الرعب من الماء حوّل أوروبا إلى مرتعٍ للقذارة في القرون الوسطى.. فكيف تحولت إلى قارةٍ تبرق نظافةً؟

تم النشر: تم التحديث:
WATER EUROPE
1

مشوارٌ طويل قطعته القارة الأوروبية خلال القرنين الماضيين لتنتقل من قارة يشكو الناس من رائحة مدنها، إلى أوروبا نظيفة وخلابة كالتي نعرفها اليوم.

الكاتب ساندور ماراي الذي ولد في بداية القرن الـ 20 لعائلة بورجوازية، أصدر كتاباً يؤرخ الحال الأوروبي، اعترف فيه بأن الاعتقاد الذي كان شائعاً في عائلته الغنية هو أن الاغتسال الكثير يضر بالصحة.

ويقول ماراي في كتابه “اعترافات بورجوازي” إن رائحة أوروبا كانت لا تطاق بالفعل؛ فأكثر الأغنياء كانوا يغتسلون بالماء خلال الأعياد فقط، وإن الحمامات وأماكن الاغتسال في قصور وبيوت الأغنياء كانت مجرد ديكور، بل وإنهم أحيانا كانوا يغتسلون مرةً واحدةً كل عام.

موراي قال في كتابه، “كان البورجوازيون الأوروبيون في نهاية القرن الـ 19 يغتسلون فقط حين يمرضون، أو حين يكونون على وشك الزواج”.

وأضاف بأن شوارع أوروبا في القرون الوسطى كانت عبارة عن مرتع للفضلات، وكانت تعبرها الحمير والبغال والأبقار والماعز والخنازير، فتضيف إليها ما استطاعت، وبعد ذلك يأتي الجزارون فيذبحون المواشي في الشارع العام فتختلط الدماء وأمعاء الحيوانات بفضلات البشر، فيصبح كل ذلك منبعاً لكل الأمراض الممكنة.

وأضاف بأن الفكرة الشائعة في القرن الـ 18 كانت أن الإنسان يستحم مرةً واحدةً في حياته، وكان المارة في شوارع المدن الأوروبية يضطرون للقفز فوق الفضلات البشرية حتى لا يدوسونها بأقدامهم.

وكان السكان يضعون فضلاتهم في أكياس، ثم يرمون الأكياس عبر أقرب نافذة.


الخوف من الماء




medieval painting

ماراي تساءل كيف أنه مع عصر النهضة الأوروبية لم يستطع الكثير من العلماء تفسير أسباب أمراض مثل الزهري أو الطاعون أو الكوليرا، بل إن علماء ظلوا يعتقدون أن الاغتسال بالماء الساخن يضعف الجسم ويعرضه للأمراض.

انتشرت وقتها “نصيحة علمية” بأن التنظيف يجب أن يكون بالوسائل الجافة ومن دون ماء، وأن الأطفال يجب أن ينظفوا وجوههم بخرق من الثوب الجاف، لأن استعمال الماء يفقد الوجه ألوانه الطبيعية ويجعله عرضةً لأشعة الشمس وللرياح الباردة.

ويصف ماراي أغلب المنازل الأوروبية في العصور الوسطى، بأنها كانت بلا غرف استحمام ولا مراحيض، وأن سكانها كانوا ينزوون في ركن قصي من الشارع ويقضون حاجاتهم دون أي حرج.

غير أنه من أغرب ما يرويه كتاب “اعترافات بورجوازي” هو كيف كانت الفضلات البشرية تستعمل من أجل غسل الجلود وتلميع الزجاج، وأن بعض الشركات كانت تجمع تلك الفضلات في آبار عميقة لتعيد استعمالها.

ويضيف الكتاب، “كانت النظافة مقتصرة على الشوارع الكبرى أو الأماكن التي تمر منها المواكب الرسمية، وأفضل وسائل التنظيف في تلك الفترة هي ترك الخنازير تقتحم الأسواق والشوارع من أجل التهام الفضلات البشرية وبقايا الأكل والخضار، لكنها تلتهم الفضلات وتترك فضلاتها في الشارع، فينتظر الناس الأمطار كي تتكفل بجر ما تبقى نحو الوديان والخنادق”.

ويقول ماراي في “اعترافات بورجوازي” إن أفراد الطبقة الراقية كانوا “يغتسلون” بواسطة الملابس، أي أنهم كانوا يغيرون ملابسهم الداخلية باستمرار - مرةً في الشهر -، لأنها كانت تمتص العرق والوسخ، وكانوا يحبذون الظهور بملابس بيضاء.

ويحكي الكاتب الفرنسي بول سكارون، الذي عاش في القرن الـ 17، في مسرحية “رومان كوميك”، كيف أن الخادم كان يأتي لسيده بمياه نقية ومعطرة، وأنه كان يكتفي بغرغرة بعض الماء المعطر في فمه ثم يبصقه وينتهي الأمر.



water mill europe


النهضة تبدأ


في القرن الـ 19، بدأت عدة مدن أوروبية تستعمل وسائل خاصة من أجل عزل المياه المستعملة عن مياه الشرب. وانتشرت المراحيض في إنكلترا وعليها عبارة VC.

ثم بدأ الأوروبيون ينظمون معارض ومؤتمرات حول آخر وسائل النظافة، وتم اكتشاف أدوية مضادة لعدد من الأمراض الوبائية مثل الطاعون والكوليرا والتيفوس والحمى الصفراء.

عندها اكتشف الأوروبيون أن الماء لم يكن سيئاً، وأنه من الممكن الوقاية ضد عدد كبير من الأمراض بوسائل بسيطة مثل غسل الأيدي قبل الأكل أو بعد الخروج من المرحاض. وبعد ذلك أصبح الصابون صديقا للأوروبيين.

وفي سنة 1847، اكتشف العالم الهنغاري، اينياك سيملويز أسباب الإصابة بالحمى القاتلة، والدواء كان بطبيعة الحال هو النظافة.

وفي سنة 1869، اكتشف العالم الاسكتلندي جوزيف لستر وسائل التعقيم ودورها في الحد من الموت بعد العمليات الجراحية، ما أثبت أن الماء لا يضــر أبداً بالصحــة.

ورغم كل ذلك فإن الخوف من الماء ظل سائداً في أوروبا حتى بداية القرن الـ 20، ومع مرور الأيام والسنوات تحولت أوروبا من قرية يرمي فيها الناس فضلاتهم من النوافذ، إلى قارة تبرق نظافة وعناية.