوغان هنّأ بفتح القسطنطينية في تمام الساعة 14:53، هل هي مصادفة؟.. قصة الفتح الأعظم الذي غيّر وجه العالم

تم النشر: تم التحديث:
S
social media

هنّأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الأحد 29 مايو/أيار 2016 الشعب التركي والعالم الإسلامي بمناسبة الذكرى السنوية لفتح مدينة القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية. داعياً المواطنين للمشاركة بالاحتفال المُقام في منطقة ينيكابي في إسطنبول.

الرئيس التركي اختار الساعة 14 و 53 دقيقة تماماً بتوقيت تركيا، لنشر تغريدته عبر حسابه في تويتر، للتهنئة في الذكرى رقم 563 لدخول السلطان محمد الثاني (الفاتح) مدينة إسطنبول.

وأرجعت حسابات على الشبكات الإجتماعية السبب في اختيار أردوغان لتوقيت 14:53 تماماً، بأن تلك الأرقام تؤلف العام الميلادي الذي تمّ فيه الفتح 1453م. وليست مجرّد مصادفة.

وكالة الأناضول التركية للأنباء ذكرت أن مئات الآلاف توجهوا إلى ساحة ينيكابي في إسطنبول لحضور مراسم الاحتفال الذي ترعاه رئاسة الجمهورية، ويضم عروضًا تراثية، شملت فيلمًا تعريفيًا بـ"رماة السهام" (من جنود الجيش العثماني الذين شاركوا بفتح المدينة).


قصة فتح القسطنطينية


يحتفل الأتراك خاصة، والمسلمون عامة في 29 أيار/ مايو من كل عام، بذكرى "فتح القسطنطينية" (إسطنبول حاليًا)، وهي المدينة التاريخية التي فتحها السلطان العثماني محمد الفاتح من الإمبراطورية البيزنطية، عام 1453م، بعد أن ظلت عصية على الفتوحات الإسلامية لعدة قرون.

وفقاً لعدد من المراجع التاريخية ومن بينها كتاب "الدولة العثمانية" للدكتور علي الصلابي، كانت مدينةُ القسطنطينية أفضلَ مُدنِ العالم تحصيناً، لما عليها من الأسوار والقلاع والحصون الحصينة، والمياه تحطيها من جوانبها الثلاثة، ولأجل ذلك فشلت عشرات المحاولات في اختراقها.

حاول المسلمون فتح القسطنطينية قبل العهد العثماني عدة مرات، وذلك في محاولة منهم للفوز ببشرى الرسول التي وردت في حديث صحيح حين سُئل أي المدينتين تفتح أولاً: القسطنطينية أو رومية؟ فقال: "مدينة هرقل تفتح أولاً"، يعني قسطنطينية.

أعد السلطان محمد الثاني الذي لُقب لاحقاً بالفاتح، العدة لفتحها فبدأ ببناء قلعة على البر الأوروبي تشرف على مضيق البوسفور، وتقابلها على البر الآسيوي القلعة التي بناها السلطان بايزيد الأول، وبذلك يتحكم في مضيق البوسفور ويمنع وصول الإمدادات إلى القسطنطينية.

حاول ملكها قسطنطين أن يُثنيَ السلطانَ عن هدفه حين علمَ بالتجهيز لفتحها، فقدَّم عروضاً مختلفة، والسلطانُ يردُّ عليه بطلب تسليم المدينة سِلماً، وأنه لن يتعرضَ لأحد من أهلها، ولن يمس كنائسها بأذى.

ضجَّتْ أوروبا وكنائسُ الشرق، واتفقوا على إرسال المدد المختلف عبرَ البحر، وحاول العثمانيون صدَّ هذا الدعمِ ولم يستطيعوا، حتى إنَّ السلطان أرسل لقائد الأسطول العثماني: (إما أن تستوليَ على هذه السُّفنِ وإما أنْ تغرقَها، واذا لم توفَّق في ذلك فلا ترجع إلينا حيًّا).

لكن السفنُ الأوروبية نجحت في الوصول إلى هدفها، ولم تتمكن السفن العثمانية مِن منعها، فغضب السلطان غضباً شديداً، واستدعى قائد الأسطول وعنَّفه واتهمه بالجبن فقال: (إني استقبل الموتَ بقلبٍ ثابت، ولكنْ يؤلمني أنْ أموتَ وأنا متهمٌ بمثل هذه التهمة، لقد قاتلتُ أنا ورجالي بكلِّ ما كان في وسعنا مِن حيلة وقوة)، ورفع طرفَ عمامته وأرى السلطانَ عينَه المصابة، فأدرك السلطانُ أنَّ الرجلَ لم يُقصِّر، واكتفى بعزله.


