لهذا تحتاج للاجئين.. أزمة ألمانيا المخفيّة تهدّد فقراءها المعادين للأجانب

تم النشر: تم التحديث:
1
social

ألمانيا دولة فقيرة، ولكن ليس ذلك الفقر من حيث النقص في السلع والخدمات والدخل، أو حتى رأس المال، ولكن فقيرة من حيث الفرص المستقبلية، والسبب بسيط: في المستقبل، سيكون على البالغين والأطفال وحتى الرضّع التكفل بدفع الديون التي تتكبدها الدولة والتزاماتهاالحالية، وهو موقف صعب للغاية.

في عام 2013، كان الدين العام في ألمانيا يقدر بـ72.5% من الناتج المحلي الإجمالي، لكن هذه النسبة تتراجع حالياً.

تسعى الحكومة الفيدرالية الوصول إلى ما يعرف بـ"حد ماستريخت"، والذي يقول بأن نسبة الدين إلى الناتج المحلي لا يجب أن تتجاوز 60%، ولكن هل هذا يدعو للاطمئنان؟
الإجابة هي لا، لأن هذا الدين هو ما يمكن أن يوصف بالدين "الصريح" فقط، إذ إن الحكومة لديها التزاماتٌ مالية أخرى، مثل السندات الاتحادية، والتي سيكون على الأجيال القادمة دفعها في المستقبل.


إعانات المتقاعدين في خطر


تتضمّن الالتزامات التي تتحمّلها الحكومة الألمانية على سبيل المثال المعاشات التقاعدية لموظفي الخدمة المدنية، حيث تم وضع أغلب تلك البرامج في سبعينيات القرن الماضي. وسيدخل الكثير من العاملين المدنيين في مرحلة التقاعد في السنوات القليلة القادمة، وهم بالطبع يتوقعون تقاضي معاشاتهم بشكل فوري، بينما لا يوجد احتياطي مالي حقيقي لضمان ذلك، ما يعني أن تلك الأمور ستدفع من ضريبة الدخل العادية التي تحصل عليها الدولة.

الضمان الاجتماعي للموظفين أيضاً سيكون في خطر. ففي كل عام، تقوم الدولة بتحويل إعانات بالمليارات إلى صندوق التقاعد (في 2014 على سبيل المثال قامت بوضع 14 مليار يورو) حتى تتمكن من دفع المعاشات للمتقاعدين بالكامل وفي الوقت المحدد، في حين أنه على الدولة أن تقوم بتحصيل هذه الإعانات من الضرائب مرة أخرى في كل عام.

الأمر ينطبق أيضاً على عددٍ من الخدمات الاجتماعية الأخرى، مثل المعاشات الأساسية، وإعانات الاندماج التي تمنح لذوي الإعاقة، ودعم الإسكان، وإعانات البطالة والرعاية الطبية والتأمين الصحي للمواطنين من ذوي الدخل المنخفض، وما إلى ذلك. إذا نظرنا إلى هذه المدفوعات بشكلٍ منفصل فسنجدها ذات قيمة حقيقية، ولكن بنظرة مجمعة، تمثل هذه الإعانات وصور الدعم كميات ضخمة من المال والتي سيكون من الواجب تحصيلها ودفعها مرة أخرى في المستقبل.

تمثل كل هذه المدفوعات ديوناً ضمنية، لأنه سيكون من الواجب دفعها تماماً مثل الديون العادية، كما أنه لا يوجد خيار الآن للتراجع عن دفعها، لأن الدستور ينص عليها.

الفارق بين الديون الصريحة والضمنية يمكن أن يوصف بفجوة الاستدامة. في 2013، كانت تقدر تلك الفجوة بـ237% من إجمالي الناتج المحلي، أي ما يعادل 6484 مليار يورو.


الفقراء سيعانون أكثر من غيرهم كالعادة


إذا قمنا بتصوير ألمانيا على أنها نشاط تجاري، فسيكون من اللازم بناء احتياطيات تعادل ذلك المبلغ، ولكن لأن هذا لا يمكن أن يحدث، فسيكون تمويل هذه المبالغ من الإيرادات الجارية للدولة في المستقبل، وهو ما يعني أنه في المستقبل ستكون هناك أموال أقل للنفقات الأخرى كالتعليم والبنية التحتية والبحث العلمي.

يمكننا القول بطريقة أخرى أن فجوة الاستدامة تفقر فرص البلاد في المستقبل، كما أن الأشخاص "الأضعف" في المجتمع هم من سيعانون أكثر من غيرهم كنتيجة لذلك. علماً أن الاتجاهات المعادية للأجانب تنمو أكثر بين ذوي الدخل المحدود الذين يعتبرون أن فرصهم باستقبال اللاجئين تضيع.

الكثير من التدابير التي اتخذها التحالف الحكومي كانت قد ساهمت في زيادة هذه الفجوة، بما فيها تغيير سن التقاعد إلى 63 عاماً، ومنح دخل إضافي للأمهات، إلا أن السبب الأكبر في هذا الحجم لفجوة الاستدامة هو التغير الديموغرافي.

إذا كان لديك عدد قليل من الشباب يقومون بتمويل الخدمات، في حين يحصل المزيد من كبار السن عليها (تحت مسمى المعاشات، الضمان الاجتماعي، خدمات الرعاية الطبية)، فستستمر تلك الفجوة في الاتساع، في حين تقل الفرص المستقبلية.


المهاجرون حلٌّ واقعي لمشاكل ألمانيا المستقبلية


قد تكون الهجرة هي أحد التدابير الفعالة لتقليل فجوة الاستدامة، حيث أن المهاجرين بشكل عام يكونون أصغر سناً، وعلى مدار حياتهم سيقومون بتمويل الخدمات أكثر ما يحصلون عليه منها.
الأمر المهم بالنسبة للهجرة هو تحصيل الضرائب، وأن تكون مفصلة لتفي باحتياجات سوق العمل الألماني. على سبيل المثال، سيكون أمراً مساعداً لسوق العمل الألماني أن يستقبل العمالة في مجالي التصنيع والطب.

طبقاً لحسابات أجراها البروفيسور رافيلهوشن، الباحث المتخصص في الاستدامة، فإنه في حال وضع القانون الصحيح للهجرة، سيكون من الممكن لألمانيا تقليص فجوة الاستدامة من 237% إلى 217% فقط.

تظهر تلك الأرقام أيضاً أن الهجرة لن تكون سوى عامل واحد من بين مجموعة من التدابير التي يجب اتخاذها لمواجهة المستقبل الألماني الفقير.


مستقبل غير مبشّر ينتظر البلاد


على الرغم من ذلك، سيكون من المأساوي أن تفشل ألمانيا في استغلال هذا الحل، لأن تراجع أعداد السكان وارتفاع نسبة الشيخوخة قد يقودان إلى ذلك المستقبل الفقير بشكل أسرع، حيث أنه بدون المهاجرين، تنكمش ألمانيا إلى ما يشبه مدينة يسكنها 150 إلى 200 ألف نسمة.

اليوم، تفضّل أغلب الأعمال التجارية الألمانية الناجحة الاستثمار في الخارج بدلاً من ألمانيا التي تصيبها الشيخوخة. كنتيجة لذلك، يقل عدد فرص العمل والقيمة المضافة للبلاد، وفي مجتمع كهذا، لن ينجو سوى الأغنياء، ما يعني أن المستقبل الفقير ربما يتحوّل إلى حاضرٍ فقير أسرع مما نتخيّل.

- هذا الموضوع مترجم بتصرف عن النسخة الأمريكية لـ “هافينغتون بوست". للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.