مخاوف من إساءة تطبيقه.. قانون جديد "ثوري" في تونس للحد من انتهاكات الشرطة

تم النشر: تم التحديث:
TUNISIA PRISON
Francois Mori/AP

بدءاً من الأول من يونيو/حزيران 2016 إذا وجدتَ نفسك تحت أي ظرف رهن الإيقاف بأحد مراكز الشرطة في تونس فلا تتكلم إلا بحضور محاميك والقانون يضمن لك ذلك"، هكذا استهل الناشط السياسي عزيز عمامي حديثه، وهو الذي طالما عانى من سلوكات أمناء الشرطة وضباط التحقيق في مراكز الإيقاف.

عمامي الذي يُعد من بين عشرات الحقوقيين والسياسيين في تونس الذين نادوا بتنقيح قانون الإجراءات الجزائية لأنه يمنح صلاحيات واسعة للمؤسسة الأمنية ويهضم حقوق الأفراد، لم يُخف شعوره بالرضا بعد الإعلان عن دخول هذا القانون الجديد لأول مرة في تونس حيز التنفيذ خلال أيام قليلة.

وأوضح في حديثه لـ"هافينعتون بوست عربي" أن القانون من أبرز المكاسب التي حققتها الثورة التونسية، التي يكفلها الدستور للمواطن من أجل حماية كرامته من الانتهاكات والمظالم التي تمارس ضده في مراكز الشرطة. ويضيف عمامي قائلاً: "في بداية المحضر يستطيع الشرطي أن يلفق لك أي شيء ويقتلع منك اعترافات تحت التهديد أو التعذيب ولا يمكن لك أن تثبت ذلك أمام القاضي"، ولذلك فإن أهم ما في هذا القانون هو أن الشرطي المكلف بضبطك وإحضارك لن يلعب دور السلطة التنفيذية والقضائية في نفس الوقت، وبالتالي سيكون الموقوف أو المشتبه به بريئاً حتى تثبت إدانته، وسيُعامل على هذا الأساس في ظل حضور محاميه وليس العكس.

الناشط السياسي أكد أنه سيقوم مع مجموعة من الحقوقيين ونشطاء المجتمع المدني بحملات توعية عبر الشبكات الاجتماعية بالقانون وأهميته. وعبّر عن اندهاشه من غياب أي ومضات من قبل وزارة الداخلية أو العدل أو حتى باقي المؤسسات الأمنية بهدف تحسيس المواطنين بدخول القانون حيز التنفيذ قائلاً: "أتمنى ألا يكون هذا التعتيم مقصوداً بهدف تمرير قانون ميت لا يطبق بعد ذلك".


ما هذا القانون؟


القانون عدد 5 من المجلة الجنائية لسنة 2016 المؤرخ في 16 فبراير/شباط 2016، ينص في فصوله على أنه لا يمكن لشرطة الضبط الاحتفاظ بالمتهم في مراكز الإيقاف إلا بأمر من وكيل الجمهورية ولمدة زمنية محددة، كما يضمن هذا القانون للموقوف الحق في طلب محامٍ ينوبه، وهو ما لم يكن ممكناً سابقاً، وفي حال لم تتوافر لديه الإمكانيات المادية فالدولة مجبرة على توفير ذلك، كما يمكن لأقرباء المشتبه فيه الحضور لمراكز الإيقاف رفقة المحامي، فضلاً عن منحه الحق في استخراج شهادة فحص طبي لإثبات إن كان تعرّض لأي عنف جسدي خلال فترة الإيقاف، إضافة إلى تقليص مدة الاحتجاز التي لا يجب أن تتجاوز 48 ساعة على أقصى تقدير.

وفي هذا الصدد يعلق المحامي مالك بن عمر على أهمية ما جاء به هذا القانون لحماية حقوق وحريات الأفراد قائلاً إن حضور المحامي بصحبة المشتبه به منذ الساعات الأولى لإيقافه في مركز الشرطة يعد ضمانةً إضافية وأساسيةً في سير المحاكمة العادلة.

فدور المحامي سيكون دوراً وقائياً، إذ إن حضوره مع المشتبه به أمام ضابط الشرطة بصفته المدافع الأساسي عن حقوق المواطنين المعنيّ الأول بدرء الظلم عن المظلومين، سيسهم، وبصفة كبيرة، في انخفاض منسوب التعذيب أو سوء المعاملة التي كان يواجهها المشتبه به منفرداً أثناء استجوابه.

ويعتبر ابن عمر أن حضور المحامي منذ الساعات الأولى للإيقاف، سيكفل احترام مختلف الإجراءات القانونية من قبل جهاز الشرطة.

لكنه استدرك قائلاً: "جميع هذه الضمانات التي كفلها القانون الجديد لا يجب أن تخفي مخاوف العديد من الحقوقيين من سوء تطبيقها على أرض الواقع، وهو ما يتطلب إرادة سياسية قوية لتثبيتها". مضيفاً: "ولِمَ لا يتم تدعيمها بإصلاحات جوهرية على مستوى جهاز الشرطة من حيث التكوين وتعزيز الموارد الفنية".






قانون ثوري لكن..


بدورها وصفت سامية عبو، النائبة في مجلس الشعب عن حزب التيار الديمقراطي المعارض، التنقيحات الواردة في قوانين الإجراءات الجزائية بـ"الثورية"، وأضافت: "هذا القانون لم تكن له آذان صاغية في ظل نظام استبدادي عانت منه تونس أكثر من 50 سنة".

وأوضحت أن أكثر الانتهاكات ضد المشتبه بهم تحصل في مراكز الإيقاف، حيث "يتم تدليس محاضر البحث أو تحريرها بشكل مغلوط، ناهيك عن أن محاضر الشرطة يمكن دحضها ويعتمد عليها القاضي في إصدار أحكامه على المتهم"، حسب قولها.

عبو لم تُخفِ رغم ذلك قلقها من وجود عوائق كثيرة تحول دون تطبيق هذا القانون، بدءاً من عقلية رجل الأمن، ووصولاً لعدم جاهزية المراكز الأمنية في تونس.

وهو ما أيده أحد رجال الأمن وهو طارق الرياحي، كاتب عام نقابة إقليم الأمن الوطني في تونس، الذي أوضح أن المؤسسة الأمنية بعد الثورة في تونس خسرت ما يقارب 60% من عتادها وأسطول سياراتها ومقارها التي أُحرق أغلبها، ولم تسترد منها حتى اليوم سوى 30% فقط.

كما أشار إلى صعوبة تسخير سيارات للمشتبه بهم بهدف نقلهم من مراكز الإيقاف إلى المحاكم أو لإجراء الفحوص الطبية، فضلاً عن صعوبة توفير أماكن الخلوة التي تتيح للمشتبه به الحديث مع محاميه في ظل الاكتظاظ المهول الذي تشهده مراكز الإيقاف والبنية التحتية المزرية لأقسام الشرطة.

وختم بقوله: "قضينا نحو 50 عاماً ونحن نؤمن ببورقيبة وبن علي واليوم نحن نؤمن فقط بخدمة تونس ونحرص قبل غيرنا على تطبيق القانون واحترام حقوق المواطن وحقه في محاكمة عادلة، لكن هناك ظروفاً على أرض الواقع تحول دون ذلك، وبالتالي نجد أنفسنا كمؤسسة أمنية في مأزق كبير بين واجب تطبيق القانون وعدم قدرتنا على ذلك بسبب قلة الإمكانيات".