تكتيكات عسكرية متنوعة


كان السلطان يسعى كل يومٍ لمباغتة العدو بفنٍّ عسكري جديد، فكان يُفكِّر كيف يأتيهم مِن فوقهم ومِن تحتهم، وبدأوا بخطة حفرِ الأنفاق للدخول إلى المدينة من تحت الأرض. ومع ذلك لم تفلح معظم تلك التكتيكات.

كان عدد الجنود العثمانيين الذين يحاصرون المدينة من الجهة البرية قرابة 250.000 جندي، أما من الناحية البحرية فكان هناك قرابة 180 سفينة بحرية.

اتبع عناصر الجيش العثماني طريقة لم تخطر ببال أحد، حيث أعدوا ألواحاً خشبية تصل بين البحر في القرن الذهبي والبحر عند مدخل مضيق البوسفور، وألقوا على هذه الألواح الخشبية الدهون والشحوم، وأخذوا يزلقون السفن الحربية على الألواح الخشبية من مضيق البوسفور إلى القرن الذهبي، ثم أخذت المدافع العثمانية تدك أسوار القسطنطينية من جميع الجهات.

وجمع محمد الفاتح قواده وقال لهم: "إذا تم لنا فتح القسطنطينية تحقق فينا حديث رسول الله ومعجزة من معجزاته، وسيكون من حظنا ما أشاد به هذا الحديث من التقدير، فأبلغوا أبناءنا العساكر فرداً فرداً أن الظفر العظيم الذي سنحرزه سيزيد الإسلام قدراً وشرفاً، ويجب على كل جندي أن يجعل تعاليم شريعتنا الغراء نصب عينيه، فلا يصدر عن أحد منهم ما يجافي هذه التعاليم، وليجتنبوا الكنائس والمعابد، ولا يمسوها بأذى، ويَدَعوا القساوسة والضعفاء والعجزة الذين لا يقاتلون".

وبعملٍ عسكريٍّ بارع، وتكتيكٍ حربيٍّ لم يُسبق إليه، جعل السلطانُ السفنَ تمشي على اليابسة، وتُبحر على التِّلال والجبال، وأُصيب الرومُ بالدهشة والإحباط عندما استيقظوا ليرَوا أكثرَ مِن سبعينَ سفينةً في الخليج المحيط بمدينتهم.

وعندَ الساعة الواحدة صباحاً من يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى سنة 857هـ الموافق 29 أيار 1453م بدأ الهجومُ العام على المدينة. لم تستطع المدينة أن تصمد أمامهم، وقتل إمبراطورها في المعركة، وسيطر العثمانيون على المدينة سيطرة كاملة.

s


تحويل آيا صوفيا إلى مسجد


لم يأتِ وقتُ الظهيرة إلا وكان السلطان محمد الفاتح مع جنده داخلَ المدينة فاتحين مكبِّريين ومهللين، فجمعهم وقال: (لقد أصبحتُم فاتحي القسطنطينيةَ الذي أخبر عنهم رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) وهنَّأهم بالنصر، ونهاهم عن القتل، وأمرهم بالرِّفق بالناس، والإحسان إليهم).

ثم ترجَّل عن فرسه وسجد شُكراً لله، وأمر السلطان محمد الفاتح أن يؤذن في كنيسة آيا صوفيا إيذاناً بتحويلها إلى مسجد.

يشار إلى أن كنسية آيا صوفيا كانت مقر المسيحيين الأرثوذكس العالمي، التي تضاهي الفاتيكان مقر الكاثوليك العالمي، وأمر السلطان بتغيير اسم المدينة إلى إسلام بول (إستانبول) أي مدينة الإسلام، واتخذت عاصمة للدولة العثمانية وظلت العاصمة حتى إلغاء الخلافة.

وأثناء حصار المسلمين للقسطنطينية، عُثر على قبر الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري، الذي توفي أثناء محاصرة القسطنطينية في عهد يزيد بن معاوية، فبعد فتح القسطنطينية بنى السلطان مسجداً في هذا الموقع، وغدا تسلم السلاطين مقاليد الحكم في هذا المسجد عُرفًا متبعاً حيث يتسلم السلطان الجديد سيف عثمان أرطغرل مؤسس الدولة.

كان فتحُ القسطنطينيَّة حدثًا مُهماً على الصعيدين الإسلامي والعالمي، فعلى الصعيد الإسلامي تحققت نبوءة الرسول مُحمَّد التي يؤمن المُسلمون أنَّه بشَّر بها مُنذ زمنٍ بعيد، وكان ذلك بمثابة تتويجٍ لسلسلةٍ من الانتصارات الإسلاميَّة ودافعاً ومُحركاً قويًّا للجهاد ضد الممالك الأوروبيَّة، وعلى الصعيد العالمي اعتبره العديد من المؤرخين خاتمة العصور الوسطى وفاتحة العصور الحديثة.